راسل ادارة الموقع جديد المشاركات التسجيل الرئيسية

 
 
        

اخر المواضيع

 
 

 
 
العودة   تاريخ الكويت > منتدى تاريخ الكويت > المعلومات العامة
 
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-02-2008, 11:46 PM
الصورة الرمزية AHMAD
AHMAD AHMAD غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
الدولة: الكويت
المشاركات: 2,634
افتراضي أبنَاءُ السِّـندْبَاد - مجلة العربي

-

قبل ربع قرن، رحل آلن جون فاليرز (1903 ـ 1982) عن عمرٍ يناهز الثمانين. فاليرز المولود في ملبورن بأستراليا, كان الابن الثاني لعائلة أسترالية لها أربعة أبناء وطفلتان. وقد عاش أبوه، سائق الترام، حياة عمادُها القيم الاشتراكية، بل وكتب مقالاتٍ في الصحف العمالية، وطرقَ باب الشعر، فعرف الابن الصغير منذ عمر مبكر شكل الحبر والطباعة، وخبر أجواء القراءة والكتابة، مثلما اقترب من الطبقة العاملة، وهو اقترابٌ لا يكادُ عملٌ يميزه، مثلما يبينُ في كتابه الشهير «أبناء السندباد»، الذي يروي رحلة بحرية عبر الطرق التقليدية سلكها نواخذة الكويت في الخليج العربي في أوائل القرن الماضي.


للعودة إلى قراءة هذا الكتاب القديم الجديد أكثر من سببٍ: فهو اهتمام بأدب الرحلة الذي يصوِّر العالم بالكلمات، ويختزل الجغرافيا والتاريخ إلى حروف، مثلما هو بحثٌ ونقد في الصورة النمطية لقراءة الغرب للشرق، خاصة إذا علمنا أن مثل هذا الكتاب يعدُّ مرجعًا متداولا وشعبيا في مادته وهي الرحلة البحرية للعرب من موانئ الخليج إلى السواحل الإفريقية. وأحد الأسباب - كذلك - هو عناية مركز البحوث والدراسات الكويتية بإصدار طبعة جديدة لنصه العربي، بترجمة وتحقيق الدكتور نايف خرما، ومراجعة الدكتور يعقوب يوسف الحجي.

لن نستعرض لهذا الكتاب مقدمة واحدة أو مقدمتين وحسب، وإنما سنطالعه مع ثلاث مقدمات، الأولى جاءت مصاحبة للألبوم المصور (224 صفحة من القطع الكبير، باللغة الإنجليزية)، والذي تم تخصيصه للصور التي التقطها فاليرز، وهي صور تعد اليوم مكتبة بصرية غنية ونادرة في آن واحد، وهي توثق خط الرحلة بين الكويت والساحل الإفريقي، سواء على البر، أو على متن البحر، قبل نحو سبعة عقود. وقد اختار هذه الصور، وقدم لها، وعلق عليها ويليام فاسي، ويعقوب يوسف الحجي وجريس بونديك.

تقول المقدمة الأولى، للكتاب المصور، إن إعادة طبع هذا المجلد جاءت لتميط ستائر النسيان والإهمال عن رحلة قوامها عام قضاها فاليرز في عرض الماء مع العرب، يشاركهم الخطر الذي يداهمهم به البحر. وفيما كانت هناك ثلة من مكتشفي الجزيرة العربية - منذ القرن الثامن عشر - بدأت مع نيبور واستمرت بين سطور القرن التالي التي دونها بوركارد، وهاري سانت جون فيلبي، وفريا ستارك، وويلفريد ثيسجر، حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين. فمن العجيب أن البحث عن اسم فاليرز بين هؤلاء لايسفر عن إضاءة واجبة لجهد ذلك الرحالة، الذي يعده المحررون للمقدمة «ثيسجر بحر العرب، وهو وصف لا يفي بحق فاليرز ككاتب وحسب، وإنما - كما فعل ولفريد ثيسجر - كمصور أيضا».



الملح في العروق
وتستطرد المقدمة في إضفاء السحر على صاحب الرحلة والصور وكيف أنه «ولد وملح البحر يسري في دمه»، وهو التوَّاقُ للإبحار وركوب التيار، مما جعله مغامرًا بحريا بامتياز، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وهو الذي مزج مهارات الإبحار في المياه، بموهبة الإبحار في الحروف، فضلاً عن ريادة في فن التصوير الصحفي. ولذلك فإن فاليرز حين وطأت قدماه الجزيرة العربية في 1938، كان قد أبحر قبلها في أطول سفن العالم، كما وصل عبر رحلة ماراثونية إلى أنتاركتيكا، وأصدر كتبا ونشر مقالات عن جُلِّ رحلاته. كما كان - حين وصل إلى الخليج - قد أكمل للتو رحلة مدتها عامان على متن السفينة جوزف كونراد، وكان مجيئه إلى سواحل جزيرة العرب لثقته أنه سيعيش وسط العالم الشراعي في مشاهده الأخيرة، على أمل أن يوثقه قدر ما يستطيع.

والمقدمة الثانية كتبها في لندن سنة 1940 فاليرز نفسه، ممهدا بها للنص الإنجليزي (404 صفحات من القطع المتوسط)، وقبلها سنقرأ المقدمة الأولى المشار إليها عليه، وقد ألحق بها مصادر معلومات ومراجع، وهي دون شك قائمة ببليوجرافية مهمة لمن أراد دراسة ذلك الموضوع، وهي لا تضم مصدرًا عربيًا واحدًا، ومنها منشورات فاليرز عن رحلاته مثل الحملة النرويجية للقارة المتجمدة (1923 - 1924)، ورحلة بارما (1932)، وجولة كونراد (1937)، وأبناء السندباد الذي صدرت له أكثر من طبعة مع تعديلات طفيفة للرحالة، والمرور في البحر الأحمر على متن سفينة الداو (نشرت في مرآة البحار سنة 1954)، هَبْني سفينة أُبْحِر بها (1958)، عن السفن والرجال (1962)، آخر السفن التي تحركها الرياح (بعدسة فاليرز - 2000). ومن المثير أن هناك يوميات غير منشورة لآلن فاليرز محفوظة بالمكتبة الوطنية في أستراليا، كانبرا، ومنها أوراق خاصة برحلته إلى الجزيرة العربية، تنتظر من يكشف أسرارها.


وثالث المقدمات هي التي كتبها يعقوب يوسف الحجي للقراء في مراجعته للطبعة العربية، ويشكو فيها الأحكام المطلقة لمؤلف أبناء السندباد: «غير أن آن في كتابه هذا، مع أنه أسدى لنا خدمة كبيرة ولتراثنا البحري كذلك. فإنه لم يكن يخلو من تقصير بحقنا - نحن العرب والخليجيين. إن الواقف على ما كتبه القبطان، فاليرز - من المختصين في مجال التراث البحري الخليجي - ليجد نفسه في حيرة من أمره حين يصنّف هذا الكتاب، هل هو مرجع موثوق أم أنه لا يرقى إلى هذا؟ وهل كان كاتبه متجرّدا من التحيز ضد العرب، أم أنه قصد الإساءة لهم والتقليل من شأنهم وقدراتهم في بعض الأمور؟ وهل كانت رحلة واحدة مع نوخذة واحد، وهو علي النجدي، كافية لكي يقوم هذا المؤلف بإطلاق التعميمات والاستنتاجات عن العرب وعن سفنهم وعن طرقهم في الملاحة؟»، ويستطرد الحجي: «إن آلن فاليرز يعرف تمامًا أن حكمه هذا على نواخذة الكويت والخليج حكم خطأ، ولكنه أراد أن يجعل قراءه في الغرب يؤمنون بأن العرب لم تعد لديهم المقدرة على الملاحة في البحار المفتوحة... فقد صعب عليه أن يرى هؤلاء العرب البسطاء الذين يلبسون الثوب والغترة والعقال، هؤلاء البدائيين يستطيعون استخدام جهاز (الكمال) البريطاني الصنع، ويمكنهم قراءة خرائط الإدميرالية البحرية البريطانية كأي قبطان غربي. إن هذا شيء يصعب احتماله، ولكن القبطان فاليرز ربما اندهش أكثر لو عرف أن النوخذة الكويتي أحمد سالم الخشتي كان لديه جهاز (أو ساعة) الكرونومتر التي كان يستخدمها لقياس خط الطول كذلك».




رأيان في الموسيقى الخليجية
يعترض الحجي أيضا في مقدمته على رأي فاليرز حول الموسيقى التقليدية، لأنه يقول -عن فاليرز - «أما عن موسيقى ورقص البحارة فهي في رأيه ضجيج وإزعاج لا معنى له. ولكن هذا ليس بالغريب على رجل يأتي من الغرب، إذ كيف لشخص مثله أن يتأثر قلبه أو مشاعره لصوت (نهام) يصيح مودعا الأهل والأقارب وهم وقوف على ساحل البحر عند بدء رحلة سفر طويلة يعود بعدها البحار لأهله أو يدفن في قاع البحار. هذه المشاعر لا يمكن لقبطان مثل آلن فاليرز أن يحس بها. لقد كان صوت النهام وغناء العواد (إسماعيل) وأهازيج البحارة ليس سوى إزعاج ونشاز بالنسبة له».
والذي يقوله الحجي صحيح، وما يقوله فاليرز صحيح، لكن صحة حديث الحجي هي التاريخ، وصحة كلمات فاليرز هي الأدب. وبين التاريخ والأدب، وبين التأريخ وكتابة سيرة مفعمة بالمشاعر الذاتية بونٌ كبير.




من المعلا إلى المنامة

مع بواكير الرحلة التي بدأت في اليمن، وستنتهي في الكويت، يصف فاليرز المشهد: «حول خليج المعلا تنتصب جبال عدن القاحلة الوعرة حارة ومكفهرة كما لو كانت قد صممت ووضعت في ذلك المكان عن عمد لتمنع رياح المحيط الباردة من الوصول إلى مياه الخليج. وعبر الخليج الضحل كانت الرمال تبدو سرابًا غريبًا كأنها موج يتكسر على أقدام سلسلة الجبال الساحلية، وكأنما البحر قد ألقى بها هناك وانصرف متخليًا إلى الأبد عن أي محاولة عقيمة لتبريد الصماء الصلدة وترطيبها. تلك الصخور التي تتكون منها تلك الأرض الجرداء القاحلة».
صعد فاليرز على المركب بيان الذي رأى في وجود سطح يمكن للمرء أن يتمشى عليه (نعمة كبرى). «صحيح أن البضائع بكل أنواعها كانت مكدسة عليه، من أسفله حيث ضلوع الهيكل، إلى أعلاه حيث موقد الطباخ خزانات الماء الخشبية. ومع ذلك فقد كان هناك متسع للمشي ولأشياء أخرى. وقد كانت المؤخرة مزدحمة أيضًا، عليها صناديق البحارة جميعها، وكانت هناك صفوف عدة منها، موضوعة على الجانبين .. وقد كان من دواعي فخر (بيان) أن تتوافر عليه عجلة قيادة حقيقية، مصنوعة من خشب الساج، المحاط بإطار من النحاس الأصفر، وحاملة بوصلة نحاسية رشيقة، ورافعتان تستعملان في رفع وإنزال قارب النجاة، وفيما عدا ذلك، فقد كان (البوم) شبيهًا بالمراكب الأخرى إلا أنه أكبر منها وينتهي بأطراف مدببة».
ولا يفوت على فاليرز وصف مشاهد الرحلة، ومنها ما يراه يؤدى «على الطريقة الكويتية التقليدية»، يقول : «كان عشرون من البحارة الأشداء يقومون بالتجديف بالمجاديف الطويلة، وهم يرتدون أفضل ملابسهم ويهزجون بقوة وحماس. لقد كان تجديفهم ممتازًا. وكانت أهازيجهم أفضل من أغانيهم. وعندما لم يكونوا يهزجون كانوا يصدرون من أقصى حناجرهم أصواتًا عميقة مدمدمة كأنها هدير سرب من الطائرات قاذفات القنابل القادمة من بعيد». ومرة أخرى يعمد فاليرز إلى وصف الغناء القوي بما يراه ويحسه، ربما لأن الأهازيج بالنسبة إليه لم يفك طلاسم مفرداتها له أحدٌ.


يتذكر فاليرز: «كان موقعي على السدة موقعًا ممتازًا، أمام النوخذة، وكان عرض السدة قدمين ونصف القدم، أي أنها لم تكن ضيقة. كما أنه كان لدي سجادة أنام عليها. ولم يكن على المركب من الأفاريز ما يمنعنا من الانزلاق عن ظهره. فيما لو اهتز اهتزازًا شديدًا، هو أمر لم يحدث إلا نادرًا. ومهما يكن من أمر فلم يحدث أن سقطت عن ظهر المركب مرة واحدة في أي مرحلة من مراحل السفر، مع أنني كنت آوي إلى مكاني المذكور كل ليلة مدة ستة أشهر كاملة. وكان قائد الدفة يجلس متربعًا على مقعده بجانبي، ويقود المركب وهو جالس، وكان باستطاعتي أن أنظر إلى البوصلة القريبة لأتحقق من أن المركب يسير في الاتجاه الصحيح، كما أن نظرة إلى أعلى كانت تريني الوضع واضحًا بالنسبة للأشرعة... وكان النجار الشخص الوحيد على ظهر المركب الذي لا يفتأ يعمل طيلة النهار. ولكن الطباخ كان يقوم بعمل شاق أيضًا. أما حمد نائب النوخذة. فقد كان يقضي معظم النهار جالسًا هناك. منحني الظهر، يرقب أو يقرأ القرآن، أما في المساء، فقد كان يلتف بعباءته ويجلس القرفصاء، تاركًا أنفه الكبير معرضًا للهواء ليعرف اتجاه الريح».


وعند وصول المركب إلى جون مطرح في خليج عمان بعد خمسة عشر يومًا كان البوم يمخر عباب اليم بهدوء وقوة «كأنه راقصة من جزيرة بالي» على حد تعبير فاليرز، الذي يصف الميناء: «كانت تصل إلى أسماعنا أصوات الضحكات الخافتة، التي كانت تصدر عن البحارة البسطاء وهم على مقدمة المركب، وأصوات صرير سكان المركب وحباله، والصرير البطيء الخافت الصادر عن الصواري. لقد كانت أيامنا هانئة فعلاً، كل منها يشبه الآخر، ولكنها لم تكن مملة. كما كان طعامنا جيدًا، فقد كنا نصيد كثيرًا من السمك، وكانت لاتزال لدينا كمية من البرتقال والموز كنا قد اشتريناها من زنجبار. وفي أحد الأيام تمكنا من صيد أحد أسماك الجرجور وأكلناه. كانت مسقط، كما كان خليج مطرح فيما مضى، مركزين مهمين لتجارة الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط، وكثيرًا ما حملت شحنات من هنا عبر الخليج العربي إلى أفغانستان، أو شمالاً إلى الأحساء، وبلاد فارس، والعراق والكويت. بل ربما كان هناك شيء من التهريب إلى إيران، وإلى موانئ دبي والشارقة. وبتوقف تجارة السلاح تضاءلت أهمية مسقط».




جلسة على المقهى

في الموانئ التي كانت تتوقف فيها الرحلة، «كان النواخذة الكويتيون - كما يكتب فاليرز - يجلسون في أحد مقاهيهم المفضلة، قرب سوق السمك، على الشاطئ، حيث كانوا ينزلون بقواربهم الطويلة. وهناك كنت أجلس معهم، عندما أكون على الشاطئ، وتدور عليه من آن لآخر، وعلى فترات طويلة متعاقبة، أكواب القهوة المعطرة بالقرنفل أوالهال، أو الكئوس الصغيرة من الشاي شديد الحلاوة. ومن ذلك المقهى، كان باستطاعة المرء أن يرى الشاطئ بأكمله، ويراقب كل ما يجري في الميناء، ولذلك كان المكان مناسبًا لنواخذة المركب. وكان الشاطئ مملوءًا، دون انقطاع بأجناس وأشكال من شتى البشر، من آلاف البلوشيين إلى العمانيين والعرب، والفرس، والهنود، والكويتيين القادمين على مراكبهم، والبدو المدججين بالسلاح. كما كان بإمكان المرء أن يشهد النساء، بسراويلهن الطويلة، وهن يزعقن، مناديات أطفالهن التعساء، لكي يكفوا عن ضرب الكلاب بالحجارة، وأن يشاهد الأطفال وقد طليت وجوههم بالكحل والألوان المختلفة حتى أصبحوا يبدون كالمهرجين بطرابيشهم ذات الشراريب، ومعاطفهم الحمراء، وأن يرى البلوشيين بسراويلهم الضخمة التي يكفي قماش كل رجل منها لصنع خيمة صغيرة».


ولدى الوصول إلى ميناء المنامة في جزيرة البحرين، كان أول ما رآه هناك بوم يوسف بن عيسى وهو يرفع علم الكويت تحية لنا. ويقف داخل الميناء على مقربة من الشاطئ بوم حامد يوسف الإيراني القادم من ديمة، كما كان بوم عبدالوهاب خليفة الكبير قد بدأ يظهر في نور الصباح الباكر، وهو يسير خلفنا في عرض البحر، محملاً بأعمدة الجندل أيضًا، ومتجهًا إلى الميناء نفسه. وخلال الأيام القليلة التالية وصل نصف أسطول الكويت من المراكب العائدة إلى أرض الوطن من إفريقيا والهند.

نقرأ في أبناء السندباد: «عندما وصلنا إلى البحرين ورأينا الميناء مكتظًا بهذا الشكل، خيمت الكآبة على نجدي، وأعلن في الحال بأنه عازم على العودة والاتجاه إلى عرض البحر ثانية ليواصل سيره الشاق صعودا في الخليج، ويحاول أن يسبق المراكب الأخرى إلى البصرة. كان الحر قاتلا في ميناء البحرين، الذي كان يبدو أقل عروبة حتى من ميناء عدن. فقد كانت المنامة ميناء نشطًا كثير الحركة، ولكنه لم يكن عربيًا. فقد كان يعج بالهنود والإيرانيين والأمريكيين، بينما كان العرب يغوصون على اللؤلؤ، والإيرانيون يقومون بالأعمال المرهقة.


اندفع المركب من البحرين عبر الشعاب المرجانية إلى الكويت، في أكثر أجزاء الرحلة إثارة ودرامية. فعندما طلع نهار اليوم الثاني، لم يكن هناك مركب واحد في مرمى البصر. وفي بحر ضحل، وبين عدد من مراكب الغواصين الصغيرة مملوءة بالبحارة الجالسين على أسطح مراكبهم، يفلقون المحار كان نجدي يقول «كانت تلك المراكب تكون أسطول القطيف ودارين، وقد تقلص عددها بسبب الكساد». يتبادل البحارة التحيات مع أولئك الغواصين: «سألناهم عن حالهم وعن صيدهم، ولكنهم لم يجيبوا إلا بالعبارة المعهودة (الله كريم). وعندما سألهم نجدي ما إذا كانوا قد شاهدوا أي مراكب كبيرة أخرى، أجابوا بالنفي، وأضافوا قائلين إن ثلاثة مراكب أو أربعة كانت قد مرت بهم قبل مرورنا ببضعة أيام، إلا أن نجدي كان مصرًا على أنه لا يمكن لأي منها أن يكون قد تجرأ وأبحر عبر تلك الحواجز المرجانية».




الوصول إلى الوطن

يوثق فاليرز في كتابه (أبناء السندباد) مشهد الوصول إلى أرض الكويت، «عند المغيب، أصبحت الكويت على مرأى البصر، ونحن متجهون إليها، على قرع الطبول والدفوف، وصوت الغناء والأهازيج. وببطء مررنا على منزل الشيخ (قصر دسمان)، وقد خيّم الظلام على الكون فحجب منظر المدينة عنا، ووصلنا إلى مرسانا في الظلام الدامس، بينما كانت الطبول تقرع والغناء لا ينقطع، وكان قد مضى علينا منذ مغادرتنا البحرين ثمان وأربعون ساعة، وهي تعادل سرعة البريد السريع، بحسب قول نجدي، (مع أن البريد البطيء سبقنا). ومع أن نجدي قاد مركبه على نحو رائع، وتمكن من القيام برحلته الطويلة والعودة إلى الوطن سالمًا غانمًا، إلا أنه أصيب بخيبة أمل عظيمة لأنه وصل خلال الليل، مما حرمه من فرصة الابتهاج بالنصر. فلو كنا قد وصلنا نهارًا، لعلمت بذلك البلدة بأسرها، ولانبرت القوارب، وهي تغص بالأصدقاء، لاستقباله في البحر وتحيته... يا لها من رحلة! قطع المركب فيها ما يعادل عشرة آلاف ميل، وقضى فيها تسعة أشهر، كلها حياة شاقة وملاحة صعبة، من منتصف أغسطس (آب) إلى منتصف يوليو (حزيران) التالي. تبدأ الرحلة من البصرة، بعد استراحة الصيف في الكويت، ومن البصرة يحمل المركب بشحنة من التمور إلى تجار المكلاّ، ثم ينطلق أولاً في الخليج العربي، ثم في خليج عمان، إلى أن يصل بحر العرب، قبل أن تهدأ آخر الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، وبعد وقفة قصيرة في مسقط للتزود بالمياه العذبة».


وبعد الوصول إلى اليابسة يعيش فاليرز بين أهل الكويت، بل وينضم إلى مجالسهم ودواوينهم ومآدبهم، ومن أطرف ما كتبه تصويره للمشهد داخل بيت النوخذة الذي رافقه من بداية الرحلة حتى منزله:
«دخلنا إلى بيت نجدي، حيث كان عدد من أقاربه، ومن النواخذة الآخرين، والتجار، والمتعاملين باللؤلؤ، قد تجمعوا لتناول وجبة الغداء. وتناولنا طعامنا بصمت، في ظل الشرفة الواقعة أمام غرفة الجلوس الرئيسة، والمواجهة للفناء. وكانت الشرفة تستند إلى عمدان محفورة من الخشب الهندي. أما السقف فكان يتألف من عمدان المانجروف الأفريقية المصفوفة قريبة بعضها من البعض الآخر، تعلوها شبكة من الخيزران مغطاة بالحصير المصنوع من القصب العراقي، وفوق هذا كله طبقة من الأتربة والطين. وكانت أرض الشرفة مغطاة بسجادتين عجميتين كبيرتين، وقد مد عليهما سماط كبير من القماش الأبيض، وضع عليه الطعام. وكان هذا يتكون من خروفين محمرين محشورين ببعض الفواكه المجففة والأعشاب والبيض المسلوق، بالإضافة إلى عدد من الدجاج المشوي جيدًا بحيث يمكن تقطيعه إربًا بلمسة خفيفة من اليد وأطباق كبيرة من سمك (الزبيدي) المفلطح الشهي، الذي اشتهر به جون الكويت، ومن أنواع أخرى من السمك، وتلال فوق تلال من الأرز المسلوق، المخلوط بالزبيب وبمواد أخرى لم أستطع تمييزها، وبكميات كبيرة من السمن، فضلاً عن أطباق هائلة الحجم من البطيخ، المجلوب من مزارع شط العرب في العراق. وكان نظام السفرة متقنًا».




الشرق الغريب

لا بد وأنت تقرأ (أبناء السندباد) أن ترد إلى خاطرك مشاهد لقوافل الرحالة الذين عبروا الجزيرة العربية، باحثين عن رحلتهم الخاصة. رحلة وثقوها بالكتابة حينا، أو الرسم حينا، أو التصوير حينا آخر. وعليك أن تسأل، ماذا تأخذ مما كتبوه ورسموه وصوروه، وماذا تترك؟ إن المشاهد التي عاشها هؤلاء تستمد قوتها من غيابنا عن التسجيل لها! هذه هي الحقيقة. فمنذ (الرمال العربية) التي كتبها ولفريد ثيسجر، وصولا إلى (عرب البحر) التي خطها خورخي إستيفا، مرورًا بكتابنا (أبناء السندباد) وإخوانه من مدونات الرحلات الغربية إلى الشرق، كانت ستوضع في مكانها الصحيح حين يظهر لنا مقابلها العربي. ولكن التدوين لدينا لم تكن له تلك الأهمية، فيما عدا الرحلات التأسيسية والعالمية كرحلة ابن بطوطة.

ثم إن البحث عن الغرائبي والعجائبي في الشرق، كان يدفع الرحالة دفعًا إلى المبالغات التي تحدث عنها الحجي وكل ناقد لتراث رؤية الغرب للشرق، هي مبالغات كانت موجهة لإثارة قارىء غربي في الأساس.

كما أنها نظرة لا تزال آثارها باقية حتى بعد انتشار الإعلام بتلك الصورة غير المسبوقة، ولاتزال تصورات خيالية تجتاح الذهنية الغربية حين يكون الحديث عن الشرق. ومن هنا تبدو حاجتنا ملحة إلى التنقيب عن مزيد من هذه الرحلات، وإنشاء أقسام للرحلة المقارنة، مثل الأدب المقارن، تتم فيها مراجعات للرحلات، ليصدر العمل موثقا بمراجعه ومراجعاته، مثلما صدر هذا العمل الذي بين أيدينا، والذي يكاد يخلو من أخطاء سوى طرافة فهرس الطبعة العربية، الذي جاء متسقا مع طبعة أخرى غير التي بين أيدينا، ولذا لم يتفق عنوان مع صفحته المشار إليها.






قصر السِّيف، وهو قصر الحكم في دولة الكويت، الذي أشرف على توسعته في 1907 الشيخ مبارك الصباح ، كما كان يبدو من مياه الخليج صيف سنة 1939



بعد رحلة قوامها 12 يومًا إلى المكلا (اليمن)، بدا فاليرز وكأنه قد تعلم اللغة العربية، والتعرف إلى رفاقه، والصورة أعلاه من ميناء المكلا، الميناء الرئيسي في حضرموت قبل سبعين عامًا






صفحة تقديم الطبعة الاولى من ابناء السندباد في 1982





التاجر الحضرمي الكفيف يؤم البحارة للصلاة يوميا


كتبها - أشرف أبو اليزيد
__________________

التعديل الأخير تم بواسطة AHMAD ; 10-02-2008 الساعة 11:58 PM.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مجلة العربي الكويتية!! كويتي الهوى المعلومات العامة 12 01-07-2011 03:58 PM
المكتبات الكويتية الخاصة وكنوزها - مجلة العربي AHMAD التاريـــخ الأدبي 17 30-11-2009 09:04 PM
بدر خالد البدر و فكرة اصدار مجلة العربي سمو حوران التاريـــخ الأدبي 4 28-10-2009 09:32 PM


الساعة الآن 12:12 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2019
جميع الحقوق محفوظة لموقع تاريخ الكويت