راسل ادارة الموقع جديد المشاركات التسجيل الرئيسية
  #1  
قديم 17-08-2011, 01:58 AM
ندى الرفاعي ندى الرفاعي غير متواجد حالياً
عضو مشارك فعال
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 683
افتراضي عبرة الذكرى في تحقيق الفكرة...

عبرة الذكرى في تحقيق الفكرة... (1)
حديث غير محكي عن المباركية
ثلاثة محاور مصاحبة لأحداث ولادة المباركية




كتب يعقوب يوسف الإبراهيم

يترافق هذا العام حلول الشهر الفضيل مع شهر أغسطس مثل عام 1911، ليقدح زناد الذاكرة مرجعا اياها الى قرن كامل مضى بخيره وشره، بحلوه ومره، ولكن الذكرى توقفت بنا لتستقر بجانب حدث مفصلي مهم خطت فيه الكويت نحو بوابة التعليم الحديث تاركة وراءها من دون رجعة ايام «اللوح» المطلي بــ «الطين خاوة» الذي يكتب عليه الملا حروف الهجاء، وتختفي معه مفردات صاحبته ابدا مثل «النافلة» و«الدخالة» و«الخميسية» و«الفطرة» و«الجزو» وغيرها، حتى تدرك «الختمة» وعندها يبلغ الصبي اشده بعد ان نال من ملاه عقاب «المطرق» و«الفلقة» والتي يسمونها «الجحيشة» نسبة للعصا التي يساق فيها «الجحش» اذا توقف عن المشي (حَرَن)، كل هذا والملا يحفظ الصبيان البيت القائل:
فرحم الله الذي أبكاني
لأنه للخير قد هداني

قد يفلت من ذلك الموقف أبناء السراة والشيوخ على مبدأ المثل «طق الكلب يستادب السبع»، ولكن لن يغيب عن البال «الصنقل» تلك السلسلة الحديدية التي يربط فيها ساق الصبي اذا ما ارتكب جرم السباحة في البحر الذي مسح ماءه دمغة الحبر على ساعده فينال الحبس معها في فترة الغداء وقد يأخذها معه الى البيت لترافقه بضعة أيام.
اما اذا هرب سيئ الحظ من كل هذا ارجعه ولي امره الى الملا مرفوقة بمقولة اصبحت «كليشيه» على كل لسان: «عندك اياه ملا جزاك الله خيرا.. لك اللحم ولنا العظام».
يحدث كل هذا لفترة سنتين أو ثلاث هي مدة الختمة (قراءة القرآن كله) في حجرة مستطيلة بابها على باحة (حوش) البيت، فيها نافذة واحدة وأرض يكسوها حصير قصب مسفوف يطلق عليه مسمى «بارية» او «منقور» يجلس عليها الصبية وبقرب كل واحد منهم وعاء للماء من الفخار «قرشة» تصحبه صباحا ومساء وطوال أيام السنة، فلاعطلة ولا استراحة لمن كان مقتدرا اما الباقون فماؤهم من زير مشترك (ح.بْ)، فلا عطلة ولا استراحة خلالها.
كان هذا ما يجري عموما وهو امر لا تختص به الكويت، بل هو ما تعارف عليه الناس اينما كانوا، وهو محيط جعل الغالبية العظمى من الصبيان يمقتون هذه الطريقة في التعليم وينفرون منها.
وهي على بدائيتها كانت الحل الأوحد لتربيتهم والحد من لهوهم، باللعب والتسكع وعلى اعدادهم مواجهة المسؤولية والحياة الشاقة التي كتب عليهم خوضها، كانت تلك سمة دهرهم ولكل امرئ من دهره ما تعودا.
ولكن من الطبيعي ان تكون لكل قاعدة شواذ، فهناك مدارس خاصة لأبناء العوائل الميسورة في دواوينهم تكون تحت ادارة نوعية أقل قسوة وأكثر تفهما لمتطلبات الصبية ولكنها لا تخلو من الحزم والشدة اذا ما تطلب الأمر. وقد انتسب لها بعض ابناء اسر التجار، وخصوصا من نجد وما جاورها.
ومع هذا، فالبلاد لم تعدم ومنذ تأسيسها من المعرفة ولا كانت صحراء بلا روح لمحبة العلم، فنشأ فيها من كتب ومن نسخ ومن علم ولم تنقطع يوما عن التواصل الفكري مع محيطيها في استجلاب اربابه، فهم على كثرتهم ليسوا ارقاما نحصيها من دون ان نروي شيئا عن انجازاتهم وان كانت بسيطة بمقياس اليوم ولكنها كانت خطوات عملاقة بمقياس زمانها، ولسنا هنا في مجال التباهي ولن تعقد السنتنا الدهشة والانبهار حينما نتكلم عن من قدم من أقطار قصية امتدت من شنقيط الى ازمير وما بينهما.

أول كتاب
في منتصف القرن الثامن عشر وبعد تأسيس الكويت بقرن واحد تقريبا سافر أول المبعوثين الى مصر للدراسة في الجامع الأزهر وتبعه آخرون، وحينها طبع أول كتاب على نفقة كويتي في مطبعة بولاق في عام 1871، فكسرت القاعدة التي كانت محصورة بارتياد طلبة العلم الأقطار المجاورة لسهولة الوصول اليها بالسفر الى مجال أوسع، كما ان بعض التلاميذ الميسورين قد التحقوا بمدارس البلدان العثمانية والهندية، حيث كانت اسرهم تقيم فيها وتعلم بعضهم لغات اجنبية من خلال ذلك بالاضافة الى مواد جديدة رافقت العلوم الحديثة التي كانت تدرس فيها.
كانت هذه هي الحال وبحذافيرها تنطبق على مستوى الناشئة التي ما برحت الانخراط في هذا النهج التقليدي جيلا بعد جيل وعلى مر عقود طويلة، حيث انتظم الجنسان بــ «كتاتيب» تولى اصحابها المهنة فيها أبا عن جد، وحملت اسماء بعض عوائلهم على لقب «الملا» و«المطوع» زيادة بالتعريف.
وكان من أهم اسباب استمرار هذا النهج اضافة لما ذكرناه هو تلبية حاجة البلاد الى كتبة يسدون فيها شواغر متطلبات تطور المهنتين الأهم، التجارة العامة والنشاط البحري بشقيه السفر والغوص، فان المتفوقين منهم يلتحقون بكتاتيب عرف عنها باجادة حسن الخط والالمام بمادة الحساب، حيث تكون المنافسة على اشدها لعرض نتاجهم على التجار في دكاكينهم، آملين الفوزبالوظيفة المناسبة، ويبرز هذا المظهر ان حاجتهم تتمحور عند هذه الطبقة وهو ما يؤكد صلتها الوثيقة بالتعليم منذ البدايات.

الأحداث المصاحبة
لا بد لنا ونحن بصدد الحديث عن سيرة تطور التعليم في الكويت ضرورة الالمام بدقائق التفاصيل ظرفا وزمنا. وان نسعى الى تنشيط الذاكرة التاريخية كونها الحاضنة الراصدة لكل حراكات المجتمع، فهي المعين الامين لاستقراء حركة الانسان وقياس الزمان وطبيعة المكان من خلال واقع معين بنظرة شاملة متفحصة تحمل بين جنباتها طابع التعمق في الجرد لنضعه في مقدمة اولياتها لكي نردم فجوات التهميش والاقصاء والجهل، التي كثيرا ما صاحبت نتاج كتابات لا زال منهجها هو الاجترار والإعادة، وابتعادها عن عرض الجديد وتقديمه لاثراء قيمة البحث. كما انها قد اخفقت، بل عجزت، في سعيها ربط الموضوع بما كان يدور حوله من احداث ومؤثرات ذات اهمية بالغة فجاءت الحصيلة توحدا بالحدث فقط ليأتي منفصلا منعزلا مبسترا نتيجة عدم اسقاطه على خلفية المشهد العام المصاحب بظروفه وتحدياته غير مرتبط بواقع أحداثه، وهو ما سوف نبرزه وفق ما تم العثور عليه من شواهد ساعدت في تقديم دراسة وصفية راصدة لتصبح قيمة هذا المشروع الاصلاحي الرائد ظاهرة المعاني واضحة الرسالة، ونأمل ان يضيف لها المهتمون المزيد فباب البحث لا يوصده احد وان التغاضي عن امور يتم اخفاؤها تشكل نقيصة لا يرضى بها المهتمون ولا تفي بالغرض المنشود.
ولكن ما يلفت الانتباه ويجلب العجب تغاضي الكتاب العرب والأجانب عن ذكر التعليم وتأسيس المباركية وهي ظاهرة جديرة بالدراسة. وان كتبوا اما ان يكون خطأ تاريخيا أو تجاهلا للموضوع على الرغم من ادعائهم بالاهتمام بالعلم والثقافة. وقد ظهر حديثا كتاب انفق عليه من مؤسسة حكومية مال كثير واسبغ على مؤلفه أرفع الألقاب، وبلغت صفحاته خمسمائة وستين صفحة، وكل ما جاء فيه عن المباركية هذه الجملة «لعب مبارك دورا في تمويل أول مدرسة تفتح في الكويت»، عشر كلمات فقط للعلم، بينما انصب التركيز على الخوض في تفاصيل المشاكل والحروب وما أشبه، فالتوتير أهم من التنوير.
لكي نعطي الأمور حقها، وجب الاحاطة بكل ما يثري الموضوع بإدراج انعكاسات الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للفترة المصاحبة لمشروع تأسيس المدرسة المباركية التي امتدت من 25 مارس 1910 حتى افتتاحها في 22 ديسمبر 1911 وهي على قصر مدتها لكنها كانت غنية بالأحداث التي صاحبتها فوجدناها تقبع على ثلاثة محاور رئيسية وهي:
ــ الفكرة الحاجة والظرف.
ــ التقبل والدعم والتنفيذ.
ــ التصور والامكانية.

الفكرة والحاجة
كانت الفكرة مختمرة لدى احد مثقفي الكويت وهو السيد ياسين بن محمد بن عبدالمحسن بن ياسين بن عبدالجليل الطبطبائي. والسيد عبدالجليل (الجد الاكبر) رجل الدين والشاعر الذي قدم الكويت عام 1252 هــ الموافق 1836م (في منتصف حكم الشيخ جابر بن عبدالله بن صباح الحاكم الثالث 1814 ــ 1859، وآل طبطبائي سادة اصحاء معروفون وتاريخهم محفوظ في الكويت وغيرها). وهو الذي عاش في فترة التعليم البدائي التقليدي وذاق طعمها ولكنه رجل علم ومعرفة، سافر وتعرف وخبر قيمة التعليم الحديث، فوجد مناسبة المولد النبوي، الذي تحتفل به الكويت، ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الاول عام 1329 هــ الموافق 25 مايو 1910م (منتصف حكم الشيخ مبارك الصباح الحاكم السابع 1896 ــ 1915) فرصة سانحة.
ونترك ما قاله السيد ياسين الطبطبائي الى الشيخ يوسف بن عيسى القناعي (1876 ــ 1973) (ابرز حملة مشعل التنوير في الكويت) كما وصفها في كتابه «صفحات من تاريخ الكويت» عن تلك المناسبة.
«كان الشيخ محمد بن جنيدل يقرأ البرزنجي في محلنا، وكان المجلس محتشدا بالمستمعين، فلما انتهى المولد قام المرحوم السيد ياسين الطبطبائي والقى كلمة خلاصتها: «ليس القصد من مولد النبي (ص) تلاوة المولد وانما الاقتداء بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الاعمال الجليلة، ولا يمكننا الاقتداء بها الا بعد العلم بسيرته، والعلم لا يأتيكم اليوم الا بفتح المدارس المفيدة وانقاذ الامة من الجهل الخ..»، وبعد ان انتهى كلامه تدبرته فإذا هو الحق، فأخذت افكر في الوسيلة التي يكون بها فتح مدرسة علمية، فرأيت ان اكتب مقالا ابين فيه فضل العلم والتعلم ومضرات الجهل وقيمة التعاون على هذا المشروع، فكتبت مقالا وابتدأت بالتبرع بمبلغ خمسين روبية، ليست ملكي حينئذ، وانما دفعتها بعد ان يسرها الله لي، ثم ذهبت الى المرحوم سالم بن مبارك الصباح وتلوت عليه المقال فأجابني بأنه لا يمكن ان يقوم بهذا الامر الا الحاكم، وكان الحكم حينئذ بيد والده مبارك، وخرجت قاصدا محل شملان بن علي بن سيف، ولم اجد هناك الا ابراهيم بن مضف فتكلمت معه عن المشروع فتبرع بمائة روبية، وبعد هنيهة جاء شملان واخبرته فحبذ هذا العمل، ولكنه لم يظهر لي غايته، ولم يكتب شيئا، فخرجت من محله منكسف البال، لانه الصديق الحميم الذي يسمع كلامي ولا يخالفني في شيء، ولكنه حين قيامه من محله ذهب الى دكان اولاد خالد الخضير واخبرهم بالخبر فاستبشروا به وتبرعوا بخمسة آلاف روبية، وتبرع شملان بمثلها، وطلبوا من ابراهيم بن مضف الزيادة فتبرع بخمسمائة روبية ثم خاطبوا هلال المطيري فتبرع بخمسة آلاف روبية ثم جرى الاكتتاب فحُصّ.ل من بقية اهل الكويت 12500 روبية».
نقف هنا عند ماذكره الشيخ يوسف بن عيسى القناعي وسوف نرجع الى البقية مرة ثانية.

اللحاق بالتعليم
عند تحليلنا لماجاء نستشف ان التوق والرغبة في اللحاق بركب قافلة التعليم العصري كانا جذوة مخبوءة في كويت تلك الايام، ولكن ارهاصاتها ظهرت بوضوح واخذت المسلك الجدي مع تأملات واماني الطبطبائي فقد جلا ليل الشقى اتيانه، فجدلت تلك الموعظة همة من اراد الامساك بخيط المبادرة ومن ثم الانهماك في تتبع طريق تحقيقها فعلا لا قولا، حقيقة لا خيالا، لينطلق ذلك التلهف من عقاله الى ما يمكن استحضاره لتلبية ذلك الامر الملح والقيام بتعديل مسار وضع منهك، برغبة عارمة للانفصال عن طرق التعليم التقليدية بصورها المتغلغلة في ادبيات التأخر والجهل، والنزوع الى المفاهيم الحديثة في تقويم النشء ليمكنه الدلوف من خلاله الى افق واعد برؤية واعية، حتى تأخذ رياح التغيير الزمام حينما تهب تباعا داعية الى وثبة وتحد، يحدوها شعور عامر بالثقة لتفعيل تلك الافكار التنويرية، وان كانت غير مألوفة حينها في مجتمع محافظ ولكنها غدت مردوفة بسيل من التعضيد لم يكن له سابق عهد، فاصبح الهدف واضحا أمام نواصب النظر، همه تحقيق النموذج الامثل بانجاز كبير تكون ثمرته هي الوسيلة والواسطة المؤدية الى دروب الصلاح والاصلاح، على حد قول شاعرهم:
اما علموا ان الحياة بعصرنا
مدارس في كل البلاد تشيّد
وهو جواب شاف لما قاله لاحقا الاديب احمد خالد المشاري عن معاناة الشباب في بلده، حيث يلف شعره حالة من اليأس والقنوط والغضب واصفا ومستنجدا:
لهفي عليها نفوس في الكويت ثوت
في حندس من ظلام الليل غاشيها
هذي الشبيبة شبح الجهل يفزعها
وانت مأمنها اذ انت حاميها
هذب مداركها عضد مدارسها
وارحم طفولتها اذ انت راعيها
وقبله قال عبدالعزيز الرشيد واجاد عن حاجة الكويت الملحة للتعليم:
يا ايها الاقوام احيوا ارضنا
بمدارس فيها العلوم تصانُ
ان المدارس كالسلاح لامة
ما عندها جيش ولا اعوانُ
ان المدارس للبلاد كمزنة
تحيي بها الاعشاب والريضان
ان المدارس للعباد كمصقل
تجلى بها الاوساخ والادران
نحن الصغار لنا عليكم واجب
جاءت به الاثار والقرآن
رقوا مداركنا بعلم نافع
تصفو به الافكار والاذهان
ما تقدم هو خلاصة جمع لما تناثر من خلجات وزفرات ملتاعين كانت غائبة عن الاذهان، تضمن الوقوف عندها استشفاف تلك المرحلة، المتأهبة الى نقلة حضارية ما لبثت ان انطلقت من الكويت الى باقي اقطار الخليج والجزيرة مكتوبة بأقلام ثلة من رجال التنوير نشرت في امهات الصحف الصادرة في مصر وغيرها مؤذنة ببلوغ منعطف رائد بكل ما للعلم والريادة من دلالة ومعنى وايحاء، لما سوف يتبعه من انارة وتأثير.

الظروف السياسية
حينما ذهب القناعي الى الشيخ سالم المبارك الصباح (والذي كانت تربطه به علاقة حميمة) كان جوابه بانه لا يمكن ان يقوم بهذا الامر الا الحاكم (يقصد والده الشيخ مبارك). هل كان السؤال هنا محرجا؟ وهل أتى الجواب اعتذارا؟ ام انه كان متوقعا؟ فاذا كان هو الاخير، فيصدق هنا ما ذكره حافظ وهبة (وهو احد المعلمين في المباركية): «ومع ان للعلم والعلماء منزلة في نفوس شيوخ العرب وعامتهم، فان الشيوخ قلما يعنون بتعليم ابنائهم وتثقيفهم، وقلما يعنون بغير الرماية والفروسية والصيد والقنص، وبعض الشيوخ يرى طلب العلم عيبا، لان ذلك قرين الجمود والخمود وانتظار الصدقات. اما الامارة في نظرهم، فقرينة الحركة والنشاط والتفكير». (جزيرة العرب ص 131).
ام انه صعوبة الظرف السياسي الذي كانت تمر به الكويت، والذي لم يتطرق اليه من كتب عن مراحل تأسيس المباركية ولم يقع نظري خلال بحثي هذا الى من تعرض لذلك قربا او بعدا! فالحقيقة والشواهد تدل على ان الفترة التي امتدت من اواخر عام 1909 حتى اوائل عام 1912 كانت حرجة جدا بكل المقاييس.
فالاوضاع السياسية في الكويت كانت تمر بمجموعة من الازمات السياسية والعسكرية والاجتماعية. والتي تأخذ اشكالا مختلفة في تفسيراتها، ولكنها تنطوي على وجود حوافز لإذكائها لتوفر المناخ المتوتر، خصوصاً في السنوات الخمس الاخيرة المتبقية من عمر الدولة العثمانية، حينما تسلم الاتحاديون الحكم بعد اقصاء السلطان عبدالحميد وعزله في 27 ابريل عام 1909، وعلى اثره تأسس في البصرة حزب الحرية والائتلاف الذي تزعمه السيد طالب النقيب يعضده كل من الشيخ مبارك الصباح والشيخ خزعل المرداو. ويهدف الحزب الى سلخ ولاية البصرة واستقلالها. وكان والي البصرة انذاك سليمان نظيف الذي ساءت علاقاته بالزعماء الثلاثة. وكان الشيخ مبارك الهدف الثاني بعد الشيخ خزعل، الذي قصفت البارجة العثمانية قصره في كوت الزين، حيث كان يعتقد انه موجود فيه، فقتلت من جراء ذلك احدى زوجاته.
كما أوغر الوالي صدر زعيم المنتفك سعدون باشا بمهاجمة الشيخ مبارك في بداية عام 1910، فكانت البوادر إغارة على اغنام تعود الى عثمان الراشد احد تجار الكويت، وتبعها بهجمة على «عريب دار» التابعين للكويت، فتأزمت الامور بسرعة فائقة، مما استدعى الشيخ مبارك تجييش حملة كبيرة لردع سعدون باشا بلغ تعدادها 12 الف مقاتل.
كان النظام العسكري الذي اعتمده الشيخ مبارك في مثل هذه الحالات هو وضع ضريبة على التجار كل حسب ملاءته المالية لاعداد ما يطلق عليه بـ«الخُبرة» الواحدة منها تتكون من تجهيز عشرة رجال بسلاحهم وسبعة ركائب (ذلول الابل) مع خيمة وتجهيزاتها من متاع وطعام وعلف.
وقد كتب عن ذلك بالتفصيل الكابتن شكسبير الوكيل السياسي البريطاني في الكويت (1909 – 1915)، ويمكننا ان نجملها بان مجموع ما قدمه التجار ستمائة خبرة، أي تجهيز ستة الاف مقاتل واربعة الاف ذلول مع العتاد والطعام واللوازم مجموع تكاليف ذلك ثلاثمائة وواحد وخمسين الف ريال (ماريا تريزا) وهو ما يعادل نحو اربعمائة وستين الف روبية، بالاضافة الى تجهيزات الشيخ التي بلغت ثلاثمائة وخمسة وتسعين الف ريال (ماريا تريزا) ما يعادل نحو خمسمائة وعشرين الف روبية (تقرير رقم 13 – 30 مارس 1910).
في منتصف مارس 1910 تلاقى الجيشان وكانت النتيجة لمصلحة سعدون وسقط ثلاثمائة وثمانية وثلاثون قتيلا وكثير من الجرحى، وكانت الخسائر المالية الفي بعير والفي بندقية وكثيرا من المتاع (المرجع تقرير الكابتن شكسبير) واطلق عليها معركة «هدية».
لم يقتصر الامر على ذلك، حيث يقول الرشيد: «لم تلن عريكة مبارك بعد تلك الهزيمة وفقده الجيش العظيم، بل شرع يستعد لغارة لا تبقي ولا تذر، واخذ يجلب الالات الحربية التي هو في حاجة اليها وضاعف التكاليف على اهل الكويت».
دفع اهل الكويت المزيد من التكاليف الحربية بعد معركة «هدية» ومن ثم معركة «مزبورة». وبادروا الى ما امروا وما تريثوا» (كما يقول الرشيد) ولكن الامر لم ينته بهما، فنتيجة الى وشاية مغرضة منع موسم الغوص لتلك السنة 1910، وفي الغوص حياة الكويتيين وثروتهم فازداد الوضع تعقيدا، واغلظ الشيخ مبارك الكلام على ثلاثة من كبار تجار اللؤلؤ (طواويش)، فعزموا على الهجرة بعد موسم الغوص الذي يبدأ في شهر مايو حتى نهاية اغسطس (تأخر موعد المغادرة في تلك السنة مدة شهر) وكانت تلك هي الأزمة الثانية. (للمزيد من التفاصيل يرجع الى كتاب «تاريخ الكويت» – عبدالعزيز الرشيد، عن «موقعة هدية» و«هجرة تجار اللؤلؤ» - الطواويش).
اما الحادث الثالث، فهو اتفاق الأتراك والألمان على تمديد سكة حديد برلين – بغداد الى كاظمة، وجاءت زيارة المهندس الالماني موني ممثلاً للبنك التجاري التركي حيث يصحبه مسؤول كبير من وزارة الخارجية التركية، وقابلا الوكيل السياسي الكابتن شكسبير. كما زارا الشيخ مبارك في منتجعه بالسرة الذي تطير من هذه الزيارة، فانطلقت الاقاويل التي زادت الوضع المحلي المتوتر تأزيما وتخوفا، وامتدت زيارتهما من اوائل ابريل حتى العاشر منه لسنة 1910.

التقبل والدعم والتنفيذ
امام كل هذه الخطوب الجسام وفي خضم أتونها لم يتوقف جهد المخلصين الذين انبروا الى مشروعهم الحضاري بالعزيمة نفسها التي بدأوا بها، ولم توقفهم الحربان بكلفتيهما الباهظتين بالنفس والنفيس. ودليل القول كثير محفوظ وهو ودائع العقول وخزائن الفهم وامر موجود لم تخلقه مقالة ولا ابتدع من عدم. لنرجع الى ما بدأنا به عما ذكره القناعي عن حملة التبرع والتي كانت حصيلتها في الكويت ثمانية وعشرين الف روبية.
يكمل واصفا مشاهداته: «وتبرع ايضا اولاد خالد الخضير ببيت كبير للمدرسة. وعينت لمباشرة البناء، واشترينا بيت سليمان العنزي وبيتا اخر بقيمة زهيدة، وحصل بيت وقف خرب تحت إشراف آل خالد، فادخلناه في المدرسة فصار مجموع قيمة البيوت التي التحقت في بيت الخالد اربعة الاف روبية، وشرعنا بالبناء اول محرم سنة 1329 هـ الموافق 2 يناير 1911 وانتهى في رمضان من تلك السنة، وبلغ مجموع البناء والابواب والاخشاب نحو ستة عشر الف روبية». نتوقف هنا لشرح ما سبق. فنعود بالتاريخ الى حفلة المولد النبوي في 12 ربيع الأول 1328 هـ المصادف 25 مارس 1910 تلتها حملة التبرعات بعد تاريخه حتى الشروع في البناء محرم سنة 1329 ويقابلها بالتاريخ الميلادي 2 يناير 1911 فتكون المدة عشرة أشهر ثم عملية البناء التي استغرقت حتى رمضان الذي صادف شهر اغسطس 1911 فكانت المدة ثمانية اشهر من العمل الحثيث لتكون بأهمية سنة ونصف السنة .
ضمت هذه البيوت لتصبح أرضاً تشبه المربع طول ضلعها من الشرق الى الغرب مائة وعشرون قدماً وعرضها خمس وثمانون قدماً من الشمال الى الجنوب، فتكون المساحة الكلية عشرة آلاف ومائتي قدم مربعة، تشمل ست غرف، أربع في الجهة الجنوبية قرب المدخل واثنتان في جهة الغرب، قسمت كل واحدة منها الى اثنتين ليصبح المجموع ثماني غرف. وبنيت في جهة الشرق ثلاثة مخازن فوقها غرف صغيرة، كانت معدة لراحة المعلمين أو لسكن الزوار. ثم ألحقت بالمدرسة غرفة، وبيت سكنه السيد عمر عاصم عندما كان وكيلاً ثم مديراً وكان يشكل ثلث مساحة المدرسة.


مدخل المدرسة المباركية


http://alqabas.com.kw/Article.aspx?i...&date=17082011

http://alqabas.com.kw/Temp/Pages/2011/08/17/18_page.pdf

الحلقة الثانية :
حين تسأل يأتيك الجواب.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-08-2011, 11:00 PM
ندى الرفاعي ندى الرفاعي غير متواجد حالياً
عضو مشارك فعال
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 683
افتراضي

عبرة الذكرى في تحقيق الفكرة... (2)
حين تسأل: من درس فيها؟
يأتيك الجواب: من لم يدرس فيها؟



كادت الامور تصل الى ما لا تحمد عقباه عندما تم صرف معظم حصيلة ما جمع، وبقي جزء ضئيل لا يكفي ولا يفي، ولم يكن في الافق امل ولا كان من شيمة اهل الكويت ان يمدوا ايديهم لغيرهم طالبين المساندة، وهنا صدقت مقولة اهل الكويت اذا ما دعت الدواعي: «انصو كولابا» والمقصود بها تنادوا بآل (إبراهيم، وهذا نص ما سجله القناعي:
«وكتب آل خالد وناصر المبارك الصباح وشملان وهلال الى قاسم وعبدالرحمن آل إبراهيم، فتبرع قاسم بثلاثين الف روبية، وتبرع عبدالرحمن بعشرين الفا». كان آل خالد يمثلهم في بومبي، انذاك اخوهم عبدالرزاق، وقد تولى الاتصال والمتابعة بآل إبراهيم وهو ما تثبته الرسالة التالية.
كان تاريخ ارسالها الى الكويت 8 ذي الحجة 1329 المصادف 1 ديسمبر 1911. وهو يشرح مساعيه عما قام به ورغبة آل إبراهيم بالمساعدة الأكيدة، ولكنها كانت مشروطة بأن تكون المدرسة قائمة على اسس عصرية، وهذه لفتة اهتمام يجب أخذها بنظر الاعتبار ويجب ان تسجل لهم كما تثبتها الرسالة بوضوح، فاصرارهم على ان تكون مواد التدريس تخضع إلى نظرة عصرية هي ان تلحق الكويت في ركب حضارة ثقافية متمدنة. وفتح المجال على مصراعيه الى أبنائها للانطلاق إلى عالم التربية الحديثة أسوة بغيرها من الدول المتقدمة. ولم يكن المال هو ما فكرت به الأسرة في تقديمه فقط بل عرض النمط المتحضر ايضا وادخاله الى الكويت لتعريف أهلها به، وهو ما قامت به مرارا: حينما أهدت إلى الشيخ مبارك أول سيارة في الخليج، ودعوته وبعض التجار للمشاركة في اول شركة بواخر حديثة واطلاق اسم شركة المراكب العربية عليها. (كانت اول شركة ملاحة عربية، وتبعتها مصر بعد عقدين من الزمن) وكذلك التبرع بإنشاء أول كلية علمية حديثة وهي كلية الارشاد والدعوة في القاهرة وقبل تأسيس جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حاليا). وحينما حذت البحرين حذو الكويت بانشاء مدرسة الهداية الخليفية عام 1919 تبرعوا لها بسخاء وجاء شكرهم على لسان مديرها حينذاك حافظ وهبة في حفل الافتتاح للتبرع السخي والمؤازرة الحثيثة ومثلها عند بناء مدرسة النجاة في الزبير عام 1922 حيث تبرعوا بجميع الاسقف والأبواب والنوافذ ومن جملتها الباب الضخم الذي نراه اليوم مدخلا لديوان البابطين في النزهة بالكويت.
ومن جليل الأعمال قبل ذلك تدريب بعض الشباب الكويتيين على الأعمال التجارية في الهند وتشغيل بعضهم. وسعيهم في كل ذلك إلى ربط الثقافة التقليدية بالافكار والمفاهيم العصرية وادخال الرؤى الفكرية للتعليم ساعدهم في ذلك الإقامة الطويلة في الهند بحكم اسفارهم للبلدان الأوروبية ومعايشتهم لأهلها، هدفهم من كل ذلك هو شغفهم المندفع في نشر بذور المعرفة لأجل السمو بوطنهم الى ذرى شامخة.

دور ناصر المبارك
واهتماماته الثقافية

يكاد أن ينفرد الشيخ ناصر المبارك الصباح عن إخوانه وبقية الأسرة بالاهتمام بالثقافة منذ نعومة أظافره. وقد كتب الرشيد «كان رحمه الله شاباً ذكياً ذا فطنة وحافظة، وقد لقب لذلك بــ«كعب الأخبار» اشتغل بطلب العلم على أيدي أساتذة في الكويت متحصل على شيء من العلوم الدينية كالفقه والعقائد، وأما أستاذه الحقيقي فهو نفسه الطموحة وهمته العالية التي كانت ولا تزال اذاك تدفعه الى التوسع في طلب العلوم والمعارف والتنقيب والبحث حتى بلغ إلى درجة قد أغالي إذا قلت إنه لم يبلغ في الكويت من أبناء جنسه أحد». وقال عنه محمد رشيد رضا عند زيارته الكويت: «أنزلني مبارك في قصره الجديد الذي هو قصر الإمارة وتولى مؤانستي ومجالستي في عامة الأوقات نجله الشيخ ناصر رئيس لجنة الكويت، لأنه هو الذي يشغل أوقاته في مدارس العمل ومراجعة الكتب حتى صارت له مشاركة جيدة في جميع العلوم الإسلامية وكان يسأل عن دقائق العلوم في العقائد والأصول والفقه وغير ذلك على انه لم يتلق عن الأساتذة، فهو من مظاهر الذكاء العربي النادر».
وتذكر الوثائق البريطانية بتاريخ يناير 1912 عن مشروع المدرسة والقائمين على تأسيسها، أن التبرعات كانت تجمع من قبل هيئة ترأسها الشيخ ناصر وعضوية كل من حمد الخالد وشملان بن سيف وإبراهيم بن مضف، وقد قاربت التبرعات الى لك روبية وهناك مشاورات مع بعض العلماء لاستقدام مدرسين مؤهلين من مصر ومكة ليكون برنامج تدريسها تابعاً للطرق العصرية. وهناك احتمال لتدريس لغات أجنبية وربما تكون الإنكليزية، وسوف يبتدئ البناء في الصيف ويكون تمويلها من ريع أوقاف بساتين النخيل بالكامل.
وفي رسالة له الى فهد الخالد وإخوانه بتاريخ 30 شوال 1329 المصادف 23 أكتوبر 1912 يذكر فيها: ان يوسف بن عيسى مراده ان يسعى لإقامة مدرسة علمية تجمع ثلاثة أشياء، هي: مدرس متفنن بالعلوم الدينية عقلاً ونقلاً، ومعلم للقرآن الشريف بطريقة التجويد لأولاد المسلمين مجانا، وكاتب أديب يعلمهم الكتابة والحساب وعلم الأدب وأشعار العرب، فنرجوكم المساعدة بالمال والمقال، واذا ما وفى الحاصل بما ذكرناه قدمنا الأول فالأول، وإن زاد على ذلك، فالأمر منكم وإليكم. ادخلوا فيها ما تشاؤون من العلوم الأجنبية والله سبحانه وتعالى الموفق.

أقوال الطبطبائي

ويأتي دور الأديب والصحافي عبدالوهاب الطبطبائي وكان مراسلا لجريدة «المؤيد» بعنوان «مدرسة الكويت»: «وحيث كان حضرة المحسن العربي العظيم الشيخ قاسم وابن عمه الشيخ عبدالرحمن آل إبراهيم ممن عرفهما القاصي والداني بحب العلم والتفاني في نشره وبثه، لا سيما في البلاد العربية، فقد كتب لهما من الكويت في إعلام عن هذه المساعي وطلب منهما مد يد المساعدة والاعانة على البر والتقوى، فما هي إلا ايام الا وسرتنا الاخبار بأن حضرة الشيخ قاسم تبرع للمدرسة الكويتية بمبلغ ثلاثين الف روبية وابن عمه بمبلغ عشرين الف روبية، فتأمل بربك ايها القارئ الكريم وانظر إلى هذه النجابة وهذه السماحة التي يندر ان يوجد عربي يباريهما في مضمارها وزد على هذا ان حضرة الشيخ قاسم كتب إلى اولئك الناهضين كتابا يشجعهم فيه ويشكرهم على الهمة التي أجروها لمنفعة اوطانهم وحثهم على ان تكون المدرسة حية يدرس فيها العلوم الدينية والدنيوية على الأصول الحديثة في التعليم، ونصح لهم بأن يراجعوا في طلب المعلمين الحاذقين في فنون العلوم السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار لكي لا تذهب اعمالهم ادراج الرياح بتوظيف من لا قدرة لهم على تدريس العلوم العصرية فيصرف الطلاب أوقاتا ثمينة فيما تكون نتيجته بعيدة المنال ان لم أقل عقيمة».

رسالة عبدالرزاق الخالد الخضير
إلى أخيه حمد

بسم الله
من بومبي في 8 ذي الحجة 1329 للكويت.
جناب الأجل الأمجد الاغنم سيدي الأخ حمد بن الوالد خالد المحترم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام والسؤال عن شريف خاطركم لازلتم بغاية الصحة والسرور. بابرك ساعة أخذنا مشرفكم العزيز رقم 17 الماضي تلوناه مسرورين بدوام سلامتكم وما ذكرتم كان عند مملوككم معلوم لاسيما الجوتي والفنيلات أخذناهم على مطلوب جنابكم جعلهم من استعمال العافية.
سيدي هالأيام بان لي بعض الاشارة من الشيخ جاسم البراهيم انه له نية يزور حضرة مولانا الشيخ مبارك ولا تبين لي متى نيته يتوجه ونحن اخبرناه عن المدرسة الذي معتمدين الجماعة ينشؤنها بالكويت وواعدنا إذا راح وبانت له الحقيقة انها مدرسة تكون للعلوم المطلوبة اي العلوم العصرية فهو يحط بها اعانة جبرة. وايضا الشيخ عبدالرحمن لما اخبرناه اوعدنا اذا هي تكون للعلوم العصرية فهو بيسلم لها اعانة عشرين ألف روبية ومن المعلوم اذا كان هذه اعانة الشيخ عبدالرحمن فالشيخ جاسم لا شك ان اعانته تكون كثيرة جزاهم الله عن الوطن وأهله خير الجزاء ولا يخفاكم سيدي الترقي التي يحصل لناشئة أهل الكويت من هالمدرسة وايضا ما يدافع عن الأوطان الا أهل العلم العصري عن توغل الأجنبيين بها. ولا بد حضرة مولانا الشيخ أدام الله وجوده تبين له المصلحة الكبرى للوطن في انشاء هذه المدرسة وتجزم انه ان شاء الله ما يدخر المساعدة ربنا يدعم عزه وسلامته وعلا حسب أملنا لا بد يجتمع ان شاء الله مبلغ جسيم لها فأرجوكم سيدي تحرصون حد الإمكان على الهمة في انجاز هالعمل الخيري وفق الله جميلكم لكل خير ولا تذخرون تقنيع الجماعة بأن تكون مدرسة علوم عصرية. ولا بد بواسطة المبلغ الذي يجتمع من الإعانة يتمكنون من جلب معلمين لايقين من الخارج. هذا ما لزم أرجوكم ابلاغ سلامنا للجميع.....

شهادة شكيب إرسلان

وما إ‍ن قرأ أمير البيان شكيب إرسلان هذين المقالين حتى كتب بعد يومين في الجريدة نفسها بتاريخ 22 صفر 1330 مقالاً رئيسياً بعنوان «تباشير الصباح العلم في جزيرة العرب»، مطلعه:
«تأججت عند أهل الكويت العزيمة لإنشاء مدرسة عالية وتبرعهم بالأموال اللازمة لذلك الغرض الجليل، وان حضرة الأمير مبارك الصباح قد أعطى هذه العزيمة حقها من الجد والتثمين، وهو الذي يفهم قدر العلم من سروات العرب كحضرة الشيخ قاسم آل إبراهيم وغيره. فقلنا قد لاحت تباشير الصباح وأذن مؤذن العلم يحيي على الفلاح وانشق فجر الإصلاح في جزيرة العرب عن دجنة الجمود المقيتة عليها الى اليوم. وابتدأ فيها هذا البثق الميمون من الكويت السعيدة بمصباحها، الناهضة الى فلاحها مما يرجى معه اتساع البثق البادئ وشمول النعمة أرجاء الجزيرة بأنواع المعارف وتتابع حملات العلم الكاشفة لغواشي الجهل بما يرد على الجزيرة عهدها السابق ويجعلها من الأمة بمنزلة القطب الى الرحى»، ثم يعرج في شرح طويل امتد على ثلاثة أعمدة على الصفحة الأولى الى قوله:
«وما توخاه أهل الكويت تولى الله تسديدهم من نوظ اختيار المعلمين لمدرستهم برأي حضرة الاستاذ السيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار فإنه خير من يذهب اليه سالك طريق الصواب لأن الأستاذ المشار إليه رأس في الغرض اللازم لترقي جزيرة العرب، ومرجع في مشروع تهذيب الأمة بفنون المعارف العصرية. فإذا وقع الاختيار في علماء العصر على مائة شخص لهذا المشروع واصطفى من المائة عشرة كان هو أحد العشرة، واذا أريد انتخاب واحد من هؤلاء العشرة كان هو ذلك الواحد». ويحث الأمراء العرب الاقتداء بالكويت وشيخها في سعيهم نحو العلم والتنوير.

محمد رشيد رضا
ومدرسة علمية في الكويت

اما السيد محمد رشيد رضا فقد كتب ما يؤيد ما جاء به الأمير شكيب إرسلان عن تكليفه من الشيخ جاسم آل إبراهيم ظهر في مجلة المنار الصادرة في القاهرة في 30 ربيع الأول 1330 الموافق 19 مارس 1912 بعنوان «مدرسة علمية بالكويت» يذكر فيها: «وكان من لبى الدعوة وسبق الى تأييد هذه المبرة صديقنا المحسن العظيم الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم فقد تبرع لها بألفي جنيه وتبرع غيره من آل بيته الكريم بمبالغ عظيمة يليه منهم الشيخ عبدالرحمن آل إبراهيم. وقد كتب هذا الصديق الأبر الأوفى من بومباي ان لجنة المدرسة كلفته ان يطلب مني وضع برنامج للتعليم في هذه المدرسة وان اختار لها المعلمين الأكفاء، فكان هذا الطلب نعمة له ولأعضاء اللجنة ان يملوها عليّ، إذ رأوني أهلاً لمشاركتهم في هذه الخدمة الجليلة.
وقد كتبت اليه ثم الى اللجنة أسأل عن وقت فتح المدرسة وعمَّن يرجى أن يكون فيها من الطلاب ودرجة معرفتهم، وغير ذلك من المسائل التي يتوقف عليها تنفيذ ما شرفوني به. وقد كتبت هذه النبذة قبل ان يجيئني الجواب منهم ببيان ما سألت عليه».
ولكن من غريب الصدف ان لا تظهر مثل ما ذكر أعلاه عن اختيار السيد محمد رشيد رضا فيما كتب عن المباركية عندنا اطلاقاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما كتبه عبدالعزيز حسين في كتابه محاضرات عن المجتمع العربي بالكويت في الفصل التاسع قصة التعليم في الكويت ص 109 «وكانت المباركية في أول أمرها بمستوى علمي متواضع، ولم يكن هناك منهج متفق عليه الخ..» من ذلك يظهر عدم اطلاعه على ما كتبته الصحف بمصر آ‍نذاك بأقلام أقطاب بارزين، ويسرنا القليل منها والذي يثبت عكس ما صرح به تماماً، وهذا خطأ يحسب عليه وهو الدارس في المباركية والمبعوث الى مصر منذ عام 1939 حتى عام 1950 في التصريح دون بحث وأناة، أو تحقق، علماً بأن مصادرها متوفرة ولا تحتاج إلى جهد كبير. وهو ما استمرأه الكثيرون بعده، ونقلوه بعلاته وخطئه.

رأي الرشيد في دور مبارك الكبير

يذكر الرشيد ص 223 «ان امير البيان شكيب إرسلان قد نشر اذ ذاك في جريدة المؤيد الغراء افاض فيها بذكر المدرسة وبالشيخ مبارك آل صباح الذي سميت باسمه وبمدحه والثناء عليه لهمته العالية التي دفعته الى انشاء هذه المدرسة واناط به لغيره من الكتاب الأمل العظيم في ان يكون احد الامراء الافذاذ الذين يشيدون مجد العرب ويرجعون عزهم الغابر».

التبرع والبناء

كانت هذه الفترة التي بدأنا بها موضوعنا هي بين 25 مارس 1910 حتى ديسمبر 1910، وهي مدة قاربت تسعة أشهر تخللتها مرحلة الاكتتاب التي كانت حصيلتها ثمانية وعشرين ألف روبية هو مجموع ما تبرع به تجار الكويت وسكانها.
وفي يناير1911 ابتدأت مرحلة البناء التي استمرت حتى أغسطس 1911 وهي مدة بلغت ثمانية أشهر صرف خلالها مبلغ قدره ستة عشر ألفاً. وشراء بيوت للتوسعة بلغت أربعة آلاف روبية.
فشكل تبرع آل إبراهيم ما يقارب 70%، أضيف اليه المتبقي من تبرعات أهل الكويت البالغة ثمانية آلاف روبية ليصبح مجموع الفائض ثمانية وخمسين ألفاً من الروبيات. وضعت أمانة عند آل خالد بعد ان عيّن مجلس مالي لها مكون من ثلاثة أعضاء هم: حمد الخالد الخضير وشملان بن علي بن سيف وأحمد الحميضي.
وعمل آل خالد في توظيفها للحصول على إيراد ثابت ليمكن الصرف على ديمومة التدريس، حيث لم تكن أجور تعليم الطلاب كافية، فالمدرسة تتقاضى أجراً شهرياً للطالب المقتدر مقداره روبيتان شهرياً كحد أدنى ولذوي الدخول المتوسطة روبية واحدة، أما غير المتمكن فالدراسة مجانية، وعلى سبيل المثال كان عدد الملتحقين في سنة افتتاحها مائتين وأربعة وخمسين طالباً بلغت أجورهم 3580 روبية بواقع 14.8 روبية سنوياً أو 1.2 شهرياً.
كان استثمار المتبقي على شكل مساهمة في تمويل تجار الغوص، وما زاد استثمر في شراء بضعة دكاكين في السوق القريب من المدرسة اطلق عليه لاحقا سوق المباركية وفي سوق الدهن. وقد أحسن آل خالد في تنمية الأصول وعندما تأسست إدارة للمعارف عام 1935 كانت في ميزانية المدرسة بضعة عشر ألفاً سلمت لها.
افتتحت المدرسة في 22 ديسمبر 1911 بعد أربعة أشهر من انتهاء بنائها، وتصادف ذكرى افتتاحها أول محرم بداية التقويم الهجري لسنة 1330، أي بعد سنة هجرية لبدء العمل في بنائها أول محرم 1329 هـ».
وجاءت زيارة السيد محمد رشيد رضا الى الكويت في 9 مايو 1912 الموافق 22 جمادى الاولى 1330 هــ بعد حوالي خمسة اشهر من الافتتاح، للاشراف على ما تم تحقيقه ولإكمال ما اتفق عليه في 8 ذي الحجة 1329 هـ المصادف الاول من ديسمبر 1911.

التلاميذ والعطل

التحق في المدرسة بسنتها الأولى 254 تلميذا، واصبح العدد بعد 5 سنوات 341 تلميذا بزيادة %40 تقريبا، وبعدها بعقد عام 1922 افتتحت المدرسة الاحمدية وبعد عقدين اصبح عدد المدارس 35 مدرسة، خمس وعشرون منها للذكور وعشر للاناث، وبلغ مجموع التلاميذ 250 تلميذا، وارتفعت نسبة القراءة والكتابة الى %10 من سكان الكويت آنذاك.
كانت العطل فيها أيام الجمع وسبعة أيام لعيد الفطر ومثلها لعيد الأضحى ويوم عاشوراء ويوم المولد النبوي ويوم المعراج والاسراء ونصف شعبان وآخر يوم من شعبان.
ويوم القفال عودة الغاصة من موسمهم بعد غياب حوالي اربعة اشهر ثم «الكشتة» في أواخر شهر مارس مدتها خمسة عشر يوما.
***
خلاصة القول وصفوته انه كان حديثا ذا شجون «وقد وجدت مكان القول ذا سعة» وعندي ما أقوله فقلته عن تلك الرحلة المثقلة بالتحديات قطعتها الكويت على امتداد قرن.
هي صحوة الانعتاق من قيود الجهل رغم عثرة المسالك وقلة الموارد وكثرة الخطوب، ورغم عسرها فقد تصدت لها كوكبة انفقت من حلال، صرف في النوال، اعطت ما لا يفنى فاستحقت مديحا يروى وثناءً يبقى.
قارعت تلك الخطوب بعزم أكيد وتصميم لا رجعة فيه، فنالت ما سعت له.
لقد صدق شوقي حين قال:

وما استعصى على قوم منال
اذا الإقدام كان لهم ركابا

ان الاعتزاز بالانتماء، الى جيل منح للعلم سلطة فاقت التسلط، ليقينه ان اسرار العظمة لا يبلغ حد مداها الا اذا دُقت أبواب المعرفة.
انها المكونات الكويتية التاريخية حينما كان ابناؤها آنذاك قوة تمتد حتى خارج الوطن، قوة نادرة قادرة ساعية لتشكيل مجتمع متمكن من بناء مؤسساته مهما صعب الأمر لان مكتشفي الطريق هم رواد في مسيرتهم تنطوي نفوسهم على حفظ العهد والوفاء بالوعد فهي كانت مسلمات لا تحتاج الى حوار أو تأويل لانتفاء الضرورة الى ما يبرر.
انها قصة المدرسة المباركية، وحينما تسأل «والكثير من السؤال يكون اشتياقا، والكثيرمن رده تعليلا»: من درس فيها؟ يأتيك ا لجواب: من لم يدرس فيها!! كانوا كثيرين.. كل أبناء الكويت.

مدرسة علمية تجمع ثلاثة عناصر

سعى يوسف بن عيسى لإقامة مدرسة علمية تجمع ثلاثة أشياء هي: مدرس يتقن العلوم الدينية عقلا ونقلا، ومعلم للقرآن الشريف بطريقة التجويد لأولاد المسلمين مجانا، وكاتب أديب يعلمهم الكتابة والحساب وعلم الأدب وأشعار العرب.

ما كتبه العدساني في «المؤيد»

اترك المجال للاحاطة بما قدم آل إبراهيم كما كتبه عنهم بعض الأفاضل ومنهم المرحوم سليمان العدساني قبل قرن من الزمن في جريدة «المؤيد» القاهرية، نشرت في 19 صفر 1330ه‍‍، وكانت من اهم الصحف العربية آنذاك بعنوان تأسيس المدرسة في الكويت وعن مساهمة آل إبراهيم فيها: «ومن كان يذيع هذا الخبر ويرن صداه بين العرب في بومبي حتى شرع بالاكتتاب اليه واني اذكر ما تبرع به منهم حضرة المحسن الكبير الشيخ قاسم آل ابراهيم وهو ثلاثون الف روبية. ولعمري انها لمساعدة كبرى سيحفظ له الكويتيون فضلها، واتمنى الآن لو انني شاعر أتغزل بالمآثر الحسنة لهذا الهمام وان كان هو غني عن اطراء مثلي بما يعرفه عنه اهل مصر وسوريا والحجاز وغيرها من الإعانات الخيرية التي تذكر فيشكر عليها إلى آخر الزمان. كما اني اذكر ما تبرع به ابن عمه الكريم حضرة الشيخ عبدالرحمن وهو عشرون ألف روبية وان هذا لما يستحقان عليه الشكر والامتنان من كل كويتي بل وعراقي. اقول «عراقي» ذلك لأن العلم إذا حل ببقعة ما وانتشر فيها سرى إلى المجاورين فينتفعون منه. وقد بدأ القوم بجلب الصخور من الخارج لوضع اساسها وعزموا على اختيار المعلمين من مصر، وجعلوا ذلك على ما سمعت تحت نظر حضرة السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار، فبارك الله بهم ووفقهم لما فيه الصواب».


* انتهى *





باحة المدرسة المباركية





مقال شكيب ارسلان في صحيفة {المؤيد} المصرية 1912





مقال محمد رشيد رضا في جريدة {المنار} عام 1912





السطران الأخيران في ذيل الصفحة بخط يد الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، كتبهما قبل وفاته بسنوات قليلة.. بسم الله ما كتب في هذه الورقة صحيح، وبيت ابن ابراهيم من البيوت القديمة التي لا تتكرر.. حرر في 4 ذي القعدة .. (توفي عام 1973)





وثيقة الخالد
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الذكرى الأليمة ندى الرفاعي القسم العام 12 02-08-2014 05:38 AM
الذكرى الـ 45 لوفاة أبو الدستور bo3azeez تاريــــــخ الكـويت 1 07-12-2010 07:18 PM
دور التنشئة الاجتماعية والإعلام والمجتمع المدني في تحقيق الوحدة الوطنية أدبنامه البحوث والمؤلفات 3 11-06-2010 11:31 PM
فذكر إن نفعت الذكرى جهينه القسم العام 3 03-10-2009 06:46 PM


الساعة الآن 01:26 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2018
جميع الحقوق محفوظة لموقع تاريخ الكويت