راسل ادارة الموقع جديد المشاركات التسجيل الرئيسية

 
 
        

اخر المواضيع

 
 

 
 
العودة   تاريخ الكويت > منتدى تاريخ الكويت > التاريـــخ البحـــري
 
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-08-2010, 11:49 AM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي العثمان مدرسة السفر الشراعي بالكويت


عائلة العثمان
مدرسة السفر الشراعي في الكويت
د. عبدالمحسن عبدالله الخرافي

تاريخ مَن صَنَعَ التاريخ

يحق لكل من وضع لبنة في بنيان التاريخ أن يسجل اسمه ضمن الكبار الذين شادوا أكبر عمران عرفته البشرية.
إنه بنيان قد بدأ متواضعاً، لكنه لا يزال يكبر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يرقى *حين يرقى * بمن يعيش على هامش التاريخ لا شأن له ولا أثر، بل يرقى ويكبر ارتفاعاً ويمتد اتساعا بمن كان له في الحياة صنيع يذكر.
دعنا نسلط الضوء على بقعة من الأرض مجدبة، هي امتداد لصحراء قاحلة تكاد تستغرق أنحاء شبه الجزيرة العربية، لا أنهار فيها ولا خضرة لطالما كانت بيئة طاردة شهدت هجرات وحركات نزوح كثيرة سطرها التاريخ لقبائل العرب إلى بلاد وجدوا فيها المياه والغطاء الأخضر، وهم في هجرتهم هذه معذورون.
غير أن فئة من الناس ومن تلك القبائل قد قبلت التحدي، فتعاملت مع هذه الظروف القاسية بعزائم قوية، وهمم نافذة، وتفاعل مع الإمكانات شبه المعدومة؛ لتحولها إلى واحة أمان وإن لم تكن واحة خضراء كما العادة في التعريف الجغرافي.
لقد كانت كذلك حين بادر أهلها الكويتيون في تغيير ملامح البيئة المحيطة بهم وهي بيئة صحراوية يغلب عليها الرعي براً والصيد بحراً في مواردها الطبيعية الأساسية، فحين كان برهم مجدباً مقفراً، تجاوزوا محنته فعبروا إلى البحر في اتجاهين:
الأول:
اتجاه رأسي حين سبروا أغواره وانتزعوا اللؤلؤ من أصداف محاره الغائرة تحت سطحه بمسافة كبيرة. وقد مثل الغوص على اللؤلؤ نموذجًا شاخصاً للسعي في كسب الرزق الذي أوجده الله تعالى في موارده على سطح الأرض وباطنها، أما في البحر ففي باطنه فقط، فغاصوا به واستخرجوا اللؤلؤ ليبيعوه إلى حواضر العالم الشرقي في ذلك الزمان، بل وصلوا إلى حواضر العالم الغربي كذلك ليبيعوه هناك( ).
الثاني:
اتجاه أفقي حين عبروا الخليج العربي وبحر العرب ومنهما إلى المحيط الهندي، فنقلوا تمور شط العرب بسفنهم الخشبية البسيطة ذات الأشرعة القماشية المتواضعة إلى أقاصي الأرض بالنسبة لهم في ذلك الوقت في رحلات خطيرة ركبوا فيها عباب البحر وقبلوا التحدي لأمواجه ولكن في حذر من أهواله، ودراسة جيدة لمواقيت هيجانه وسكونه.
والمتأمل في رواد الاتجاهين قد يظن أن البيئة المحيطة بهم كانت مليئة بالأخشاب التي صنعوا منها تلك السفن بأنواعها للغوص والسفر، لكنه يستشعر عظم التحدي حين لا يري ما يكاد يبين من أشجار ضخمة أو متوسطة الحجم، فضلاً عن غطاء أخضر يذكر.
لقد حمل هؤلاء الأخشاب على ظهور السفن واستجلبوها إلى السِّيف( ) وشادوا على جانبه العمارات( ) ليبنوا سفنهم على أيدي الأساتذة المحليين. وعن طريق ذلك أحالوا تلك البقعة المجدبة إلى رئة يتنفس بها أهل الجزيرة العربية عامة وإقليم نجد خاصة. ولقد عكس ذلك كله السبب الحقيقي لاستقرار أهل الكويت فيها فلم ينزح منهم أحد عنها. أما الماء وهو عصب الحياة فاستجلبوه أيضًا بسفنهم من شط العرب وبذلك ملؤوا الفراغ الكبير في تدني المستوى المعيشي في أرضهم الطيبة قبل ظهور النفط.
ألا يشكل ذلك كله تحديًا لمقومات الحياة وقبولاً بل تفاعلاً إيجابياً مع قضاء الله وقدره؟، ألا يمثل ذلك كله الفهم الحقيقي العفوي لمفهوم التوكل على الله تعالى والمقترن بالأخذ بالأسباب والسعي إلى الرزق الحلال ولو من بين أنياب السباع؟ وبالتالي الهروب من قدر الله تعالى إلى قدر الله، والانتقال من الواقع الضيق الذي قدَّره الله تعالى إلى الواقع الفسيح الذي قدره الله تعالى أيضاً للمجتهدين من عباده غير المستسلمين للظروف بل الذين يصنعون الظروف بقدر ما استطاعوا.
وهنا نقول * عودًا على بدء * إنهم صنعوا جزءًا مهماً من تاريخ الكويت والجزيرة العربية، ولولا فضل الله تعالى * بأن سخر لهم البحر ليأكلوا منه ويركبوه * لما تيسرت لهم مقومات الحياة، ولولا إصرارهم وإيمانهم لما استقر الكويتيون في أرض الكويت، ولما كانت الكويت أصلاً، ولما كان لنا أن نكتب أونقرأ هذه السطور.

النواخذة … من المنظور الوطني

إن المتأمل في تاريخ هؤلاء وإنجازاتهم في مجال ارتياد البحر، لابد أن تكون له وقفات وطنية جديرة بالبيان.
الوقفة الأولى:
عجبًا لأمر الخليجيين عامة والكويتيين خاصة الذين ارتادوا البحر وأبدعوا فيه رغم أن طبيعة بلادهم صحراوية تكاد تكون قاحلة جرداء، فمن أين لهم بالأخشاب ليصنعوا منها السفن الكبيرة، كالشُّوعي، والبُوم، والجَاْلبُوت، والسنبوك، والبتيل، والبْغَلَة، والبَقَّارة حتى بلغت المئات من السفن بأنواعها! كيف أحضروها ليصنعوا منها السفن في الكويت أمام عماراتهم على ساحل الخليج؟!
إنها الإرادة الكبيرة والهمة العالية، وهذه هي عزيمة الإنسان الذي سخر الله له الأرض وما عليها من دواب وجماد، سخرها له ليعمر الأرض ويكون خليفة الله فيها، كيف لا وقد ارتاد الإنسان الفضاء عندما تقدم العلم والتكنولوجيا؟
لقد صنع الكويتيون هذه السفن وعلى رأسها وأكبرها البوم السفار الذي حمل علم الكويت خفاقًا في موانئ العالم الشرقي والغربي من آسيا إلى إفريقيا مما يدل على استقلالية الكويت عن أي بلد خارجي.
الوقفة الثانية:
من الذي أوصل العراق بالعالم الخارجي من ناحية تجارة التمور؟
من الذي حمل آلاف الأطنان من التمور من شط العرب ليقوم بتسويقها في الهند وإفريقيا واليمن وعدن وعمان وسواحل الخليج سواء في رحلات السفر أو رحلات القطاعة؟
بل أين هي حضارة الستة آلاف سنة من الحركة البحرية التي يدعي بشأنها النظام العراقي عدم وجود منافذ بحرية له على الخليج العربي والبحر بشكل عام؟
لقد أبانت الحقائق كلها * بما لا يقبل الشك * حقيقة دامغة؛ أنه كان ولا يزال يمتلك ما يزيد على السبعين كيلو متراً على البحر * وهو الخليج العربي * ولديه أكثر من سبعة موانئ بحرية، ولكن العجيب أنه منذ القدم لم يكن للعراقيين من النشاط البحري ما يمكنهم من تسويق تمورهم، فقام الكويتيون بذلك، حيث كانت تخرج سفنهم خالية من الكويت لكي تحمل التمور من شط العرب ثم تتوجه بها مباشرة إلى موانئ الهند أو إفريقيا الشرقية أو سواحل اليمن وعمان أو الخليج عمومًا، فتبيعها هناك وتحمل مكانها الأرز والشاي والتوابل والسكر وجوز الهند، وغيرها بالإضافة إلى جميع أنواع الأخشاب التي تستخدم في عمارة البيوت من جهة، وفي بناء السفن من جهة أخرى.
ولقد كان الكويتيون يمارسون عملهم هذا بكل استقلالية عن العراق، فهم يدخلون موانئها كأجانب يحملون العلم الكويتي، ويقدمون إثبات هويتهم من خلال "القُول"( ) الذي يحمل تصريح السفينة وإثبات ملكيتها باسم حاكم الكويت، مع "المينافيست" الذي يحمل أسماء البحارة، وقائمة محتويات السفينة من بضاعة وتسمى "النُّول"، وقد كانت السلطات العراقية تأخذ الرسوم الجمركية منهم وتسمى "المطرحانية" وتؤخذ بموجب عدد الأطنان التي تحملها السفينة، بل كانت السفينة إذا تأخرت هناك عن المدة المقررة تأخذ عليها سلطات الميناء غرامة.
فكيف بعد هذا كله ومنذ عشرات السنين يدَّعي رأس النظام العراقي تبعية الكويت للعراق زورًا وبهتانًا وافتراءً على الناس والتاريخ والمنطق؟
ولينظر القاريء الكريم - إن شاء – ما كتبه الرحالة روبرت جيران لاندن( ) بشأن استقلالية الكويت بل وإزدهارها حيث يقول:"وفيما يتعلق بالكويت التي كانت المنفذ إلى قلب الجزيرة العربية وآسيا الوسطى فقد غدت في سنة 1900م الفردوس الجديد لما تبقى من خطوط الملاحة البعيدة المدى للأساطيل الشراعية المحلية، غير أن البواخر لم تكن ترسو فيها إلا نادراًُ".
الوقفة الثالثة:
وفيها أحد أهم أسرار النجاح في السفر الشراعي وكذلك الغوص على اللؤلؤ. لقد وفق الله تعالى الكويتيين لارتياد البحر سفراً أو غوصاً… من خلال عوامل عدة … على رأسها عامل مهم لم يلتفت إليه الكثيرون … ألا وهو نفسية البحار الكويتي الذي لولا توفيق الله إياه لما كان النوخذة، ولا كانت رحلة السفر أو رحلة الغوص.
لقد كان النوخذة يصدر الأمر * وإصداره سهل يسير * ولكن من الذي يَهِبُّ للتنفيذ دون كلل أو ملل؟ من الذين يتعاونون بكل روح طيبة وهمة عالية؟ يجيب عن هذا التساؤل النوخذة عيسى عبدالله العثمان قائلاً: إنهم البحرية (أي البحارة) وهم العزوة، فهم لنا خير عزوة… بارك الله لهم وفيهم وجزاهم عنا وعن الكويت كل خير.. فلولاهم * بعد توفيق الله * ما نجحت سفراتنا، وهم مخلصون أوفياء لم تحدث منهم أي شائنة، ولا شانت نفوسهم علينا أو على بعضهم، ولا صدرت منهم كلمة قاصرة أبدًا، تجدهم يؤثرون بعضهم ولو كان بهم خصاصة، فإذا حان وقت الصلاة توجهوا إلى الله متوكلين عليه تاركين الدنيا خلف ظهورهم، وقد استودعوا الله أهلهم وبيوتهم وأولادهم، والله لا تضيع ودائعه".
ورغم كل المغريات والخيرات في البلاد المحيطة بهذة الطواقم البحرية كالعراق وإيران واليمن والهند وغيرها من البلاد * والتي كانت فيها الأنهار والمياه والزراعة والخير العميم والرزق الوفير والمال الكثير * إلا أننا لم نسمع أن أحدهم قد ترك بلده، بل ظل بها وفيًا لأهله ووطنه متحملاً الصعاب وشظف العيش، وقد كان يسافر أحدهم إلى البحر أشهر عديدة يعود بعدها إلى الكويت ليقضي فيها عشرين يومًا على الأكثر ليستلمه نوخذة الغوص، وهكذا يظل بعيدًا عن أهله أغلب أيام العام، وقد استودع الله دينه وأمانته وخواتيم عمله واستأمنه أهله وبيته وماله وعياله متمثلاً قول الله تعالى: "... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا" ( ).
الوقفة الرابعة:
وعجب كل العجب من أهل الكويت الذين كانت لديهم إرادة التحدي! أي بلدٍ هذا الذي يعيش كله وتدب الحياة بأوصاله دون ماء يتدفق من أراضيه؟ ولا محطات تحلية لماء البحر، حيث لا بترول ولا كهرباء؟
لقد وصل الكويتيون بسفنهم إلى شط العرب ليحضروا الماء إلى الكويت ثم يوزعوه على الكندر( ) والدواب إلى البيوت بيتًا بيتًا فيرتوي الناس ويطعمون ويأكلون ويشربون.
عجبًا لهذه الإرادة التي هم معذورون منها.. فلو نزحوا إلى الماء كما نزحت قبائل بأسرها وشعوب بأكملها طوال العصور على امتداد التاريخ لما عتب عليهم التاريخ، فهي سنة كونية وحركة مشروعة طلبًا للرزق والكلأ أو مقومات الحياة في غياب البترول، ولكنهم جلبوا أهم مقومات الحياة وهو الماء من مسافات بعيدة.
الوقفة الخامسة:
لن يفهم أحدٌ قولاً للمولى عز وجل في كتابه الكريم * كما ينبغي الفهم * ويحسه * كما يجب الإحساس * إلا من عايش هذا القول وأحسَّه بنفسه، وهو ما يحصل مع النوخذة والبحارة على ظهر السفينة حين تشتد الأزمات وتضربهم الأعاصير ويهاجمهم الطوفان، ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النور: "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ"( ).
نعم عاش البحارة الكويتيون والخليجيون هذه الآية الكريمة فعلاً، حين كانت تدلهمُّ على أحدهم خطوب البحر وصروف أعاصيره، فلا يكاد يرى يده ولو كان في وضح النهار حيث تغيب الشمس وراء الغيوم المتلبدة والأمطار المتراكمة، والأمواج المتلاطمة… وكم ابتلعت هذه الأمواج من رجالات؟ وهذه طبعة النوخذة بلال الصقر خير شاهد، وطبعة عبدالكريم ولد غيث تنطق، وطبعة بهمن تتكلم، وطبعة بوقماز تتحدث، وضربة الغواصة لابن جارالله في عرض المحيط الهندي بالغِبَّة( ) تنبئ بالخطر البشري، فضلاً عن الأخطار الطبيعية.
وصدق أجدادنا حين وصفوا البحر قائلين "داخله مفقود وطالعه مالود" أي مولود.
الوقفة السادسة:
لقد اعتمدت الكويت بشكل أساسي في حركتها التجارية على نواخذة السفر الشراعي - فضلاً عن نواخذة الغوص على اللؤلؤ – حيث كانوا هم الذين يشكلون القصبة الهوائية الموصلة إلى الرئتين اللتين كانت تتنفس بهما الكويت، ألا وهما حركتي السفر الشراعي والغوص على اللؤلؤ.
وقد كانوا سر نجاح التجارة الكويتية بما حققوه من قيادة حكيمة للسفن الشراعية التي كانت تمثل الأداة الوحيدة المتيسرة في ذلك الوقت لنقل البضائع من الكويت وإليها.
كما كانوا الداعمين الرئيسيين لمصروفات الحكومة الكويتية في شؤونها الداخلية والخارجية مثل شؤون الأمن والدفاع وبناء المدارس والمساجد وإغاثة المنكوبين.
خواطر كثيرة تجيش في الخاطر غير أني اختصرتها بتقديم أبرزها في المواقف الستة آنفة الذكر، وهي تشمل وقفات ذات طابع وطني، لا يملك من يتصفح التاريخ البحري للكويت ورجالاتها إلا أن يتوقف أمامها إجلالاً وإكباراً.






لماذا نواخذة السفر الشراعي؟

عزيزي القارئ:
سردنا فيما مضى ما تيسرعن نواخذة السفر الشراعي في تاريخ الكويت، وفيما أجملناه من الحديث مدخل طبيعي للحديث عن نواخذة السفر الشراعي من عائلة العثمان الكريمة.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه قبل المضي قدمًا في التفصيل في هذا الموضوع هو: لقد كان هذا الحديث كله عن نواخذة السفر الشراعي، فماذا عن نواخذة الغوص(1) ونواخذة سفر القطاعة(2) ونواخذة الماي(3)؟ ألا يستحقون الحديث عنهم وهم جزء من الكفاءات البحرية الكويتية التي ساهمت في صنع التاريخ الكويتي الحديث؟
والإجابة عن هذا التساؤل الوجيه واضحة المعالم، ومعالمها تتضح فيما يلي:
أولاً:
عدد نواخذة السفر الشراعي محدد واضح يمكن حصره، وبالتالي الحديث عنه، ومن ثم الشعور بالرضا النسبي عن مدى تغطية الحديث عن معظم أفراد الشريحة المعنية بالحديث والذكر.
أما النواخذة من الشرائح الثلاث الأخرى المذكورة فعددهم بالمئات * إن لم يكن بالآلاف * وهو عدد يعجز الإمكان عن حصره.
ثانياً:
هناك فارق زمني معتبر بين اندثار مهنة السفر واندثار مهنة الغوص على اللؤلؤ التي اضمحلت بشكل قسري حين ظهر اللؤلؤ الصناعي في اليابان فكسد اللؤلؤ الطبيعي، وانقطعت بشكل حاد رحلات الغوص على اللؤلؤ منذ الثلاثينيات من القرن المنصرم وكذلك بالنسبة لسفن الماء التي سرعان ما تم الاستغناء عنها حين تيسرت عملية تحلية المياه كمنتج جانبي بعد ظهور البترول في النصف الثاني من الثلاثينيات.
وبالمقابل استمر السفر الشراعي بعد ذلك رغم ظهور السفن البخارية التجارية ووصولها إلى المنطقة لأنها كانت كلها تستخدم في تسيير الشؤون العسكرية إبَّان الحرب العالمية الثانية، ولم يتم السماح لها بالنقل التجاري إلا في النصف الثاني من الأربعينيات بعد أن وضعت تلك الحرب أوزارها، ومن ثم خف الطلب * الذي كان في أوجه * على السفن الشراعية الكويتيية شبه المتفردة بالنقل التجاري البحري في الخليج آنذاك.
إن هذا الفارق الزمني قد جعل من الأيسر إدراك بعض الجهود التوثيقية لكبار السن لننقل عنهم ما عايشوه أو أدركوه بالنسبة للسفر الشراعي.
ثالثًا:
الاختلاف في طبيعة المهن بين نواخذة السفر الشراعي والنواخذة الآخرين، وخصوصاً في طول المسافات التي يجب أن يقطعها كل منهم، إذ تقتصر المسافات التي يقطعها نوخذة الغوص في الغالب على مغاصات بحر العدان شمال الخليج العربي، وتتحدد المسافة التي يقطعها النوخذة في سفن الماء في المسافة بين جون الكويت وشط العرب، وكذلك الحال بالنسبة لسفن القطاعة التي تصل إلى موانئ الخليج العربي كالبحرين وقطر وعمان في أبعد تقدير حيث التيارات المائية والهوائية المعروفة المحددة.
أما نوخذة السفر الشراعي فعليه أن يقطع المحيط الهندي شرقًا باتجاه الهند أو غربا باتجاه سواحل إفريقيا، والمحيط الهندي من الضخامة بمكان عمقًا واتساعًا بشكل يحار فيه أحذق ربان وأفضل نوخذة.
إنه ثاني أكبر محيط على سطح الكرة الأرضية، ومن ركبه علم ما فيه من الأخطار والأهوال حيث تختفي اليابسة وتنقطع الجزر، ولا تُرى فيه آثار الحياة كما تُرى على اليابسة.
حتى طائر النورس الذي يستبشر به البحَّار المنقطع عن اليابسة إذا ما رآه * لأنه يدل على وجود اليابسة بأي شكل من الأشكال * قد اختفى هو الآخر فلا يكاد يبين.
لذا سماه الكويتيون الغبة (بكسر الغين وفتح الباء وتشديدها)، لأن معنى الغبة في اللغة العربية يوحي بالانقطاع والغياب، وهكذا ينقطع من يدخل المحيط الهندي ردحًا من الزمن حتى يهتدي بفضل الله وتوفيقه إلى برالأمان رغم الأمواج العالية والرياح العاتية، وقد توكل على الله تعالى، ثم اعتمد فقط على استهدائه بالنجوم ومطالعها ليلاً وبالشمس وحركتها نهاراً.
وعودًا على بدء، نقول: إن النواخذة الآخرين ممن عملوا في الغوص وسفر القطاعة وجلب الماء من الذين بذلوا جهودًا كبيرة قد ساهموا بذلك في صنع تاريخ الكويت الحديث، وخصوصاً في القرنين الأخيرين من الألفية الثانية.
ونتمنى أن يتصدى لسيرهم الحسنة باحثون في التراث البحري الكويتي كأمثال الباحث المجتهد الأخ الفاضل د. يعقوب يوسف جاسم الحجي الذي سخَّر جهوده البحثية في تقصي أخبار من استطاع الوصول إليه أو إلى معارفه من نواخذة السفر الشراعي في كتابه القيم " نواخذة السفر الشراعي في الكويت والخليج العربي".
ولعله من المناسب في هذا المقام أن نشير إلى جهود طيبة أوردت نبذة مختصرة عن بعض نواخذة الغوص الكويتيين ولكنها لم تشمل معشار عددهم الحقيقي لضخامته، ولكن الشكر واجب لكل من يتصدى لهذا الموضوع.
فالشكر موصول للأخ الفاضل الأستاذ عادل محمد العبد المغني الذي تحدث عن بعض نواخذة الغوص في كتابه: "نواخذة الغوص والسفر في الكويت"، وكذلك للأخ الفاضل الأستاذ طلال الرميضي الذي تحدث عن نواخذة الغوص من قبيلة العوازم في كتابه: "أعلام الغوص عند العوازم خلال قرن (1850 * 1950م) بإمارة الكويت".












أسطول الكويت البحري

لقد تحدثنا آنفًا عن تاريخ من صنع الكويت من نواخذة السفر الشراعي في الكويت، وقد سلطنا الضوء بشكل ضمني على الوسيلة التي صنع بها هؤلاء النواخذة تاريخ الكويت، ألا وهي الأسطول البحري الذي جاب الشرق والغرب والشمال والجنوب دون سابق تدريب متميز.
ولكن لكي نقف * عزيزي القارئ * على ضخامة ورصانة ذلك الأسطول تاريخيًا وواقعياً، دعنا نستثمر الجهود الرائعة في حصر الخلفية التاريخية للموضوع والتي جادت بها الكتابات الرائعة لكل من د. يعقوب يوسف الحجي الباحث في التراث البحري الكويتي، والباحثيْن الأكاديمييْن أ.د نجاة عبدالقادر الجاسم والمرحوم أ.د بدر الدين عباس الخصوصي في الكتابيْن الرائعيْن: "صناعة السفن الشراعية في الكويت"( ). و"تاريخ صناعة السفن في الكويت وأنشطتها المختلفة"( ) على الترتيب.
نشأة الأسطول البحري الكويتي
وصل العتوب إلى القرين فوجدوها بيئة بحرية صغيرة يتمركز أهلها حول الكوت الذي أنشأه ابن عريعر، فسكنوها وارتبطت حياتهم بالبحر أسوة بسكان القرين الأصليين. ولم يكن ذلك بالأمر الصعب عليهم، إذ إن خبرات العتوب البحرية مكنتهم من الاندماج في ذلك المحيط، فأصبحوا يمارسون الصيد والغوص وربما صناعة السفن كذلك.
وحين ضعف نفوذ بني خالد استطاع العتوب الاستقلال بالقرين، وأصبحوا حكامًا عليها. ففي عام 1756م يذكر كبنهاوزن، المسؤول عن مكتب شركة الهند الشرقية الهولندية في جزيرة خرج الإيرانية، أن العتوب كانوا تحت حكم عدة شيوخ، وذكر منهم مبارك بن صباح ومحمد آل خليفة( ).
كما ذكر أن العتوب كانوا يمتلكون 300 سفينة، ولكنها كانت سفنًا صغيرة للغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك (وربما للنقل بين الموانئ داخل الخليج). كما ذكر أنه يمكن تجنيد 4000 رجل مسلح منهم، وأنهم لا يبحرون بسفنهم هذه إلى أبعد من مغاصات اللؤلؤ الموجودة بالقرب من البحرين، أي أن هؤلاء العتوب ومن كان موجودًا قبلهم في القرين، لم يكونوا يبحرون للهند بعد.
كذلك كانت القرين محطة للقوافل التجارية الحاملة للبضاعة وللبريد من الهند إلى حلب. وقد زار الرحالة نيبور ميناء بوشهر الإيراني عام 1765م، وجمع الكثير من المعلومات عن القرين، فذكر أن عدد سكانها كان حوالي 10 آلاف نسمة، وأنهم يمتلكون حوالي 800 سفينة( ) للغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك.
وفي عام 1764م حين حكم الكويت الشيخ عبدالله ابن صباح الأول، دخل الكويتيون أول معركة حربية بحرية في تاريخهم، تلك هي واقعة الرقة، حيث أودع الكويتيون "نساءهم وأموالهم في سفن وساروا بسفن أخرى لمقابلة عدوهم"( ). ولقد كان لمعرفة أهل الكويت بطبيعة البحر من حولهم وصغر سفنهم وكفاءتها أكبر الأثر في انتصارهم على بني كعب.
وما إن أطل القرن التاسع عشر وأصبحت الكويت تحت حكم الشيخ جابر الأول (جابر العيش) الذي زادت التجارة في عهده ازدهارًا، حتى تبنى صناع السفن الكويتيون صنع "البغلة" و"البتيل" للنقل التجاري، فكانت تلك نقطة تحولٍ كبيرٍ في قدراتهم البحرية والتجارية، حيث استطاعوا الوصول بهذه السفن إلى سواحل الهند واليمن لنقل البضائع منها وإليها دونما حاجة إلى الاعتماد على ميناء مسقط كوسيط تجاري.
ففي عام 1816م وصف الرحالة الإنجليزي بكنجهام ميناء الكويت بأنه ميناء "عظيم"، وذكر أن تجارها يتعاملون مع غيرهم من أمم الخليج، وأن بحارة الكويت مهرة وشجعان. أما سفنهم فقد قاربت مائة سفينة ما بين كبيرة وصغيرة. كما ذكر بكنجام أن تجارة نقل الخيول العربية الأصلية عن طريق السفن إلى الهند كانت تجارة رائجة في الكويت آنذاك.
وأما القبطان بروكس فيقول في تقريره عام 1829م: "إن الكويت كانت الممول الرئيس لشمال ووسط نجد بالقمح وبالقهوة وبالمنتجات الضرورية الأخرى، وأن لديها 15 سفينة من نوع البغلة حمولتها ما بين 100 إلى 400 طن، إضافة إلى العديد من السفن الأخرى المستخدمة في الغوص وفي صيد الأسماك، والتي بلغ عددها آنذاك حوالي 170 سفينة"( ).
كما ذكر أن الكويت تصدر اللؤلؤ والخيول والسمن الطبيعي، وأن سفنها كانت تصل إلى موانئ الهند والبحر الأحمر.
وأما الرحالة ستوكويلر فقد زار الكويت عام 1831م، حيث وصل إليها من الهند على متن سفينة كويتية من نوع البغلة، بلغت حمولتها حوالي 375 طنًا، وذكر أن عدد بحارتها قارب الخمسين بحاراً، مما يدل على ضخامة مثل هذا النوع من السفن آنذاك، والتي كانت تستخدم لنقل الخيول والتمور إلى الهند، وتعود محملة بالأخشاب الهندية( ).
حجم الأسطول البحري الكويتي
في عام 1841م زار الكويت القبطان هنل، ووصف المدينة بأنها "تمثل حالة من الازدهار الاجتماعي، وأن عدد سكانها قارب 25 ألف نسمة، وأنهم كانوا يمتلكون من السفن حوالي 30 بغلة وبتيلا تستخدم في التجارة باستمرار مع الهند، إضافة إلى حوالي 30 سفينة، متوسطة الحجم تستخدم في حرفة النقل داخل الخليج (القطاعة) وحوالي 350 سفينة صغيرة للغوص على اللؤلؤ"( ).
وكان قد سبقه إلى زيارتها الكويت الكولونيل الإنجليزي "پلي" وذلك في عام 1836م، وذكر أن السفن الصغيرة كانت تقوم بنقل البضائع من مواني الخليج الشمالية إلى الكويت حيث تقوم سفن الكويت الكبيرة من نوع البغلة بنقلها إلى الهند، وذكر أن التمر كان أحد الصادرات التي كانت تنقلها سفن الكويت إلى الهند.
ويبدو أن السفن الكويتية من نوع البغلة كانت من الكبر بحيث لم يكن باستطاعتها دخول شط العرب والخروج منه بسهولة وهي محملة بالبضاعة، لذا كانت تنزل البضاعة التى تجلبها من الهند في الكويت لكي تقوم السفن الصغيرة بنقلها إلى موانئ الخليج الشمالية. وأما عن بحارة الكويت فقد ذكر پلي أنهم حوالي 4 آلاف بحار، وأثنى على سمعتهم الطيبة وعلى مهارتهم.
كما ذكر في تقرير آخر عام 1866م "أن هناك حركة في الكويت كبيرة لنقل المتاجر أو ربما كان سكانها الكويتيون أكثر سكان الخليج براعة في صناعة السفن والقوارب".
كما أثنى الرحالة بلجريف عام 1862م على بحارة الكويت، وذكر أن لهم الصدارة بين شعوب الخليج من حيث مهارتهم وجسارتهم والسمعة الطيبة التي يتحلون بها. وأثنى على ميناء الكويت وعلى طقسها الصحي، وذكر أن هناك المئات من السفن الصغيرة التي تزور هذا الميناء.
وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حصل تطور مهم في صناعة السفن الكويتية، حيث صمم صناع السفن الكويتيون البوم كسفينة نقل بدلاً من البغلة، وقد أثبت أنه أفضل من البغلة في قدراته الملاحية. غير أن البوم في ذلك الوقت لم يكن ليداني البغلة من حيث حجمها، بل كان سفينة نقل متوسطة الحجم لا تزيد حمولتها على 150 طناً.
ويؤكد الرحالة روبرت جيران لاندن في كتابه "عمان منذ 1856 مسيراً ومصيراً"( ) أن الكويت أصبحت في عام 1900م أهم مركز لبناء السفن في الخليج.
ولكن ما إن أطل القرن العشرون وحكم الكويت الشيخ مبارك الصباح حتى ازدهرت تجارة الكويت، وازداد عدد سفن الكويت التي تبحر إلى موانئ تنزانيا على الساحل الإفريقي الشرقي. كما ازدهرت حرفة الغوص على اللؤلؤ كذلك، وصارت هذه الحرفة تجتذب إليها الأيدي العاملة من الكويت وباديتها ومن خارج الكويت وسائر موانئ الخليج واليمن وعمان. وكل هذا ساعد صناعة السفن في الكويت على التوسع والازدهار.
ففي عام 1914م * بعد نشوب الحرب العالمية الأولي * بدأ صناع السفن في الكويت صنع سفن كبيرة من نوع البوم السفّار لكي تحل محل البغلة في النقل الشراعي الكويتي، كما تم صنع بوم الماء، وهي سفن من نوع البوم مخصصة لنقل الماء العذب من شط العرب إلى الكويت بعد أن أصبحت مصادر المياه المحلية في الكويت لا تفي بحاجة السكان فيها.
ولقد كان للجهود التي بذلها الشيخ مبارك لحماية الكويت وأهلها وتجارتها أكبر الأثر في ازدهارها وفي هجرة العديد من العائلات من نجد ومن سائر موانئ الخليج إليها. كما هاجر إليها كذلك العديد من صناع السفن الخليجيين الذين سكنوا الكويت وعملوا في صنع السفن بها، وعرفوا بالبحارنة نظرًا لهجرة الكثيرين منهم من البحرين إلى ميناء الكويت، كما جاء بعضهم من ميناء مسقط ومن ميناء لنجة وميناء الجسم كذلك. ولقد بلغ عدد السفن في الكويت (ما بين كويتية وغير كويتية) في عام 1910م ما يقارب 3350 سفينة.
وفي عام 1918م بلغ عدد سكان الكويت حوالي 85 ألف نسمة، كما بلغ عدد السفن فيها عام 1920م حوالي 900 سفينة، منها 200 سفينة للنقل البحري و700 للغوص على اللؤلؤ، بالإضافة إلى سفن نقل الماء وصيد الأسماك. ولقد استمرت صناعة السفن على الرغم من توقف التجارة مع بادية نجد (في حوالي العام 1920) ولكنها لم تكن بالسفن الكثيرة أو الكبيرة الحجم.
ومن الجدير بالذكر ونحن نسوق الروايات الموثقة للرحالة الأجانب أننا قمنا بتوثيقها كما جاءت دون القيام بدراسة تحليلية مقارنة بين المعلومات الواردة فيها وخصوصاً ما يتعلق بأعدادها وأنواعها، وليس هذا هدف حديثنا في هذا الكتاب بل تبيان ضخامة الأسطول الكويتي القديم فحسب.
تدهور صناعة السفن في الكويت
في أواسط العقد الرابع من القرن العشرين اكتشف اليابانيون اللؤلؤ الصناعي، وسهولة تحضيره، فأدى ذلك إلى كساد حرفة الغوص على اللؤلؤ، وبالتالي قلة الطلب على سفن الغوص.
وبعد ذلك قامت الحرب العالمية الثانية، وازدادت حرفة الغوص تدهورًا، كما مُنعت البواخر من إحضار المؤن والبضائع إلى الخليج، واستمر الطلب على صنع السفن في الكويت نظرًا لقيام هذه السفن بنقل البضائع الاستهلاكية بدلاً من البواخر.
كما شارك صناع السفن الكويتيون في جهود الحلفاء عن طريق صنع العشرات من السفن (الدوب) التي استخدمت في المجهود الحربي في الخليج وشط العرب.
ولكن السنوات التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية قد أذنت بتدهور مستمر ليس لحرفة الغوص على اللؤلؤ فقط، بل لحرفة نقل البضائع كذلك من الهند وإفريقيا وإليهما نظرًا لاكتشاف البترول في الكويت، وتوقف البحارة الكويتيين عن السفر على السفن الشراعية، وهذا أثر بدوره في صناعة السفن الشراعية في الكويت.
ففي عام 1950م لم تبحر سوى 50 سفينة شراعية كويتية إلى الهند إضافة إلى حوالي 14 سفينة ذات محرك (لنجات)، حتى إذا ما أطلت الستينيات من هذا القرن، توقف النقل الشراعي التجاري الكويتي بعد كل تلك السنوات من العمل المستمر.
ولولا استمرار حرفة صيد الأسماك وإدخال المحركات في السفن التي تقوم بها، لما استمرت صناعة السفن في الكويت حتى اليوم، ولانقرضت منذ زمن طويل.
تميز السفن الكويتية
كان هذا عن الأسطول البحري الكويتي، ولكن ماذا عن تميز الكويتيين وتفوقهم في صناعة السفن؟ لنستمع إلى الأخت الفاضلة أ.د. نجاة عبدالقادر الجاسم وزميلها المرحوم أ.د. بدر الدين عباس الخصوصي يقولان في كتابهما "تاريخ صنع السفن في الكويت وأنشطتها المختلفة":
"اشتهر الكويتيون بصناعة السفن، فحذقوا فنونها وأتقنوا صنعها وعدلوا من طُرُزِها المألوفة، واهتدوا إلى طُرز أخرى ثبتت صلاحيتها وفعاليتها لعبور البحار والمحيطات، وصاروا يزودون بها غيرهم من سكان المناطق الأخرى".
وقد أثنى الرحالة الأوروبيون( ) ممن زاروا الكويت ومنطقة شبه الجزيرة العربية * في الماضي * على مهارة الكويتيين ونبوغهم في فن صناعة السفن، وأشادوا بشهرة الكويت في هذا المجال، فقد نوه الرحالة الدانماركي "كارستن نيبور" بالكويت خلال زيارته لها عام 1765م، وأشاد بمهارة الكويتيين البحرية الذين يملكون ثمانمائة سفينة ويعيشون على التجارة وصيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ.
وعقب ذلك بنحو مائة عام أكد "وليام بالجريف" عام 1862م ما قاله "نيبور" عندما ذكر أن مرفأ الكويت يعد من أكبر المرافئ حيث يجتذب إليه مئات من السفن، كما أثنى على مهارة البحارة الكويتيين وإقدامهم، وأشار إلى المكانة الرفيعة التى يتبوؤونها بين بحارة الخليج.
كما تحدث "ديكسون" الوكيل السياسي البريطاني في الكويت عن شهرة الكويت البحرية، فأكد أن أحسن قوارب الخليج تبنى فيها، وأشاد "آلان فاليارس" بالكويت وبشهرتها البحرية عندما زارها عام 1939م، حيث قال )
".. إن واجهتها (البحرية) من أبدع ما تقع عليه العين في الدنيا، وهي تمتد على مسافة ميلين مكونة ورشة كبرى لصنع مراكب النقل الشراعية. فعلى طول هذه الواجهة (البحرية) الممتدة على الساحل .. من مقر المعتمد البريطاني شرقًا إلى المستشفى الأمريكي غربًا، من طرف السور إلى طرفه الآخر، تزدحم السفن الشراعية الكبرى والصغرى.. فتراها واقفة جنبًا إلى جنب على الشاطئ، وفي عرض السيف، وفي الماء في صفوف طويلة يحتوى كل منها على ست سفن أو ثمانٍ، وراء الحواجز المشيدة بالحجارة وهي تواجه البحر..جاثمة على قواعدها الطويلة، سكاناتها غير منزلة ومتونها مكسوة بالحصر".
وعلى الرغم ".. من أن سفناً كثيرة قد عادت بعد رحلاتها الطويلة رأينا مائة سفينة كويتية راسية في مواقفها .. وقد دعمت بالأوتاد وجذوع الأشجار الهندية، وأنزلت عددها إلى الشاطئ، ورأينا سفنًا أخرى تنزل إلى البحر، وسفنًا غيرها تجهز في المرسى استعدادًا لإنزالها إلى الماء، وقوارب طويلة مزدحمة بالبحارة تسحب وراءها زوارق محملة بالحبال للحواجز، وللمراسي المدفونة في الرمال المراد سحبها إلى مواقفها .. سفن في كل مكان بين كبيرة وصغيرة، وعتيقة وجديدة، نشط معظم بحارتها.. إلى أعمالهم المختلفة في حركة لا تهدأ وتيار لا ينقطع..".
أما P.E. Case فقد أفاض الحديث في مقالة له بعنوان( ): "Boom Time in kuwait" عن مهارة الكويتيين البحرية، ومقدرتهم الفائقة في هذا المجال حيث يقول:
".. ومن بين الخليج .. والمياه المحيطة به يشتهر بحارة الكويت بالجرأة والمهارة، كما أن صانعي السفن الكويتيين أعظم الناس خبرة في الخليج، إذ يظلون مشغولين في صنع السفن الحديثة وإصلاح السفن القديمة التي تستخدم لصيد اللؤلؤ والسمك والتجارة ..".
ويشيد عيسى القطامي( ) بتفوق الكويتيين في صناعة السفن، فيذكر أنهم أجادوا هذه الصناعة بالممارسة الطويلة حتى أصبحوا من أمهر الصناع نظرًا للسفن التي كانوا يصنعونها والتي اشتهرت بمتانتها وجودتها للملاحة.
ولقد تميز النواخذة الكويتيون بالإستعانة بأحدث ما توفر في عصرهم من أجهزة ومعدات بحرية لتسهيل مهمتهم في عبور البحار والمحيطات.
ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن الحديث عن الأسطول البحري الكويتي لا يستقيم بحال من الأحوال دون أن نذكر من أحياه من القوى البشرية المحركة له.
ولئن تكلمنا عن النواخذة في مواضع أخرى في هذا الكتاب وهو موضوع الكتاب على كل حال، إلا إننا لا نكتفي بذلك، بل نسوق الحديث عن النظام الدقيق الذي كان يعمل به البحارة (البحرية)( ) الذين أشرنا إلى إخلاصهم وولائهم. إذ لم تكن الأحداث تتوالى على ظهر السفينة عبثاً أو حيثما اتفق، بل كانت وفق نظام مبرمج دقيق يسير بشكل يومي مرتب معروف لا يحيد عنه أحد إلا وقت الضرورة حين يستلزم الوضع في عرض البحر الخروج عن هذا البرنامج، فيصدر النوخذة أوامره على غير العادة، تكيفاً مع التغيرات الجوية أو البحرية وتسمي هذه الأوامر "الأمَّاريَّات".
ولقد لخصت هذا النظام اليومي الدقيق كما رواه لي كل من:
العم سليمان فهد البلوشى (بو سعد)
والعم يعقوب خالد الشطي (بو خالد)
وكلاهما من بحارة السفر الشراعي .. وذلك فيما يلي:
أولاً: يصلي البحارة صلاة الفجر جماعة، وبعد الصلاة والتسبيح يتناولون طعام الإفطار، تيمناً ببركة البكور التي جاءت في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا، قَالَ وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، قَالَ وَكَانَ صَخْرٌ( ) رَجُلا تَاجِرًا فَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ"( ).
ثانياً: وبعد الصلاة والإفطار يصيح المجدمى "يَمَّه".
(واليمَّةُ هي عملية نزح المياه المتسربة إلى جوف السفينة ويتم نزحها كل صباح ومساء تخفيفاً عن السفينة) ولا عجب أن تتجمع المياه في جوف السفينة فهي مصنوعة من الأخشاب المتداخلة والمسمرة بمسامير ضخمة، ولذلك قد تتسرب كميات بسيطة من المياه إلى جوف السفينة، ولا يعتبر ذلك عيباً في السفينة إلا إذا اتسع الخرق على الراقع بزيادة الماء المتسربة إلى جوفها.
ثالثاً: فإذا جف الماء المنزوح صاح صائحهم قائلاً "ارفع"، أي كفى فقد انتهى الماء، وهنا يكون المجدمي قد أعد الحبال لتجهيزها وصيانتها وغزل الجديد منها؛ استعداداً لتوفير الحبال الاحتياطية في السفينة والتي تنفع للموسم القادم كذلك.
رابعاً: يستمر العمل في الحبال حتى صلاة الظهر، ولا يوقف ذلك * كما أسلفنا * إلا الأمَّارية فإذا صلى البحارة الظهر وانتهوا من التسبيح وصلاة السنة صاح المجدمي قائلاً: "أنجب"( ) أي ياطباخ ضع الغداء.
خامساً: بعد الغداء تبدأ الراحة اليومية التي يستغلها الأكثرية في نوم الظهيرة "القيلولة" والتي تنتهي مع رفع النداء لصلاة العصر.
سادساً: يصلي البحارة العصر جماعة ثم تبدأ الفترة الحرة، حيث يبدأ كل منهم في قضاء حاجاته الخاصة من غسل ملابسه أو حياكة الخوص الذي جلبه من البصرة بغرض إنتاج السفرة وما شاكلها لكي يبيعها في أقرب بندر تطرح فيه السفينة لحسابه الخاص.
سابعاً: يصلي البحارة المغرب بعدما يجنّ الليل على سطح السفينة، ثم يتناولون طعام العشاء ويتجاذبون أطراف الحديث و"السوالف" حتى صلاة العشاء.
ثامناً: وبعد صلاة العشاء والسنة والوتر يصيح المجدمي مرة أخرى "يَمَّه" فينزل الجميع متعاونين يداً واحدة لنزح الماء المتجمع في قاع السفينة حتى يصيح قائلهم "ارفع".
تاسعاً: ينقسم البحارة هنا إلى نصفين: النصف الأول ينام والنصف الآخر يظل يقظاً منتظراً الأمّاريات وهي * كما سبق ان عرفنا * الأوامر التي تصدر عن النوخذة أو نوخذة الشراع أو المجدمي تجاوباً مع أي متغير ينبغي أن يُحسَب حسابه.
وفي النصف الثاني من الليل يتم تبديل المناوبات فيصحو الفريق الأول وينام الفريق الثاني .. وهكذا يتم تغيير المناوبات في أول الليل وآخره كل فترة مناسبة يتفق عليها البحارة بإشراف المجدمي.




رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-08-2010, 11:51 AM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

أهل نجد … والبحر

ليس بغريب على الإنسان أن يتبع العيش الكريم أينما كان، وأن يبتغي الرزق الحلال ولو من بين أنياب الأسد إذا ما اضطر إلى ذلك.
لقد كانت البيئة الصحراوية في نجد طاردة لكثير من أهلها الذين هاجروا طلباً للرزق الحلال وهروباً من القحط والجفاف حتى اصطدموا بالبحر، فإما أن يعودوا أدراجهم من حيث أتوا، وإما أن يعبروه ويسبروا أغواره رغم أهواله ومتاعبه، فإن أعطوه من أنفسهم أعطاهم من أعماقه اللؤلؤ وهو مصدر رزق وفير، وإن عبروه وامتطوا صهوة أمواجه جلبوا ما وراءه من خيرات حسان من أقاصي الأرض في حينها: الهند شرقاً وإفريقيا غرباً، وبذلك يكونون قد غطوا الغوص على اللؤلؤ من جهة والسفر الشراعي التجاري من جهة أخرى، وهما المصدران الرئيسان للرزق بلا منافس.
ولقد قدمنا في صدر هذا الكتاب كيف كانت الكويت آنذاك رئة تجارية تتنفس بها المنطقة بأسرها لوجود أسطول بحري كبير، وصل الشرق بالغرب في حركة تجارية دؤوبة، الأمر الذي جعل الرجال من سكان معظم مدن نجد وقراها ينحدرون سنوياً إلى الكويت في رحلات تجارية سنوية معروفة باسم "الحدرة"( )(بفتح الحاء وتسكين الدال). وكان من أبرز ما ينقلونه إلى مدنهم المواد الغذائية التي لا تزرع في الجزيرة العربية وتستجلب من الهند مثل الشاي والأرز والسكر والتوابل.
ولكن أنَّىَ لأهل نجد من الذين لم يروا البحر بأعينهم مرة واحدة في حياتهم لأن يقتحموا كل ذلك؟ بحيث لا تقتصر الحركة التجارية في الكويت على رحلات البر، بل تتعداها إلى رحلات البحر.
وكذا الحال بالنسبة لأهل البادية الذين انشغلوا بالترحال جرياً وراء الكلأ والزرع لترعى دوابهم وهي المصدر الرئيس لمواردهم المادية. ومن اللطيف أن كلا الشريحتين اتقنتا صناعة ركوب البحر غاية الإتقان.
ويقال إن أحد النجادة عندما وصل إلى الكويت آتياً لتوه من نجد لم يجد أمامه إلا الأعمال البحرية التي لم يمكن يعرف عنها شيئاً، فتقدم إلى أحد النواخذة طالباً منه العمل معه في السفينة ابتغاء كسب الرزق الحلال، فقال له "ليس لدينا عمل إلا الغوص"، وهذا يتطلب على الأقل أن تعرف كيف تسبح في البحر، وأنت لم يمر على قدومك من نجد إلا أيام قليلة، بل لم تشاهد البحر في حياتك ولو لمرة واحدة، فرد عليه النجدي معبراً عن استعداده لهذا العمل وتعلمه. فأجابه النوخذة * وهو بذلك يريد أن يصعب الأمور على هذا النجدي:
"ماذا تريد أن تعمل: سيب أم غيص؟" فأجابه النجدي متسائلاً أيهما يتقاضى أجراً أكثر؟ فقال له النوخذة: الغيص طبعاً، فرد عليه: النجدي إذاً أريد أن أكون غيصاً.
فما كان من النوخذة إلا أن وافق أمام هذا الإصرار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وضوح الهدف وقوة الإيمان لدى هؤلاء النجديين ولقد كان ذلك سبباً لبراعتهم في دروب البحر حيث تفوقوا على نظرائهم من أهل الخليج، كما يذكر المؤرخون.
كان عبدالعزيز بن عثمان عميد عائلة العثمان في الكويت هو أحد هؤلاء النجديين الذين برعوا في البحر ودروبه، حيث وصل إلى الكويت مع أخيه عبدالله وأخته هيا عام 1857م، وكان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة. وقد استقر فيها، وباستقراره في الكويت نشأت عائلة العثمان واستقرت فيها.
ومن اللطيف بل العجيب ذلك العزم الذي بدأ فيه حياته العملية، حين ركب البحر متعلماً ومنتبهاً لفنونه وهو عازم على الريادة في مجال صناعة ركوب البحر، فلما طلب منه أهله أن يتزوج ويستقر إذ لا تعارض بين العمل والزواج * قال كلمته المشهورة: لن أتزوج حتى أربط "البري"، والبري حبل يربط بمؤخرة السفينة، ويثبت بوتد على الأرض من خلفها حتى لا يتحرك مع ارتفاع ماء المد، وفي كلمته هذه كناية عن امتلاكه سفينة خاصة به، الأمر الذي يدل على علو الهمة وشدة العزيمة والاعتماد على النفس وكثير من المعاني السامية.
ومن الألطف والأعجب من ذلك أنه عندما امتلك السفينة عرض عليه الأهل والأحباب الزواج مرة أخرى، ولم يكن قد امتلك حينها البيت الذي يسكن فيه فأجابهم بكلمة معبرة قائلاً: "ليس قبل أن يكون لي قبر في هذه الأرض"، ومعنى القبر هنا أنه المكان الوحيد الذي لا ينازعه فيه أحد فكذلك البيت الملك، مما يدل على عزة النفس وعصاميتها، فلم يتزوج المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان حتى امتلك السفينة "مساعد" عام 1879م، وأسس البيت عام 1885م تقريباً وكان ذلك هو تاريخ بداية تأسيس فريج العثمان بمنطقة القبلة.

فريج (حي) العثمان
(1885م)

كانت مدينة الكويت القديمة تتكون من ثلاث مناطق رئيسة هي القبلة والشرق والمرقاب، بالإضافة إلى مناطق متاخمة لها أصغر منها مثل الوسط والصالحية وأم صدة والمطبة والمقوع ودسمان والصوابر وغيرها.
أما منطقة القبلة فتقع في اتجاه القبلة بالنسبة لبقية المناطق في مدينة الكويت أي في القسم الغربي منها، وتبدأ من موقع المستشفى الأمريكاني (مستشفى الإرسالية الأمريكية) حتى “البهيتة”ويراد بها الأرض المرتفعة الواقعة قرب قصر السيف في المنطقة بين الشارع الجديد والصفاة وقصر نايف حتى دروازة (بوابة) الجهراء.
أما منطقة الشرق فتمتد على ساحل جون الكويت( ) من البهيتة أمام قصر السيف إلى منطقة العاقول عند ديوان الملا صالح. بين منطقتي القبلة والشرق تقع منطقة الوسط على جون الكويت ما بين القبلة حتى دروازة العبد الرازق (ملتقى شارع الجهراء ودسمان حالياً) والشرق الذي يفصله عن الوسط شارع الميدان( ).
وقد تميزت هاتان المنطقتان: القبلة والشرق بأنهما كانتا أكبر المناطق مساحة وأرقاها سكناً، إذ كان المتعارف عليه قديماً أنه كلما قرب السكن من البحر زادت قيمته، وما زال هذا متعارفاً عليه إلى الآن، ومن ثم كانت منطقتا القبلة والشرق في المرتبة الأولى سكنياً.
وهناك ظاهرة أخرى وهي أن معظم المساكن التي كانت تنتشر على السِّيف (شاطئ البحر) ذات مساحة كبيرة وتسكنها العائلات الكبيرة والغنية، وقد كان لأكثر هذه العائلات نقعات أو"نقع” (جمع نقعة) وهو ما يشبه الموانئ الصغيرة التي ترسو فيها السفن، أو تبنى، أو تقف ريثما تتم صيانتها.
أما المرقاب * وهي ثالث أكبر منطقة في مدينة الكويت القديمة * فهي منطقة مرتفعة جنوب مدينة الكويت وفيها تل يسمى "المرقب" ومنه كان جُند ابن صباح يراقبون هجمات الأعداء وتحركاتهم، ويسارعون بإبلاغ الأهالي لأخذ الاحتياطات اللازمة. وقد كان ذلك المرقب مدخلاً من مداخل المدينة، وبعد أن بُني السور وحلَّ الأمن بالمدينة أخذ السكان يبنون تلك المنطقة، التي سميت حينئذ باسم "المرقاب".
وبذا يكون كل اسم من الأسماء الثلاثة (القبلة * الشرق * المرقاب) له من الدلالة ما برر اختياره علماً على مُسماه، فإذا كان الشرق قد أطلق على الجهة الشرقية من الكويت، فإن اسم القبلة قد أطلق على الجهة الغربية لأن قبلة الكويتيين ناحية الغرب( ).
وحين نتأمل هذه التسمية من زاوية أخرى، فإننا نخلص إلى معنى كاشف عن الفطرة الإسلامية المركوزة في أهل الكويت. فقد كان ممكناً مثلاً أن تسمى هذه المنطقة باسم آخر مشتق من الجغرافيا، كما اشتُقَّ اسم الشرق، أو من الوظيفة، كما اشتق اسم المرقاب من المراقبة، إلى غير ذلك مما يمكن تَلَمُّسه عند التسمية.
ولكن اختيار لفظ "القبلة" بعينه علماً على هذا الحيِّ بعينه يُشير إلى قدسية تلك الجهة التي جعلها المصلي أمامه في الصلاة، حين يولي وجهه شطر المسجد الحرام حيثما كان. يقول تعالى: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ" ( ).
والقبلة في اللغة هي الجهة، يقال "ما لكلامه قبلة" أي جهة. والقبلة أيضاً "المُصلَّى"، قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ"( )، جاء في تفسير "الجلالين": تبوءا أي اتخذا، وقبلة أي مصلى تصلون فيها لتأمنوا الخوف، وكان فرعون قد منعهم من الصلاة.
وبشكل طبيعي تحتوي كل منطقة من هذه المناطق على أحياء وتسمى فرجان (أحدها: فريج) ويخدم كلَّ مجموعة من هذه الفرجان مسجدٌ يبنيه أهل الفريج عادة أو أحد الأغنياء منهم أو بعضهم. ورغم قصر المسافات بين المساجد إلا أنها كانت بالكاد تكفي لسكان كل حي تقع فيه لتزاحم المساكن في كل حي وتباعد الطرق بينها لوجود التفاف في كثير من الشوارع في هذه الأحياء حول المساكن فيها، ووجود بعض الأزقة (السكيك جمع سكة) المغلقة وتسمى في هذه الحالة "سكة سدْ".
وقد تبين ذلك بجلاء بعد تثمين كثير من المساكن وهدمها فانكشفت المسافات الصغيرة جداً بين المساجد، وعلى سبيل المثال لا الحصر يبعد الآن مسجد هلال (براك الدماج) عن مسجد العتيقي (المطران) بضع خطوات هي موقف للسيارات الآن رغم أنهما كانا مزدحمين سابقاً بالمصلين، وكأن المسجدين بعيدان عن بعضهما سابقاً.
وهنا نقترب من الحديث عن فريج العثمان، وموقعه حالياً مشغول بمبنى مجلس الأمة الذي احتل موقع فريج العثمان في أجزاء كثيرة منه.
وفريج العثمان يحده من الشرق بيت المبارك وبيت العبد الجليل الذي اشتراه غانم العثمان ومدرسة عمر بن الخطاب ثم بيت ثنيان الغانم وفريج الصقر (البدر)( ). ويحده من الغرب بيت فهد المرزوق الذي اشترى جزءاً من بيت حامد النقيب، ثم يليه بيت أحمد العبدالله الصقر ثم خالد الزيد الخالد ثم بيت أحمد الخرافي. أما من الجنوب فيحده بيت سيد محمد سيد أحمد سيد صالح الرفاعى وبيوت عبدالعزيز ويوسف ومحمد الحميضى وبيت الصانع، وبيت محمد عبدالرحمن البحر وبيت بورحمه وبيت المزيد وبيت المديرس.
عندما هاجر عبدالعزيز بن عثمان مع أخيه الأكبر عبدالله وأخته هيا سكنوا عند أحد معارفهم من بيت المعجل في فريج سعود، ثم اشترى عبدالعزيز بن عثمان بيتاً هناك في المنطقة نفسها، وبعد ذلك انتقل إلى ما سمي فيما بعد بفريج العثمان في آخر منطقة القبلة من مدينة الكويت، حيث كانت معظم البيوت والأراضي هناك مملوكة لعائلة المبارك وعائلة المزيد، بالإضافة إلى أراضي فضاء.
واشترى عبدالعزيز بن عثمان أحد بيوت عائلة المبارك الذي أصبح فيما بعد بيت العثمان، وهناك سكن الجميع (عبدالعزيز بن عثمان وأولاده عبدالله وعبدالوهاب وأولادهم). وكذلك سكن معه محمد ابن أخته هيا، وأما عبداللطيف فقد سكن مع والدته هيا، وكذلك اشترى المرحوم عبدالعزيز بن عثمان بيت السيد خلف بن السيد عبدالرحمن النقيب.
وعندما كبرت العائلة رأى عبدالعزيز بن عثمان أن الوقت قد حان لكي يقسم الحلال بين أولاده من جهة وأبناء أخته من جهة أخرى.
وقد كانت هذه القسمة محل إعجاب ورضا الجميع لما سادها من عدل وإنصاف، حيث احتفظ عبدالعزيز بن عثمان ببيت العثمان والديوانية، وعندما توفي في 13 شعبان 1355هـ (1935م) اقتسم إبناه عبدالله وعبد الوهاب الحلال بينهما حيث احتفظ عبدالله ببيت العثمان الأول وجزء من العمارة على البحر، واحتفظ عبدالوهاب بالديوان على البحر والجزء الآخر من العمارة، ثم اشترى عبدالوهاب بيت أحمد محمد الغانم، وهو بيت كبير يحتوى على ديوانية.
وبعدما انفصل كل من عبداللطيف ومحمد عن خالهما عبدالعزيز بن عثمان، اشترى عبداللطيف ومحمد سليمان العثمان بيت أسماء (أَسُّومة) بنت طالب النقيب بتسعة آلاف روبية، وسكن فيه محمد وسليمان ويوسف وعبدالرزاق وعبدالله، أما عبداللطيف فكان يسكن مع والدته هيا ومع أخته شيخة في بيت قرب بيت العائلة.
ولما اشترى عبداللطيف ومحمد بيت حامد النقيب بثلاثين ألف روبية، سكنا في هذا البيت، وعندما انفصلا عن بعضهما صار بيت النقيب والديوان لعبداللطيف، وبيت أسماء النقيب وحوطة كبيرة يحدها من القبلة بيت فهد المرزوق ومن الشرق الشارع مقابل مسجد العثمان لمحمد، والعمارة والنقعة مناصفة بينهما: جهة الشرق لمحمد وجهة الغرب لعبداللطيف.
وبعد وفاة عبدالعزيز بن عثمان أصبح للعثمان ديوانان: ديوان عبداللطيف العثمان وديوان عبدالوهاب العثمان، بالإضافة إلى ديوان غانم بن عثمان الذي اشترى بيت العبد الجليل الملاصق لفريج العثمان، كما أصبح لكل منهم منزله الخاص وعمارته الخاصة به، أما عبدالله فقد اتخذ من عمارته ديواناً له يزوره فيها أصحابه، وقد استمر كل ذلك إلى أن تم تثمين هذه البيوت والانتقال إلى ضواحي العاصمة في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.
وعندما تم التثمين لم يبق من بيوت عائلة المبارك في فريج العثمان إلا بيتان هما بيت النوخذة يوسف جاسم المبارك وبيت خالد المبارك، وسكة واحدة كان يطلق عليها سكة المزيد، فيها جميع بيوت هذه العائلة الكريمة.
وعلى أية حال، فإن تسمية الحي (الفريج) لم تكن تصدر بقرار رسمي من السلطات الحكومية آنذاك، بل إنها نشأت قبل إنشاء دائرة البلدية التي أنيطت بها لاحقاً عملية تسمية الشوارع.
لقد تعارف الناس على تسمية الحي (الفريج) تبعاً لاسم العائلة التي تسكن أكثر مجموعة من البيوت في هذا الحي، أو أكبر البيوت حجماً وأكثرها سكاناً بما يجعلهم هم الأغلب بين سكان هذا الحي. ولعل هذا يفسر ببساطة تسمية ذلك الحي باسم "فريج العثمان".


نقع العثمان
(1895م)

ترتبط النقعة غالبا بالفريج (الحي) من حيث كونها هي الامتداد البحري لذلك الحي؛ لأنها في العادة متاخمة للحي الذي تشغل معظمه بيوت أفراد العائلة التي تسمى النقعة باسمها.
والنقعة بتشديد النون وكسرها وتسكين القاف، هي حوض ترسو به السفن لحمايتها من الأمواج أو لإصلاحها أو صيانتها، وهذا اللفظ عربي الأصل حيث إن النقع هو الماء المتجمع وكل ماء مجتمع يسمى "نقع" والجمع نقعان بضم النون، ومن هذا اللفظ جاء استخدام مسمى "المستنقع" للماء الراكد.
وفيما يلي أسماء النقع بالترتيب الجغرافي من الغرب * في منطقة القبلة * إلى أقصى الشرق في منطقة الشرق( ):
أولا: القبلة:
1- نقعة الساير.
2- نقعة سعود المطيري.
3- نقعة أحمد عبدالمحسن الخرافي.
4- نقعة عبداللطيف ومحمد سليمان العثمان.
5- نقعة عبدالعزيز العثمان.
6- نقعة علي المبارك.
7- نقعة آل عبدالجليل (نقعة غانم العثمان فيما بعد).
8- نقعة يوسف الصقر.
9- نقعة محمد ثنيان الغانم.
10- نقعة حمد عبدالله الصقر.
11- نقعة علي المانع.
12- نقعة ناصر البدر.
13- نقعة فلاح الخرافي.
14- نقعة الخالد.
15- نقعة المرزوق.
16- نقعة بودي.
17- نقعة سيد ياسين الرفاعى.
18- نقعة سعود (نسبة إلى سعود الصباح).
19- نقعة آل غنيم.
20- الفرضة.
ثانياً: الشرق:
1- نقعة الإبراهيم (نسبة إلى الشيخ يوسف بن عبدالله الإبراهيم).
2- نقعة الشيوخ (نسبة إلى الأسرة الحاكمة).
3- نقعة الشاهين.
4- نقعة معرفي.
5- نقعة الخميس (نسبة إلى عبداللطيف الخميس).
6- نقعة بوقماز.
7- نقعة شملان (نسبة إلى شملان بن على آل سيف).
8- نقعة العسعوسي.
9- نقعة النصف.
10- نقعة علي الفضالة.
11- نقعة محمد صالح التركيت.
12- نقعة ناصر النجدي.
13- نقعة هلال (نسبة إلى هلال بن فجحان المطيري).
14- نقعة مشاري عبدالله الروضان.
15- نقعة أحمد المناعي.
16- نقعة جاسم محمد العماني.
17- نقعة عبدالرحمن العسعوسي.
18- نقعة على أبو ونيان.
19- نقعة راشد بورسلي.
20- نقعة جاسم الغانم.
21- نقعة أحمد القضيبي.
22- نقعة عبدالله بن غيث.
23- نقعة السيد هاشم النقيب.
24- نقعة ابن معتوق.
25- نقعة الشيخ خزعل.
26- نقعة دسمان.
ولقد أقام التجار من أهل الكويت هذه النقع على حسابهم الخاص تسهيلاً على سفنهم وطواقمهما من أجل أداء أفضل في المواسم التجارية اللاحقة.
ويتراوح ارتفاع سور النقعة( ) * الذي يسمى "قاف"( ) * ما بين متر ونصف بالقرب من الساحل إلى أربعة أمتار أو أكثر داخل البحر، حسب عمق النقعة وبُعد سورها الداخلي عن الساحل، ويبلغ عرض السور عند قاعدته حوالي سبعة أمتار أو أكثر، يقل تدريجياً إلى أن يصل إلى حوالي متر ونصف أو مترين عند سطحه، ويساعد ذلك على تقوية السور وبقائه أطول فترة ممكنة لمقاومة الأمواج العاتية التي تتكسر على جدرانه، وبذلك يحمي السفن الراسية في النقعة من آثارها.
وللنقعة عادة فتحتان؛ شرقية، وغربية, تسمى الواحدة منها "فاتق"، وتستخدم لدخول السفن إلى النقعة والخروج منها، ويساعد وجود فتحتين متقابلتين أو أكثر في النقعة على تجدد مياهها وعدم تكون "الصيانة"، وهي ترسبات طينية وعضوية تنتج عن ركود الماء وعدم تبدله مما يؤدي إلى تجمع الأوساخ ووجود روائح نتنة.
وتتسع بعض النقع لعدد كبير من السفن، وكان معظمها يأوي سفن الغير أيضاً دون مقابل، بينما يتقاسم أصحاب السفن التي ترسو في النقعة نفسها تكاليف صيانتها، بدفع مبلغ معين من المال سنوياً مقابل كل سفينة، وذلك لتغطية مصاريف الصيانة وإعادة بناء أسوارها في حالة تهدمها، أو إصابتها بالتلف نتيجة للأمواج العاتية والرياح الموسمية القوية، التي تهب على الكويت خلال الفترة الممتدة من منتصف شهر مايو إلى أواخر شهر يونية، والتي تسمى "رياح البوارح".
وكانت بعض النقع تستقبل السفن القادمة من موانئ الخليج وبحر العرب لإصلاح سفنهم الكبيرة في الكويت. ويحل أصحاب السفن من ميناء "صور" بعمان وغيره من الموانئ التي تتوجه إليها سفن الكويت، ضيوفاً على أصحاب النقع أثناء فترة تواجدهم في الكويت، حيث يستضيفهم هؤلاء في بيوتهم ودواوينهم، نظراً لعلاقة الصداقة التي كانت تربطهم، ويبقى هؤلاء في الكويت إلى أن تنقضي مهمتهم، المتمثلة في بيع بضائعهم أو إصلاح سفنهم، حيث يقوم مضيفوهم بتقديم كافة أنواع المساعدة لهم لإنجاز أعمالهم.
وتظل السفن الشراعية الكويتية راسية في النقع أثناء فترة توقف العمل بانتظار قدوم الموسم التالي، ويتم تغطيتها بعرشان من الحصير والبواري لحفظها من حرارة الشمس والعوامل الجوية الأخرى.
ولا تخلو النقع في معظم الأحيان من السفن المتوقفة نظراً لاختلاف مواسم العمل للسفن الرئيسية التي تستخدمها، وهي سفن السفر التجاري وسفن الغوص؛ إذ يبدأ موسم السفر التجاري إلى الهند مع بداية توافر التمور في العراق في شهر سبتمبر.
فتغادر تلك السفن النقع بعد صيانتها وتنظيفها وتجهيزها للسفر، وتتوجه إلى العراق لشراء التمور من هناك وتحميلها، تمهيداً لنقلها إلى الهند أو اليمن وإفريقيا، وتستمر سفن السفر في رحلتها إلى الهند وإفريقيا مدة تتراوح ما بين ثمانية أشهر وتسعة أشهر، لتعود بعدها إلى النقعة في شهر مايو.
ولقد أسس الحاج النوخذة عبدالعزيز بن عثمان نقعة العثمان في حوالي عام 1895م بالتعاون مع ابني أخته عبداللطيف ومحمد، وتقع هذه النقعة في طرف منطقة القبلة بمدينة الكويت، مقابل مبني مجلس الأمة الحالي، وقريبة من نقعة العبدالجليل ونقعة الصقر، التي أعيد صيانتها وتأهيلها لاستقبال السفن.
ولم يبق من نقعة عبدالعزيز العثمان إلا بعض الصخور، بعدما كانت من أكبر النقع في الحي القبلي، حيث كانت أبعادها 800 ذراع طولاً و 800 ذراع عرضاً( )، وكانت النقعة تضم بين صخورها والشاطئ أكثر من ستين سفينة مملوكة لعائلة العثمان عبر التاريخ البحري لهذه العائلة.( )
ومما يذكر أن هذه الأرض تم تخصيصها من قبل الشيخ مبارك الصباح حاكم البلاد في ذلك الوقت للحاج عبدالعزيز بن عثمان الذي خصص مبلغاً كبيراً من ماله الخاص لإنشاء هذه النقعة وصيانتها.
وقد استمرت العائلة بصيانتها لأكثر من 70 عاماً على حسابها الخاص. ويحد النقعة من الشرق نقعة المبارك، أما من الغرب فتحدها اليسرة ونقعة الخرافي. أما من الجنوب فيحدها عماير العثمان ثم فريج العثمان.
ولقد ذكرنا تسلسل مواقع جميع نقع العثمان آنفاً ضمن بقية نقع منطقة الشرق والقبلة.
واليسرة هي قطعة صخرية كبيرة بارزة على شاطئ البحر في الموقع المذكور، وقد تميزت صخورها بالصلابة الشديدة مما يستعصي على أقوى العمال في ذلك الزمان لكسر موضع ولو صغير فيها، لذا تعامل معها الكويتيون كمعلم طبيعي لا يسهل تغييره، فاستفادت منه بذلك عشرات النساء الكويتيات اللاتي كن يحملن أكوام الملابس على رؤوسهن لغسلها على صخور اليسرة، لاستوائها وسهولة الحركة فوقها واتساعها من جهة، ولبعد الرجال عنها في أقرب نقعة إليها من جهة أخرى، وقد دفنت الآن واعتلاها حاليًا مبنى مجلس الأمة الذي شغل مواقع في جهتي البر والبحر كانت من أكثر المواقع حركة ونشاطاً.
وقد ارتبط اسم اليسرة باسم المرحوم احمد العبدالله الصقر لكون بيته هو اقرب البيوت إليها، وهو أحد رجالات الكويت الذين اشتهروا بالكرم لدرجة أنه كان يحرم علي زوجته وأهله إغلاق بيت "دار الكيل"( ) وهي الغرفة المخصصة في البيت الكويتي لتخزين المواد الغذائية والاستهلاكية المستخدمة بشكل شبه يومي بحيث لا يرد سائلاً ولا محتاجاً وإن لم يسأل.
كما اشتهر بيته بأنه كان مصدراً لكل محتاج إلى الماء، وكأن بركته ماء سبيل، حيث كان من الطبيعي أن البحارة وصائدي الأسماك أو الصبية الصغار وعابري السبيل لا يحسبون أي حساب لماء الشرب معهم، حين ينوون المرور قرب "اليسرة" لأنهم يعلمون بوجود الماء وتيسر الحصول عليه في بيت المرحوم احمد العبدالله الصقر.
ولقد ورث عنه طيبته وكرمه وحضوره الاجتماعي ابنه العم يوسف احمد الصقر صديق والدي - رحمه الله - فقد بنى العم يوسف الصقر مسجداً باسم والده المرحوم أحمد العبدالله الصقر في قطعة 8 بالشامية وهو أحد أكثر مساجد الشامية امتلاء بالمصلين سواءً في شهر رمضان المبارك أو سائر الشهور علي السواء.( )
وعوداً على بدء لعله من المناسب هنا أن أورد مقترحاً وجيهاً من أبناء المرحوم النوخذة عبدالوهاب العثمان:
"نرجو من الحكومة الكويتية أن تحافظ على ما تبقى من هذه النقعة من ضمن الواجهة البحرية، وأن تُسمي كل نقعة باسمها الأصلي، وخاصة في الحي القبلي لمدينة الكويت، الذي تم هدم معظمه، وقد ضاعت بذلك معالم الفرجان وأسماؤها ودواوينها.
وقد كان يجب أن يحتفظ كل فريج باسمه الأصلي وحدوده القديمة، مع وجود الأبنية الجديدة المقامة عليه، تذكيرا بأصل هذا المكان، كجزء من تراث الكويت وأهل الكويت الذين حافظوا عليها يوم لم يكن هناك من يطمع فيها بسبب شظف العيش وصعوبة الحياة".











عماير العثمان

قبل الحديث عن عماير العثمان دعنا * عزيزي القارئ * نتعرف عن العماير بشكل عام كمرافق تجارية لعبت دوراً مهماً في تاريخ صناعة البحر، مستعينين بالبحث اللطيف عن العماير، الذي أورده الأستاذ محمد عبدالهادي جمال في كتابه "أسواق الكويت القديمة" (ص 128 وما بعدها).
يقول الأستاذ عبدالهادي جمال: "ضم الطريق الموازي لساحل البحر على جانبيه عدداً كبيراً من المتاجر والمخازن وبائعي مواد البناء والمواد المستخدمة في صناعة السفن، وتسمى تلك المتاجر "عماير" ومفردها "عمارة" والعمارة عبارة عن بيت عربي كبير أو حوش يستخدم كمخزن لوضع هذه المواد فيه، ويوجد لكل عمارة عادة مدخل متصل بالمتجر المواجه للبحر في معظم الأحيان، والذي تعرض فيه نماذج من البضاعة أمام الباب وداخله.
ويجلس صاحب العمارة في المتجر لاستقبال المشترين، أو تبادل الأحاديث مع أصدقائه، الذين يقضون أوقاتهم معه أثناء ساعات العمل؛ ويستخدم كل صاحب عمارة عمارته لأغراض تتناسب مع طبيعة عمله؛ فمثلاً يستخدم كبار التجار وأصحاب السفن الشراعية * سواء منها أبوام السفر أو أبوام الغوص * عماراتهم لتخزين البضائع والمواد الخاصة لاستخدامات اسطول السفن التابع لهم، كما تصنع لبعض السفن في تلك العماير.
وهناك من أصحاب العماير تجار يتعاملون ببيع المواد بالمفرق على عملائهم من القلاليف وصيادي الأسماك وأصحاب السفن الأخرى. كما يملك بعض أساتذة القلاليف عدداً من العماير لخزن الأخشاب المستخدمة لبناء السفن فيها، حيث يقوم بعضهم بناء السفن في تلك العماير. وتبدأ العماير من أقصى منطقة الشرق بالقرب من دسمان، وتمتد إلى منطقة "الوطية" في أقصى الغرب من مدينة الكويت "القبلة".
ومن أهم المواد التي تباع في العماير الأخشاب بأنواعها والجندل والباسجيل والأرماح( )
والبواري والحبال والطاري (السيالي أو الزفت) والصِلْ والدامر والودك، وكل ما يتعلق بصناعة السفن وقطاع البناء من مواد تقريباً.
وغالباً ما تكون العماير قريبة من بيوت أصحابها ودواوينهم، حيث يفتح معظمها طوال النهار، وقد وضعت في مداخلها حبوب الماء (جمع حِبْ)، ليشرب ويرتوي منها المارة. كما كانت بعض العماير تقدم الطعام للعابرين ناحيتها أثناء فترة الغداء، حيث يدعون ليحلوا ضيوفاً على أصحابها.
وفيما يلي أسماء العماير التي استطعنا( ) الحصول عليها على جانبي شارع السيف في منطقتي الشرق والقبلة من خلال مقابلاتنا مع رجال الرعيل الأول والمهتمين بهذا المجال، كما بدت في فترة الأربعينيات وما قبل ذلك.
ولا يفوتنا هنا أن نؤكد إمكانية القصور * بل حتميته * في الحصول على كامل المعلومات الخاصة بالعماير * كما هو الحال بالنسبة للنقع * إذ أن الكمال ليس من صفات الإنسان.
1- منطقة الشرق:
- عمارة الشاهين.
- عمارة عبدالكريم حسين أبو الملح.
- عمارة الحاج نجف بن غالب (اشتراها محمد حسن أبو البنات فيما بعد).
- عمارة الشيخ علي الخليفة (يوسف بو قريمز ثم عبدالعزيز الحمر).( )
- عمارة الشيخ سلمان الحمود (موسى المزيدي).
- عمارة الحمد.
- عمارة براك الخميس.
- عمارة محمد علي معرفي.
- عمارة حسين معرفي (عبدالعزيز الحمر).
- عمارة صقر دعيج الفهد.
- عمارة محمد جواد معرفي.
- عمارة محمد رفيع معرفي.
- عمارة عبداللطيف الخميس.
- عمارة خالد الخميس.
- عمارة العميري.
- عمارة يوسف بن حيي.
- عمارة عبداللطيف بن عيسى.
- عمارة الفرحان.
- عمارة بو قماز.
- عمارة راشد بن صقر.
- عمارة الشملان.
- عمارة بشر الرومي.
- عمارة ملا حسين.
- عمارة محمد بن حسين العسعوسي.
- عمارة آل صادق.
- عمارة النصف.
- عمارة علي بن حمد الفضالة.
- عمارة محمد صالح التركيت.
- عمارة ناصر النجدي (اشتراها عبدالوهاب القطامي فيما بعد).
- عمارة هلال المطيري.
- عمارة مشاري الروضان.
- عمارة العماني.
- عمارة حسين العسعوسي (اشتراها أبناء خليفة الشاهين فيما بعد).
- عمارة الونيان (اشتراها خالد الحمد فيما بعد).
- عمارة بورسلي.
- عمارة القضيبي.
- عمارة الغيث.
- عمارة المعتوق.
- عمارة آل قاسم.
- عمارة عبدالرسول الجمعة (اشتراها أحمد الأستاذ فيما بعد).
- عمارة الحاج عمران (اشتراها محمد حسين العليان فيما بعد).
- عمارة حسين بو حامد.
- عمارة الحاج حمود البدر.
2 – منطقة القبلة:
- عمارة عبدالعزيز الجسار.
- عمارة يوسف النصر الله.
- عمارة محمد بن حيي.
- عمارة حمد بوقريص.
- عمارة يوسف الزبن.
- عمارة ابراهيم الغانم.
- عمارة الصقر (اللَّحدان)( ).
- عمارة ناصر بن ناصر.
- عمارة الغنيم.
- عمارة علي الجوعان.
- عمارة عمران البنوان.
- عمارة درباس العمر.
- عمارة أمان.
- عمارة الياقوت (عبدالمحسن الفهد).
- عمارة المرزوق عمارة العبدالجليل.
- عمارة المباركي.
- عمارة حسن الشطي.
- عمارة أحمد الخشتي.
- عمارة المضاحكة.
- عمارة سيد ياسين.
- عمارة بودي (اشتراها الخالد فيما بعد).
- عمارة العيدان.
- عمارة فهد الفوزان.
- عمارة فلاح الخرافي.
- عمارة البدر.
- عمارة حمد الصقر.
- عمارة العبدالجليل (اشتراها يوسف الصقر فيما بعد).
- عمارة محمد ثنيان الغانم.
- عمارة غانم العثمان.
- عمارة علي المبارك.
- عمارة عبدالعزيز العثمان (عمارة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان وعمارة عبدالله عبدالعزيز العثمان فيما بعد).
- عمارة محمد سليمان العثمان.
- عمارة عبداللطيف سليمان العثمان.
- عمارة أحمد العبدالله الصقر.
- عمارة سعود المطيري.
- عمارة أحمد الخرافي.
وقد أنشأت أول عمارة لعائلة العثمان حوالي عام 1885م، وتقع على البحر في فريج العثمان مقابل نقعة العثمان، وقد كان المرحوم سليمان عبداللطيف العثمان يدير كلاً من العمارة والمكتب التجاري.
استمر العمل في العماير منذ حياة النوخذة المرحوم عبدالعزيز بن عثمان إلى أن تمت القسمة بين أفراد العائلة، وانتقل كل من عبداللطيف ومحمد سليمان العثمان في بيت آخر. حيث أصبح لهم عمارة خاصة بهم بالقرب من العمارة الأصلية الأولي. تم تقسيمها فيما بعد وأصبح لكل واحد منهما عمارته الخاصة به، وقد بنى عبداللطيف وأخوه محمد ابنا أخته "تشالة" لهما بعد أن اشتريا بيت النقيب (وما يقابله من السيف من عمارة ونقعة).
بعد وفاة عبدالعزيز بن عثمان أنتقل عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان إلي بيت آخر في فريج العثمان وأصبح لكل من عبدالله العثمان وأخيه عبدالوهاب العثمان عمارته الخاصة به أيضا أما غانم العثمان فقد اشتري بيت العبدالجليل وعمارة العبدالجليل بالقرب من فريج العثمان.
وقد كانت هناك مساحة بين عمارة النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان وعمارة النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان تستخدم لعملية لك (إيقاف) السفن من نوع الجالبوت لكل عائلة العثمان، فلما تم التثمين تم توزيع مبلغ تثمينها بين النواخذة عبداللطيف ومحمد وعبدالله وعبدالوهاب.
وهكذا أصبح للعثمان عدة بيوت وأصبح لكل رب عائلة سفنه الخاصة به والتي تقف عادة أمام عمارته. وفي هذا كله دلائل واضحة على التمكن البحري والتفوق الإداري والمالي الذي كان نتيجة طبيعية للتفوق البحري لعائلة العثمان.
وقد روى لي العم عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان قصة قسمة البيت بين والده عبدالله وعمه عبدالوهاب كما يلي:
"تم الاتفاق على قسمة البيت والعمارة بين عمي ووالدي بحيث أن على من يكون البيت من نصيبه أن يدفع للآخر عشرة آلاف روبية لكون البيت أعمر من العمارة، أي أكبر وأكثر عمراناً بكل تفاصيل البنيان ومشتملاته.
وقد أجرى القرعة بينهما العم محمد عبدالرحمن العثمان فكانت القرعة من نصيب والدي فأخذ البيت ودفع لعمي المبلغ المستحق" انتهى.
ومن اللطيف أن نقدم هذا النموذج الرائع من التفاهم الأخوي والودي في اقتسام الحلال مما يدل على صفاء النفوس وبساطة المجتمع الكويتي، بل وعدم الحاجة إلى اللجوء إلى القسام الشرعي – قاضي الكويت آنذاك – بل كان كافياً أن يشرف على القسمة أحد كبار السن من عائلة العثمان آنذاك.
ولئن خرجنا من السرد التاريخي لهذه الواقعة إلى الاستلال التربوي لوجدنا – بالإضافة إلى المعاني الطيبة التي ذكرناها آنفاً – أن كبير السن له وزنه في إدارة الشؤون الاجتماعية والاقتصادية في محيطه وخصوصاً إن كان من الأقارب، وكم ضعف هذا الجانب المشرق في جيل اليوم، إلا من رحم الله، إذ كان كبير السن يأمر وينهي في الحي بشكل تربوي توجيهي مفيد جداً، لأنه لم يكن يوجه إلا عن خِبرةٍ ودرايةٍ وتأكد.






مسجد العثمان
(1907م)

لقد ارتبط اسم المرحوم النوخذة القدير عبدالعزيز بن عثمان بالخير والحرص عليه، والريادة بين الناس بالمسابقة إلى الخير، ولقد مَثَّل بناء المساجد في كويت الماضي * التي اصْطبغت بتدني المستوى المعيشي ونقص الدخل المادي بالنسبة للشعب والحاكم * مؤشراً قوياً على حب الخير بين الناس، وحب تيسير إقامتهم للشعائر الدينية، خصوصاً شعيرة الصلاة وفي جماعة من أهل الخير وعابري السبيل.
وفي ذلك امتثال لقول الله تعالى في غير موضع من القرآن الكريم، الذي يحث على إقامة الصلاة، ليس بالمعنى اللفظي لإقامتها، بل بالمحافظة على أدائها في أوقاتها، وأدائها في جماعة، وهذا هو المعنى الحقيقي لإقامة الصلاة، قال تعالى: "وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)" سورة البقرة.
لذا كان أول عمل خيري للنوخذة عبدالعزيز بن عثمان حين استقر في الكويت هو بناء مسجد لله تعالى، عسى أن يحظى * رحمه الله تعالى * ببيت في الجنة، متأولاً قول الرسول : "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ"( ).
وذلك رغم أنه وضع ضمن أولوياته الاجتماعية بناء سفينة للعمل بها طلباً للرزق الحلال، وامتلاك بيت يأويه هو ووالدته وأخته هيا، لذا لم تكن هاتين الأولويتين وحدهما تشغلان بال النوخذة عبدالعزيز، فيحسب حسابهما في كسبه وشقائه، بل شغلته الأولوية الثالثة وهي بناء هذا المسجد.
ولقد قام عبدالعزيز بن عثمان بتأسيس هذا المسجد عام 1325هـ الموافق عام 1907م،( ) وكان يومها عمر ابنه النوخذة عبدالوهاب سنة واحدة.
ويقع مسجد عبدالعزيز العثمان على ساحل البحر في منطقة القبلة ويشغل موقعه الأول الجزء الشرقي من مواقف السيارات الرئيسية بمجلس الأمة، ثم تم نقله إلى موقعه الحالي شرقي مجلس الأمة على شارع الخليج العربي مقابل البحر.
ولقد أفاد كل من النوخذة أحمد عبداللطيف سليمان العثمان والسيد محمد يوسف البدر بأنه قد تم تجديد المسجد من قبل كل النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان، وعبداللطيف سليمان العثمان، وأحمد محمد الغانم بمشاركة دائرة الأوقاف والشئون الإسلامية، والتي كانت تسمى حينئذ "دائرة الأوقاف العامة"، وذلك في العشرين من ذي القعدة عام 1371هـ الموافق الحادي عشر من أغسطس عام 1952م، وقد بلغت تكاليف هذا التجديد 87183 روبية.( )
والمظهر الخارجي للمسجد يدل على قدمه، له بابان أحدهما غربي، وهو يؤدي إلى ردهة مستطيلة في نهايتها منارة المسجد، وهي شامخة الارتفاع تتراءى للناظرين من مسافات بعيدة، أما صحن المسجد فهو مستطيل الشكل فسيح يتسع لمئات المصلين، وبالجهة الغربية منه رواق محمول على ستة أعمدة من الأسمنت المغطى بالجص الأبيض الجميل، وبالحائط الغربي للرواق سبعة أبواب من الخشب العادي الذي كان يجتلب من البلاد الإفريقية في الفترة التي بُني فيها المسجد، والخلوة متوسطة المساحة، والمحراب والمنبر عبارة عن تجويف داخل الحائط، وكل منهما مُحلى بزخارف جصية رائعة للغاية.
وقد أوقف السيد حامد بن السيد رجب النقيب بيتاً واقعاً في محلة القبلة على إمام مسجد العثمان، وذلك بعد أن تُصرف من أجرة هذا البيت على مصالحه من تعمير وغيره، وما بقي فهو للإمام.
وقد قام بالإمامة فيه في البداية المرحوم الشيخ يوسف بن سليمان بن حمود، وهو من تلاميذ الشيخ عبدالله الخلف الدحيان رحمه الله، ثم تولى الإمامة من بعده تلميذه الشيخ محمد بن سليمان الجراح، الذي كان ينوب عنه أخوه الشيخ إبراهيم بن سليمان الجراح حين يذهب إلى الحج، الذي كان يستغرق آنذاك عدة أشهر.
ثم تلاهما في الإمامة الملا عثمان بن عيسى العصفور، ثم الشيخ درويش بن رحمة الذواوي، الذي انتقل إليه من مسجد عبدالله المرزوق المشهور باسم "مسجد الشرهان" نسبة إلى إمامه، وذلك بعد وفاة الملا عثمان بن عيسى العصفور.
ومن بعدهم جميعاً تولى الإمامة الملا أحمد الباحسين، الذي كان ضريراً ويملك دكاناً في بيته القريب من المسجد على أرض الشيخ يوسف بن حمود.
أما المؤذنون فقد كانوا على الترتيب حتى منتصف الخمسينيات كما يلي:
الملا محمد بن عبدالرحمن الحداري، والملا محمد بن خليل العوضي، والملا يوسف عيسى الشرف.( )
ولقد أعاد ورثة المرحوم عبدالوهاب العثمان بناءه في موقعه الجديد شرقي مجلس الأمة بعد هدمه في موقعه القديم، وذلك في السادس من فبراير عام1991م، وهو الآن يشغل مساحة كلية مقدارها 1482 مترا مربعا، منها مساحة 130 متراً مربعاً مخصصة لمصلى النساء، بما يجعله يتسع لألف مصلٍ ومائة مصلية تقريباً في آن معاً.
وترتفع المئذنة حالياً لما يربو عن 20 متراً، بما يكمل تميزه بعد أن كان يتميز منذ بداية بنائه بهذه المئذنة الطويلة التي تُرى من بعيد براً وبحراً.
ومن الجدير بالذكر أن خطبة الجمعة في هذا المسجد تقدم الآن للمصلين بلغات أجنبية، وعلى رأسها اللغة الإنجليزية، وبعض اللغات الآسيوية التي تمثل لغة أغلبية المصلين في هذا المسجد في صلاة الجمعة، وذلك بالتنسيق مع لجنة التعريف بالإسلام، التي تركز في عملها مشكورة على هداية الجاليات غير المسلمة الوافدة إلى الكويت، وتثبيت وتعليم المهتدين الجدد، وتستخدم في ذلك عشرات اللغات كتابة وخطابة، ولعلها صدقة جارية للمرحوم عبدالعزيز العثمان وكل من أكمل المسيرة المباركة من ورائه.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-08-2010, 11:59 AM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

نواخذة العثمان
(1879-1950م)

لعل القارئ الكريم يلحظ - وهو يجول في ثنايا هذا الكتاب – أنه تمحور حول ثلاثة محاور أساسية.
الأول: مقدمات الكتاب التي تشكل مدخلاً مهماً لموضوعه، وقد مهدت له بإلقاء الضوء على أهمية حرفة التنوخذ بحد ذاتها، وبالتالي الدور الحيوي الذي لعبه النواخذة في تاريخ السفر الشراعي، وبالتالي في رسم الملامح الرئيسية لتاريخ الكويت في الفترة الماضية، ومن ثم الدور الإستراتيجي الذي لعبته الكويت في المنطقة.
الثاني: التعريف بعائلة العثمان التي لعبت دوراً مهماً في استقرار الحياة الحضرية في مدينة الكويت وما حولها جنباً إلى جنب مع بقية العائلات الكويتية الأخرى، التي عملت في السفر الشراعي أو الغوص على اللؤلؤ، من حيث أصلهم الكريم وفريجهم (حيهم) وعمايرهم ومسجدهم.
الثالث: التعريف - عن كثب – بكل نوخذة من نواخذة العثمان بشكل مستقل من خلال استعراض ما تيسر لنا من سيرته الشخصية، مركزين على إنجازاته البحرية وأبرز المواقف التي تعرض لها، وقد بينا الأحداث والمواقف التي تدل على تميز نواخذة العثمان بعاملين اساسيين من عوامل التوفيق والنجاح:
الأول: المتعلق بمهارته البحرية.
الثاني: أوجه إحسانه.
وفيما يلي عزيزي القارئ تفصيل لما يشمله المحور الثالث من المحاور الثلاثة المشار إليها أعلاه.

النوخذة عبدالله بن عثمان
تاريخ الميلاد: 1842 م.
تاريخ الوفاة: 1865م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 4 أعوام تقريباً.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: شط العرب وموانئ الخليج العربي.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: التمور والمواد الغذائية والمواد الاستهلاكية.
نبذة عن عمله البحري:
عمل النوخذة عبدالله بن عثمان في مجال السفر الشراعي على مستوى سواحل الخليج العربي وشط العرب والمسمى "سفر القطاعة" والذي تنقل من خلاله السفن الكويتية بضائعها من الكويت وشط العرب إلى سواحل الخليج، وبالعكس.
وقد قدم عبدالله بن عثمان من نجد مع شقيقه عبدالعزيز ولم يكن لهما أية خلفية بحرية البتة، حيث لا بحر فيها ولا نهر، بل صحراء قاحلة عدا بعض الواحات المتناثرة بين التلال والكثبان الرملية (النفود)، ولكنهما سرعان ما تعلّما صناعة ركوب البحر كبحارة ثم ما لبثا أن التقطا فنون هذه الصناعة بنهم حتى تعلما فن قيادة السفن الشراعية، فأصبح كل منهما نوخذة يقود سفينته بشكل مستقل.
وقد توفي مبكراً في شبابه حين كان يحمل التمر في البصرة ليشحنه إلى الكويت وموانئ الخليج العربي، ودفن في جزيرة حجي صلبوخ في أعالي الخليج العربي جهة العراق، ولذا سمى أخوه عبدالعزيز ابنه البكر "عبدالله" إحياء لذكراه الطيبة، وقد كان عبدالله الصغير نوخذة حاذق، سنورد ذكره فيما بعد ضمن نواخذة العثمان، وكذلك بالنسبة لابنه النوخذة عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان.

ولقد زوج المرحوم النوخذة عبدالله بن عثمان ابنته منيرة لابن أخته هيا، وهو النوخذة محمد سليمان العثمان.
وهكذا تتشابك وشائج الرحم بين نواخذة هذه العائلة الكريمة علماً بأن ما بسطناه هنا هو بعض هذه الوشائج، أما بقيتها فسيتبين لنا بشكل أكبر في موضع لاحق من هذا الكتاب.

النوخذة عبدالعزيز بن عثمان
تاريخ الميلاد: 1845م.
تاريخ الوفاة: 1935م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 41 عاماً تقريباً.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: شط العرب والأحساء والخليج والهند وممباسا.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: التمور والمواد الغذائية والأخشاب والأقمشة.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة محمد المسجري.
- النوخذة عبدالرحمن العبد الجادر.
أبرز النواخذة الذين تدربوا على يده:
- النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان.
- النوخذة محمد سليمان العثمان.
نبذة عن عمله البحري:
ركب بحاراً هو وأخوه عبدالله في سفينة من نوع البغلة للنوخذة محمد المسجري. وبعد مضي ثلاث سنوات ركبوا مع النوخذة عبدالرحمن العبد الجادر، حيث أصبح الشاب عبدالعزيز بحاراً له سهم كامل (قلاطة). لكن عبدالعزيز كان يطمح إلى شيء أكبر من مجرد البقاء بحاراً على سفينة شراعية.
وبعد مضي حوالي 15 عاماً * قضاها في العمل بجد وإخلاص وصبر * استطاع أن يجمع مبلغاً من المال، فقام بشراء منزل كبير له ولعائلته، وبناء سفينة صغيرة أسماها "مسـاعد"، وكان ذلك في حوالي العام 1297هـ (1879م). وبدأت رحلات "مساعد" إلى الهند أولاً بقيادة النوخذة فلاح الخرافي، ثم بقيادة الشاب عبدالعزيز العثمان.
وبعد مضي عدة سنوات استطاع أن يصنع لنفسه سفينة أخرى عام 1310هـ (1892م) ذات حمولة تقدر بحوالي 1400 منٍّ من التمر، وأسماها "موافج". وفي تلك الأثناء توفي أخوه الأكبر عبدالله في البصرة ودفن فيها.
ثم اشترى النوخذة عبدالعزيز سفينة من آل العنجري، وعلّم ابنيْ أخته عبداللطيف ومحمداً أصول الملاحة وقيادة السفن الشراعية، فتسلم النوخذة عبداللطيف قيادة السفينة "مساعد" في عام 1311 هـ (1893 م). ثم بيعت السفينة "مساعد"، كما فُقدت السفينة "موافج" في حادثة غرق في البحر بالقرب من ساحل المهرة.
لكن النوخذة عبدالعزيز صنع لنفسه سفينة أخرى أسماها "موافج" أيضاً، أثبتت فيما بعد أنها من أفضل خشب الكويت ومن أطوله عمرًا، وكان ذلك في العام 1328هـ (1910م) وتولى قيادتها النوخذة عبدالعزيز ذاته حتى عام 1334هـ (1915م)، ثم تسلم قيادتها النوخذه عبداللطيف وأخيه محمد.
وفي بداية الحرب العالمية الأولى صنع النوخذة عبدالعزيز لنفسه سفينتين أخريين إحداهما بوم ماء والثانية هي البوم "تيسير" التي أصبحت من أشهر خشب الكويت.
واستمر النوخذة والتاجر عبدالعزيز في بناء السفن، يصنعها له الأستاد الكبير حسين بن منصور حتى توفي في الكويت في عام 1355 هـ (1936 م)، بعد أن خلفه أبناء أخته عبداللطيف ومحمد وولداه عبدالوهاب وعبد الله، وأصبحوا بدورهم من نواخذة الكويت الكبار.
أما نشأته وبناؤه لنفسه ابتداءً من لا شيء * بعد أن قدم صغيراً من سدير في نجد * فقد فصلناها جيداً في صدر هذا الكتاب تحت عنوان "عائلة العثمان... بين التاريخ والجغرافيا" في الصفحات من إلى ، ونحيل القارئ الكريم عليها تجنباً للتكرار.
ولقد وقفنا على وثيقة تؤرخ نشاط المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان بعد فراغه من ركوب البحر والعمل كنوخذة على ظهور السفن، وهذا ما نشره الباحث في التراث الكويتي والإسلامي الإستاذ محمد إبراهيم الشيباني في جريدة القبس( ) من استعراض لأوراق ووثائق للخان بهادر عبدالله القناعي، وقد كانت إحداها عبارة عن تعهد يبرز النشاط البري الذي مارسه المرحوم عبدالعزيز بن عثمان بعد فراغه من النشاط البحري.
وهو تعهد قد كتبه المسيو باكليه رون كير وهو أحد رجالات الدولة البريطانية الممثلين لها في الكويت في بدايات القرن العشرين.
وبنظرة تحليلية لأهم التواريخ في حياته يمكن أن نربط بين تاريخ كتابة هذه الوثيقة (عام 1912م) وبين تاريخ فراغه من ركوب البحر في بدايات القرن العشرين، الأمر الذي يدل على الإطمئنان إلى نسبة هذه الوثيقة إلى المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان، علماً بأن حاولنا استجلاء كل الأسماء الموجودة في ذلك الوقت والمطابقة لإسمه فكانت لأشخاص لم تتناسب نسبة هذه الوثيقة إليهم مع أحداث حياتهم الأمر الذي يزيد الإطمئنان إلى صحة نسبة هذه الوثيقة إلى المرحوم عبدالعزيز بن عثمان عميد عائلة العثمان المترجم له في هذا السياق.
وفيما يلي ما نصت عليه هذه الوثيقة مع تكملتها بالجزء الذي لم يظهر بالنسخة التي وقفنا عليها.
"وجه تحرير هذه الوثيقة
هو أنا يا مسيو باكليه رون كير قد تعهدت والتزمت لعبدالعزيز بن عثمان من أهل الزلفي يشيلني (ينقلني)( ) ورجالي وجميع أموالي من الكويت إلى القصيم من طريق بريدة وعنيزة والرياض والاحساء بأجار (بأجرة) عدد ماية (مائة) ليرة عثمانية وأيضاً عشرين ليرة إنعام (إكرامية)، وعلى عبدالعزيز المذكور البعارين (الجمال) وجميع ما يلزم من أشدة وخروج وقِرَب وخيمة وارفاق( )، إلا الزَّهَاب( ) علي أنا يا مسيو وقد سلمت بيد عبدالعزيز المؤمى إليه (المشار إليه) من الأجرة في الكويت خمسة وأربعين ليرة الباقي خمسة وسبعين ليره أسلمها له إن شاء الله تعالى في البحرين وإن احتجت أنا يا مسيو في الطريق لخمس ليرات سلف( ) يسلمها لي وأنا أسلمها له في البحرين مع باقي الأجرة، ومن بعد تسلمون له باقي الأجرة المذكورة، أخذ منه الورقة ممهورة لأجل البيان، تحررت هذه الورقة نسختين كل منا بيده ورقة كيلا نخون.
حرر في 23 صفر 1330هـ مطابق 13 فبروري (فبراير) عام 1912م".
ومن الجدير بالذكر أن نجاح المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان كان له خلفية دعم اجتماعي أسري كريم، حيث أن المرحومة السيدة شيخة سالم السبيعي زوجة المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان كانت سيدة بيت من الطراز الأول، حيث حفظت البيت وأهله في حضور زوجها وسفره، وساست "الحمولة" (بفتح الحاء: العائلة الكبيرة) خير سياسة، وقد كانت هذه الحمولة تضم أبناءها عبدالله وعبدالوهاب وزوجتيهما، وأبناء أخت زوجها هيا بنت عثمان وهما عبداللطيف ومحمد.
وعندما نقول أنها حفظت البيت فإننا نقصد معانٍ كثيرة، ومواقف طويلة تبدأ منذ الصباح الباكر حين توقظ الأولاد ليذهبوا إلى المسجد لأداء صلاة الفجر مع الجماعة في مسجد العثمان، الذي بناه زوجها، ثم لا يعودون من المسجد حتى تكون قد أعدت لهم الفطور.
وهكذا تشرف وتعد الوجبات، وتقوم بكافة الواجبات المنزلية التي لا يتسع المقام لذكرها، والمهم هنا أنها حافظت على كل البرامج اليومية في إدارة البيت الكبير في عملية انسيابية وطيبة خلت من المشاكل الاجتماعية والمادية ولله الحمد والمنة.
كما أنه من الجدير أيضاً بالذكر في هذا السياق أن نلقي الضوء على انعكاس مثل هذا الجانب في المجتمع الكويتي بشكل عام.
لقد كان النوخذة له مكانته الاجتماعية الكبيرة في المجتمع، ومن بعده الرتب البحرية الأخرى مثل مساعده (نوخذة الشراع) والمجدمي وهكذا.
وكذلك على صعيد الغوص على اللؤلؤ كانت للغواص مكانته الاجتماعية الأكبر ثم السّيب، والتي تنعكس من تميز الأول عن الثاني أصلاً في توزيع حاصل رحلة الغوص (القلايط: الأسهم).
ولقد كانت تشعر زوجة النوخذة بالفخر والاعتزاز للمكانة الاجتماعية والاقتصادية التي بلغها زوجها، أو بالمقابل تشعر بالمسؤولية تجاه ذلك وبالقدر نفسه، فتأخذ على عاتقها حفظ بيته وصيانة سمعته وحسن تربية أولاده وحفظهم من الزلل ما استطاعت.
كانت هذه نبذة عن الدور الرائد الذي قامت به المرأة الكويتية في هذا المجال.
أما بالنسبة لنساء العثمان فلن يعوزنا التفكير في حسن تدبيرهن، وقوة شخصياتهن، وطيب تربيتهن، ويكفي أن نرى انعكاس ذلك متمثلاً في كل من أوجه النجاح التالية:
1- بروز نواخذة العثمان ضمن أكفأ نواخذة السفر الكويتيين.
2- كثرة عددهم بشكل مطلق بحد ذاته، وكذلك بالنسبة للنواخذة الآخرين من العائلات الكويتية الأخرى.
3- نجاح العائلة في توارث مهنة "التنوخذ" جيلاً بعد جيل، أباً عن جد، وأخاً كبير لأخ صغير.
وهذه المظاهر الجلية للنجاح لا تأتي دون تيسير الله تعالى للنواخذة من آل العثمان، وتوفيقهم بإسنادٍ اجتماعي يدفعهم إلى النجاح دفعاً.
ومن الطبيعي عندما نتحدث عن نساء العثمان اللاتي كنَّ وراء كبار العائلة عندما برزوا في مجال التنوخذ في سفن السفر الشراعي أن نذكر زوجة عميد العائلة كما فعلنا آنفاً، حيث أنه من الطبيعي أيضاً أن تكون هي التي ضمت الجميع في حسن تربيتها ورعايتها.

النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان
تاريخ الميلاد: 1867 م.
تاريخ الوفاة: 1973 م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 33 عاماً.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: شط العرب والخليج والهند وزنجبار.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: التمور والمواد الغذائية والأخشاب.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة عبدالعزيز بن عثمان.
أبرز النواخذة الذين تدربوا على يده:
- النو خذة محمد سليمان العثمان.
- النوخذة عبدالله عبدالعزيز العثمان.
- النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان.
نبذة عن عمله البحري:
ولد النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان عام 1284 هـ (1867م) في فريج سعود بمدينة الكويت، حيث كان يقيم أفراد عائلته، وقد كانت عين الله ترعاه منذ الصغر، حيث روي عنه حادثة مؤثرة نزل فيها مطر شديد أحال البيوت المتهالكة - آنذاك - أنهاراً وفاض بها الماء، وكان عبداللطيف وعمره حينئذ أربعة شهور، وقد وضعته والدته بداخل "طبق" مصبوغ بالغار الأسود، لحفظه من الماء الذي وصل إلى أرضية الغرفة، وتركته بعد أن اطمأنت عليه، وذهبت لمساعدة باقي أفراد أسرتها، إلا أن الماء أخذ بالارتفاع في الحجرة رويداً رويداً حتى طفى الطبق فوق الماء وسار مع جريانه إلى حوض المسكن، ومنه إلى الباب، وكاد أن يخرج إلى خارج البيت مع سريان الماء، لولا عناية الله تعالى ورعايته حيث حُشر الطبق على باب البيت، فتنبهت والدته وهبت لنجدته.
وقد نشأ النوخذة عبداللطيف العثمان في كنف أسرة عركت البحر وفنون الملاحة فيه، وصارت سفنها تعبر عباب المحيطات والبحار، وقدمت الكثير لخدمة هذا الوطن العزيز وساهمت في تنمية اقتصاده.
تعلم في مدرسة سيد هاشم – وهي تقع قرب السوق – علوم القرآن الكريم والكتابة والقراءة وشيء من الحساب، كما تعلم من خاله النوخذة عبدالعزيز بن عثمان ومن النواخذة الكبار آنذاك أصول وفنون الملاحة البحرية، وقد نبغ بها وخبرها خبرة كبيرة.
رعاه خاله عبدالعزيز العثمان ودّربه على قيادة السفن الشراعية حتى أصبح بعد ثلاث سنوات قائداً للدفة (سكوني) مع خاله عبدالعزيز. ولما أتم الثامنة عشرة من عمره أصبح نوخذا، يقود سفينة صغيرة للقطاعة داخل الخليج.
ويعد النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان من كبار نواخذة الكويت، وهو أحد أشهر النواخذة الكويتيين بالخبرة الملاحية والحكمة وسعة الصدر.وقد ساهم في بناء سور الكويت هو وأخوه محمد.
وقد عرف عنه عفة اللسان إذ لم يعرف عنه ذكر أي عبارة تؤذي أحد أو تكدره، كما اشتهر بالنزاهة في معاملاته مع الآخرين وفي جميع أموره، وقد صدق مع الجميع فاصدقوه وتعاملوا معه على هذا المنوال وكان هذا ديدنهم جميعاً في ذلك الوقت، وهذا من نعم الله تعالى وحسن التربية التي تأسست على العقيدة السمحاء والسنة المحمدية الشريفة.
وفي مقابلة تليفزيونية تاريخية معه تحت عنوان (صفحات من تاريخ الكويت)، تحدث عن إحدى رحلاته البحرية مع خاله عبدالعزيز حين هاجمهم قراصنة في شط العرب يعرفون باسم "الدقاقة"، وكيف أن الله سلّمهم من شرهم فعادوا إلى أهلهم بسلام بعد تبادل إطلاق النار معهم.
تسلم النوخذة عبداللطيف قيادة سفن خاله عبدالعزيز مثل "موافج" و"تيسير". ولعل رحلات النوخذة عبداللطيف على البوم "تيسير" من الرحلات التاريخية الموفقة. فقد قاد هذه السفينة بكفاءة ومهارة، ووصل بها إلى معظم موانئ الهند الغربي. وكان خلال رحلاته هذه يدرب أقاربه على فنون الملاحة وقيادة السفن الشراعية، حتى أصبح هؤلاء من نواخذة الكويت المتميزين. وكانت السفينة تيسير مدرسة آل العثمان البحرية.
يصف عبداللطيف محمد الشاهين الغانم النوخذة عبداللطيف العثمان بأنه رجل حكيم ومتأنٍِ وذو شخصية متميزة".
كما يصف الأستاد علي عبدالرسول النوخذة عبداللطيف بأنه حكيم ويحرص على سلامة البحارة والسفينة. فإذا ما أقبل الليل أمر بإنزال الأشرعة تاركاً الشراع "العود الرئيس"، وترك البحارة يأخذون قسطاً وافياً من الراحة إذ لم يكن ممن يسابق غيره من السفن * كما يفعل الكثيرون * بل يقود محمله بتعقل ومهارة.
كما يصف أحد بحارته أخلاقه بأنها طيبة، فإذا ما أراد أن يصدر أمراً بتغيير اتجاه الشراع (الخايور)، فإنه يقف أمام "القائم" ثم "يتنحنح" وكأنه يستعد للكلام فيعرف البحارة ما يريده ويستعدون للعمل، فلا هو ممن يكثر الكلام والمزاح، ولا هو ممن يحيط نفسه بعزلة عن البحارة". وهو نوخذة ومعلم يعرف أصول الملاحة وأسرارها.
كما أنه راوية للتاريخ جيد، تدل على ذلك المقابلة التليفزيونية التي أجريت معه عام 1966م وما فيها من معلومات قيمة ذكرها النوخذة عبداللطيف، حتى طريقة جلوسه على المقعد في هذه المقابلة تشعرك بوضوح أنك أمام رجل غير عادي، يفرض عليك احتراماً قل من يفرض عليك مثله من المتحدثين، وعلى رأسه عقاله "الشطفة" الأنيق.
وهو يروي في هذه المقابلة قصة حدثت له عندما ترك السفر الشراعي وكان راجعاً في باخرة مع صديقه محمد ثنيان الغانم. فقد التبس الأمرعلى قبطان الباخرة، وهو بالقرب من البحرين، فلاحظ ذلك النوخذة عبداللطيف الذي همس في أذن صديقه محمد ثنيان، فما كان من صديقه إلا أن أرسل من يقول للقبطان إنه مخطئ في مساره، ولما وصل التحذير للقبطان أرسل في طلب النوخذة عبداللطيف، وعندما تحدث معه عرف أنه أمام ملاح ماهر وحاذق، فقد ثبت صحة ما قاله بعد ذلك.
ويضيف النوخذة عبداللطيف أنه لم يكن بوده أن يتدخل في شؤون القبطان، لكن صديقه محمد ثنيان، أصر على ذلك وطلب منه أن يذهب للقبطان للتباحث بهذا الشأن.
وفي وصفه لأحوال أهل الكويت آنذاك، ولحبهم للسفن والبحر، يروي النوخذة عبداللطيف (في المقابلة المذكورة) أن أهل الكويت حين يسمعون أن واحداً منهم وفقه الله وبدأ يبني لنفسه سفينة، ويمد قاعدتها (البيص)، فإنهم يذهبون إليه في ديوانه ويباركون له بدء العمل في بناء السفينة، ثم يقدمون له المساعدة، فبعضهم يعطيه قماشاً للشراع، واَخر يعطيه "فرمن" لحمل الشراع، وغير ذلك من أدوات السفينة التي تحتاجها قبل أن تبحر من الكويت.
وفي الوقت الذي لم تكن قد ظهرت فيه المحاكم إلى الوجود، كانت هناك لجان أهلية من ذوي الخبرة والدراية تقوم بالنظر في القضايا ذات الاختصاص، وكان يطلق على اللجنة اسم "أهل الصنف".
ولقد كان للمرحوم عبداللطيف العثمان دور في عضوية لجنة "الخلافات" التي قد تقع بين النوخذة والبحارة أو بين تجار اللؤلؤ أنفسهم، فقد اكتسب خبرة ودراية وثقة الناس به نتيجة السمعة الطيبة التي كان يتمتع بها كسائر أعضاء اللجان الأخرى.. ولم تكن مثل هذه اللجان ذات صفة رسمية، لكنها كانت محل اعتزاز وثقة وقبول في كل ما تقضي به من أحكام بين المتخاصمين.
أدرك – رحمه الله – أنه من بنى لله تعالى بيتاً في الدنيا بنى الله له بيتاً في الجنة من واقع الحديث النبوي الشريف عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي الْجَنَّةِ" رواه أحمد. فبنى - رحمه الله – مسجداً كبيراً ذو مئذنتين في ضاحية عبدالله السالم (قطعة3) عام 1389هـ الموافق لعام 1969م وهو يشغل مساحة كبيرة من الأرض، حيث يتسع لأكثر من ثمانمائة مصلٍ، بالإضافة إلى مصلى النساء. ويمتاز المسجد بلونه الأصفر الملفت للنظر، واسلوبه المعماري المميز ونقوشه من الخارج والداخل.
كما كان * رحمه الله * رائداً في عمل الخير والإنفاق في سبيل الله تعالى، خصوصاً في المناطق الفقيرة، فقد بنى في الزبير مسجداً للمزارعين والسكان غير المقتدرين على إقامة مسجدٍ يقيمون فيه صلاة الجمعة والجماعة، وقد أوقف عليه سبعة دكاكين، اثنان منها للإمام والمؤذن، ويقيم في البقية منها الأسر المحتاجة من أهل الزبير.
وأسس كذلك مسجداً آخر في منطقة الفاو بالعراق يرتاده كثير من المصلين بسبب كبر مساحته واتساعه، وقد تم بناؤه في عام 1965م.
كما أدرك – رحمه الله – بناء السور وشارك في بنائه للدفاع عن الكويت من هجمات المعتدين.
وقد استطاع عبداللطيف سليمان العثمان، أن يملك أكثر من سفينة "سفر" إلى الهند وزنجبار وعدن تحمل الأخشاب والتمور والأقمشة وغيرها من البضائع بين الكويت والموانئ الأخرى.
ويعتبر بوم عبداللطيف العثمان الذي يحمل اسم "فتح الرحمن" من أشهر أربعة مراكب كانت ملكيتها تعود إليه في عام 1936م. وبه نوخذا وبحارة يعملون لصالح مالكه، كما أنه كان لدى عبداللطيف العثمان مركب آخر اسمه.. "فتح الخير".. بالإضافة إلى سفينتين للسفر، ومن أشهرالنواخذة في هذه المراكب حسن الشطي، وعبد الرحمن الداود وعبدالرحمن الإبراهيم، الذي كان نواخذة في البوم" العثمانى" ولم تكن لديه سفن للغوص.
استمر النوخذة عبداللطيف يقود السفن الشراعية التابعة للعائلة حوالي 33 عاماً ترك بعدها قيادة السفن في عام 1931م، وتسلم النوخذة عبدالوهاب قيادة البوم "تيسير" بدلاً منه، بينما تفرغ النوخذة عبداللطيف لترتيب الأمور التجارية للعائلة، فكان يسافر إلى البحرين حين يعلم بوصول سفنهم ويخلص أمورها التجارية، ويودعها في رحلة العودة إلى الكويت.
وحين بدأ السفر الشراعي في التوقف، لزم النوخذة عبداللطيف ديوانه في حي القبلة يستقبل أصدقاءه ويقدم المشورة للناس.
ولما بدأ هدم المنازل القديمة في المدينة وترحيل السكان إلى منازل في مناطق خارجها، لزم النوخذة عبداللطيف منزله ولم يشأ أن يتركه إلا مضطراً، حتى وفاته في الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1973م بعد تركه منزله القديم بسنوات قليلة، وكان عمره حوالي 106 أعوام.
وقد كرَّمته الدولة بإطلاق إسمه على أحد شوارع ضاحية عبدالله السالم (قطعة 3).
لقد تحدثنا في ختام سيرة المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان عن زوجته الكريمة التي كانت أحد الأسباب المهمة والرئيسية لنجاحه، أما عبداللطيف فقد تزوج ابنة خاله فاطمة عبدالعزيز العثمان، وهي الأخرى كانت صاحبة فضل وحسن سياسة وتدبير، وقد أنجبت الأبناء الصالحين ومنهم النوخذة أحمد عبداللطيف العثمان. وقد كانت هي الأخرى * وسائر نساء العثمان * تقوم بواجباتها الاجتماعية والمنزلية على أحسن وجه، باعتبارها بنت نوخذة وزوجة نوخذة وأم نوخذة، فكيف لا تكون قيادية وقد كانت ربيبة النواخذة منذ نعومة أظفارها.
فهي بنت النوخذة القدير عبدالعزيز بن عثمان، وزوجة النوخذة القدير عبداللطيف سليمان العثمان، ووالدة النوخذة أحمد عبداللطيف العثمان، والنوخذة داوود عبداللطيف العثمان.
وقد كانت تدير كافة شئون بيت الحمولة (العائلة الكبيرة) الذي سكنت فيه أربع أسر، وقد كانت تتميز بحسن الإدارة وحسن العبادة إذ استطاعت - رحمها الله – أن تقوم بكافة شئون المنزل وإدارته في حين أنها تقضي أغلب أوقات فراغها وهي على سجادة الصلاة تصلي أو تنتظر الصلاة، سواء في الليوان (الممر) أو في غرفتها.
كما تزوج عبداللطيف سليمان العثمان فاطمة محمد السبيعي (أم سليمان) التي اشتهرت بورعها وتقاها، وقد كانت تؤم النساء في صلاتي العشاء والتراويح في بيتها، وينتظم خلفها حوالي عشرون امرأة.
وقد كانت رحمها الله محبوبة محبة للناس تتفقد وصول خشب (سفن) أهل الكويت كافة ولا تكتفي بالسؤال والاطمئنان على وصول خشب العثمان فقط، وكان سؤالها المعتاد: "مِنْ بَيَّن من الخشب؟".
وكذلك ابنته موضي عبداللطيف سليمان العثمان زوجة النوخذة القدير عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان، التي كانت له خير سند أيضاً في أسفاره الأولى، حيث أشرنا آنفاً في التعريف الشخصي به، بأنه تزوج مبكراً في بداية شبابه.

النوخذة محمد سليمان العثمان
تاريخ الميلاد: 1880م تقريباً.
تاريخ الوفاة: 1945 م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 25 عاماً.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: شط العرب والخليج والهند.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الاستهلاكية الأخرى.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة عبدالعزيز العثمان.
- النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان.
أبرز النواخذة الذين تدربوا على يده:
- النوخذة يوسف محمد العثمان.
- النوخذة عبدالرحمن إبراهيم العثمان.
- النوخذة عبدالرحمن داوود العثمان.
نبذة عن عمله البحري:
تدرب على يد أخيه النوخذة عبداللطيف العثمان، كما تعهده خاله عبدالعزيز بالرعاية حتى شبّ وأصبح من نواخذة السفر الشراعي في الكويت، وتسلم قيادة بوم العثمان المعروف باسم "تيسير" في أولى رحلاته عام الحرب العالمية الأولى (1914م). وقام بقيادة هذه السفينة حتى تسلمها منه النوخذة عبداللطيف، فركب في قيادة سفينة خاله عبدالعزيز"موافج" الأولى التي غرقت بالقرب من ساحل اليمن.
ولما صنع البوم"موافج" الثاني عوضاً عنه، تسلم قيادته لسنين طويلة وكان يذهب إلى الهند محملاً التمر ويعود محملاً الأخشاب. وكان يركب معه خلال هذه الرحلات النوخذة عبدالرحمن العثمان ليتعلم أساليب التنوخذ منه. فلما ترك النوخذة محمد البوم "موافج" تسلمه منه النوخذة منصور الخارجي ثم ابنه النوخذة يوسف العثمان بعد ذلك. وقد تفرغ بعدئذ لاستقبال سفن العائلة في كراتشي وبوربندر وبراوا لتصريف حمولتها من التمور في تلك الموانيء والمدن ثم تحميلها من جديد بالبضائع المختلفة إلى الكويت، كالأخشاب والتوابل والشاي وسائر المواد الغذائية والإستهلاكية.
وبالمقابل كان أخوه المرحوم النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان مسئولاً عن استقبال سفن العائلة في النيبار لتصريف حمولتها الواردة، ثم تحميلها بالأخشاب والقهوة والحبال وغيرها من المواد الاستهلاكية والغذائية.
ولقد كان المرحوم النوخذة محمد سليمان العثمان يستقبل سفن العائلة في مسقط لشراء التمور "والسلوق" وبيع المواد المستوردة من الهند في عمان والعجير والبحرين.
وقد كان يحل ضيفاً على المرحوم خالد السعدون والمرحوم بدر الساير عندما يزور البحرين، حيث كانا مشرفين على عمارة يملكها المرحوم هلال فجحان المطيري ويسكنان فيها، وكانت تسمى "البلدينج" نسبة للتسمية الإنجليزية (building)، وكان من أصدقائه في البحرين المرحوم صالح النفيسي.
وقد روى كل من المرحوم صالح العبدلي وعبدالرحمن الزامل أن النوخذة محمد سليمان العثمان استملك لاحقاً مع أخيه النوخذة عبداللطيف بيتاً للسكن في البحرين عند حضورهما إليها.
يوصف النوخذة محمد بأنه واسع الصدر، لا يجهد البحارة ولا السفينة. وقد استمر في رحلاته الشراعية حتى وفاته عام 1945م.
وقد ساهم – رحمه الله – في بناء سور الكويت الذي تكاتف أهل الكويت لبنائه دفاعاً عن وطنهم من المعتدين.

النوخذة عبدالله عبدالعزيز العثمان
تاريخ الميلاد: 1866م تقريباً.
تاريخ الوفاة: 2/6/1962م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 40 عاماً.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: شط العرب والخليج والهند واليمن.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والمواد الغذائية.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان.
- النوخذة محمد سليمان العثمان
أبرز النواخذة الذين تدربوا على يده:
- النوخذة عيسى بشارة بصفة معلم.
- النوخذة أحمد السبيعي بصفة معلم.
نبذة عن عمله البحري:
هو شقيق النوخذة عبدالوهاب، ومع أنه لا يعرف القراءة ولاالكتابة، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يصبح من نواخذة الكويت المشهود لهم بالنزاهة والصدق وحب الخير.
ركب شاباً مع قريبه النوخذة عبداللطيف العثمان ومنه تعلم أصول قيادة السفن الشراعية حتى أصبح سكونيّاً. وحين أتم الخامسة والعشرين من عمره سلمه والده سفينة شراعية ليقودها إلى موانئ الهند.
ولم يكن النوخذة عبدالله معلماً وخبيراً بقياس مواقع السفينة، لكنه تحلى بخبرة وثقة في نفسه وإيمان بالله كبير. وكان يصحب معه ابنه الشاب عيسى لكي يتعلم منه مبادئ قيادة السفن الشراعية، وكذلك آداب المعاملات التجارية وأساليبها.
ويتحدث ابنه عيسى عن أحد هذه الدروس قائلاً: "كنت مع الوالد في بومباي نحاول بيع التمر هناك، ولما عرض علينا السعر من قبل تاجر يسمى عبدالشكور لم يعجب الوالد فذهبنا إلى المسجد لصلاة العشاء، وحين خرجنا من المسجد أقبل علينا "دلال" آخر يعرض سعراً للتمر أعلى مما عرضه الدلال الأول، لكني فوجئت بالوالد يرفض السعر الأخير، ويخبر الدلال أنه باعه للدلال الآخر الذي سبقه في عرض السعر، فلما قلت للوالد إن سعر الدلال الثاني أعلى، قال لي "اسمع يا ولدي: إحنا ناس نروح ونيجي في هالبحر، ونخاطر بأنفسنا وحلالنا، ورأس مالنا الحقيقي هو النية السليمة، وقد قررت بيع التمر على الدلال الأول (عبدالشكور) حين كنت في المسجد، ولن أغير نيتي حتى ولو حصلت على سعر أعلى".
ركب النوخذة عبدالله في قيادة سفينته عدة سنوات، وكان يركب معه أحياناً النوخذة عيسى بشارة ليساعده على قياس مواقع السفينة في البحر، كما ركب معه النوخذة أحمد السبيعي، وقام بالمهمة ذاتها. ومع ذلك كان النوخذة عبدالله يتمتع بحافظة قوية ساعدت مثل هؤلاء "المعالمة" في مهمتهم هذه نظراً لمعرفته الجيدة سواحل الهند واليمن.
وحين اكتملت لدى ابنه عيسى الخبرة في قيادة السفن الشراعية، سلم قيادة سفينته "فتح الكريم" له، وترك السفر. لكنه استمر في تجارته.
وكان آخر حياته مؤمناً بالله أشد الإيمان وبقضائه وقدره، وكان يردد هذه المقولة: " من لا يرزقه الله تعبان". وكان كذلك قانعاً بما عنده.
وفي اليوم الثاني من شهر يونيو عام 1962م، توفي النوخذة عبدالله العثمان في منزله في حي القبلة في مدينة الكويت، بعد أن أفل نجم السفر الشراعي في الكويت، وترك ابنه عيسى ركوب البحر كما تركه غيره من نواخذة الكويت.
يقول الأستاذ محمد الرشيد الذي عاصر النوخذة عبدالله العثمان: " إن النوخذة عبدالله رجل فاضل، فاضل جداً، وصاحب ذمة، رحمة الله عليه".
ولقد سطر التاريخ البحري على ألسنة رجاله ما نقل عن النوخذة عبدالله عبدالعزيز العثمان من موقف يدل على الحنكة البحرية والدراية, رغم كونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب, وبالتالي لا يستطيع استعمال الأداة البحرية المعروفة (الكمال) لقياس موقع السفينة في عرض البحر.
وتتلخص الحادثة المشهورة التي وقعت له أنه عندما كان متوجهاً بسفينته البوم من شط العرب إلى اليمن محملاً التمر، عبر مسقط، وقد كان معه من أهل الكويت نوخذا شراع (أي مساعد للنوخذة) و"معلم" (أي متخصص * كما سبق أن أسلفنا * في استخدام الأجهزة المتاحة لقياس الاتجاهات والمسافات والأبعاد بناءً على تحديد خطوط الطول والعرض).
وقد استخدم المعلم أجهزته وحسب حساباته المعتادة فقال للنوخذة بكل ثقة: "عم بوعيسى .. بكرة المغرب بتشوف البر" فقال النوخذة عبدالله العثمان: "يصير خير".
فلما بلغت الساعة الحادية عشرة في الوقت الغروبي (العربي) أي قبل الغروب( ) بساعة. ورُفع طعام العشاء، قال النوخذة عبدالله لأحد البحارة المعروفين بحدة البصر: "يا فلان..قوم اركب الدقل.." (أي اصعد الصاري الكبير) في إشارة إلى تحريِّ البر، حين كان البحارة يعتمدون في اكتشافهم للبر على العين المجردة، حيث لا أجهزة تذكر ولا اتصالات لاسلكية ولا أقمار صناعية، ويتحرى الرائي للبر قبل الغروب لأن الشمس تكون في الأفق فيسهل رصد الأسطح الملاصقة للأفق، إن اختلفت قيد أنملة عن سطح الماء المستوي.
فقال البحار: "هذا البر يا عم بو عيسى"، فرد عليه النوخذة عبدالله عبدالعزيز العثمان: "هريا غزال، الحمد لله على السلامة" (أي وصلنا اليمن)، وهنا أخذت النوخذة المعلم ردة الفعل حيث سبق له أن حدد لهم مساء الغد للوصول، فقال للنوخذة عبدالله العثمان: "يا عم بوعيسى .. إذا طلع هذا البر وهذي اليمن .. أنا بكسر الكمال"، أي سأقوم بتكسير جهاز الكمال الذي أستخدمه، لأنه لم تعد له فائدة، فرد عليه النوخذة عبدالله العثمان بكل حكمة وروية: "لا يا ولدي خله ينفعك السنة الآتية".
ولما هدأ وتفهم الوضع وتيقن أنها اليمن، سأل النوخذة الكبير: "ولكن قل لي بالله عليك، كيف عرفت أننا وصلنا إلى البر ولم تستخدم جهازاً لذلك"، فأجابه بكل بساطة وبداهة: "عندما ذهبت إلى الزوُّلي( ) ضُحى اليوم رأيت "الحْمِسَة" (أي السلحفاة)، وهي لا تذهب إلى أعماق البحر وتظل قريبة من اليابسة، وبالتالي فإن ظهورها قرب السفينة هو مؤشر واضح على قربنا من اليابسة".
ومن هذا الموقف تتجلى حنكة النوخذة عبدالله عبدالعزيز العثمان وذكاؤه وخبرته العميقة بالبحر.
ولقد شهد له أهل الخبرة والدراسة في شئون البحر أنه يكاد لا يسبقه في عبور البحر أحد، وذلك لطيب نيته وصفاء سريرته بالإضافة إلى حنكته البحرية التي أشرنا إليها آنفاً.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-08-2010, 12:00 PM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

النوخذة عثمان عبدالعزيز العثمان
تاريخ الميلاد: 1899م تقريباً.
تاريخ الوفاة: 1923م تقريباً.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: من 3 إلى 4 أعوام.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: شط العرب وسواحل الخليج العربي والهند.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: التمر والشاي والسكر والرز.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- والده المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان.
نبذة عن عمله البحري:
عثمان هو الابن الأوسط للنوخذة عبدالعزيز بن عثمان فهو أصغر من عبدالله وأكبر من عبدالوهاب، ولم تختلف مهنته الأساسية عن والده وأخويه ومعظم رجالات عائلته الكريمة وهي "التنوخذ" حيث كان نوخذة سفر أيام السفر الشراعي، فكان نشاطه البحري امتداداً لنشاطهم، فقد سافر إلى شط العرب ليحمل التمور بأنواعها إلى الهند وسواحل الخليج العربي ويعود محملاً بشتى البضائع وأهمها الأخشاب والمواد الغذائية الأساسية كالسكر والأرز والشاي والتوابل.
غير أن قضاء الله وقدره شاء أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى مبكراً حيث توفي وهو في ريعان شبابه حين كان عمره 24 عاماً، وقد أصيب بمرض في حنجرته حين كان في بومباي، وتم إحضاره إلى الكويت لكنه ما إن وطأت قدمه أرض الشاطئ في "سيف" الكويت حتى فاضت روحه.
ولعل أفضل ما نعبِّر به عن شخصية النوخذة عثمان عبدالعزيز العثمان هو موقف من حياته البحرية يعبر بصدق عن الأمانة والموضوعية والدقة والإخلاص التي تحلى بها نواخذة الكويت وبحارتها بشكل عام، ونواخذة العثمان بشكل خاص.
فحينما احتاج النوخذة عثمان بن عبدالعزيز بن عثمان وهو في بندر جوادر على الجانب الفارسي من الخليج إلى عدد من العاملين ليتموا معه رحلته لم يجد إلا أناساً مطلوبين بمبالغ تخص الذين كانوا يعملون لهم. وفي مثل هذه الحالة فإن من يأخذهم للعمل معه لابد وأن يقوم بسداد المبالغ التي عليهم.
وقد قام النوخذة عثمان بهذا الدور، والحق هؤلاء بخدمة سفينته، وتعهد بأن يسدد ما عليهم من ديون، كما تعهد بإعادتهم إلى مقر سكنهم في جوادر بعد انتهاء المهمة، وذلك على الصورة التي تحددها ظروف العمل عند وصوله إلى الكويت، ولم يكتف هذا الربان الوفي بذلك، بل كتب على نفسه تعهداً بكل ذلك مذيلاً بأسماء البحارة والمبالغ التي في عهدتهم وتعهد بسدادها نيابة عنهم .
وهكذا تتضح صورة من صور العمل في البحر، حيث تتم المعاملات وفق نظام دقيق، وأمانة وإخلاص لا حد لهما.
وفيما يلي نص وثيقة التعهد التي كتبها المرحوم النوخذة عثمان بن عبدالعزيز بن عثمان على نفسه في محاضر الوكيل السياسي البريطاني في الكويت (Kuwait Political Agency)
وقد ذيلها المعتمد البريطاني في الكويت في 18/1/1922م، وكذلك من قبل نظيره في جوادر بتاريخ 1/1/1922م بعبارة (نسخة مصدقة طبق الأصل) (Certified to be a true copy)
نقل ورقة الأصل
نعم إني أنا عثمان بن الحاج عبدالعزيز بن عثمان قد أقر على نفسي بأن البحرية الذين يخصهم أهل جوادر في محملي( ) الموجود تحت صحبتي البحرية في ذمتي هم والمبلغ الذي عليهم حق أهل جوادر أسمائهم( ) في ذيل( ) وبما عليهم أنا ملتزم في وصولهم من بعد أوصل الكويت وأركبهم في المركب بمعرفة قونصل( ) الكويت إلى بريتش أجنت( ) جوادر إذا كان ما وصلتهم بعد وصولي الكويت إلى جوادر جميع الدراهم الذين يدعون هم أهل جوادر التي على البحرية ......( ) أنا ملتزم في تسليم حقهم ...... وهى المقدمات قد حضرنا في الكويت في حضرت البريتش أجنت وأهل سالفة( ) وبخصوص التجار في جوادر التي أهل سالفة البحر وغيره معينين هم من السلطان مسقط ومن قنصل مسقط وبريتش أجنت جوادر بما يحكون على القنصل.
روبية أسماء البحرية
309 حسن علي كعكي ربيه
301 سندان دوشجن ربيه
350 موسى أحمد ربيه
ــــــــــــــــــــــــ
960 جملة تسعماية وستون ربية فقط
صحيح عثمان بن الحاج عبدالعزيز عثمان من أهل الكويت

النوخذة إبراهيم عبدالرحمن العثمان
تاريخ الميلاد: 1919م.
تاريخ الوفاة: 24/12/1998م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 15 عاماً.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: البصرة والخليج وإفريقيا والهند.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الغذائية والمواد الاستهلاكية الأخرى.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- والده النوخذة عبدالرحمن إبراهيم العثمان.
نبذة عن عمله البحري:
لم يخيب النوخذة إبراهيم أمل والده فيه، فبرز واحداً من نواخذة الكويت، واحتل مكانة مرموقة بينهم، وتمكن خلال مدة قصيرة نسبياً من أن يترك لنفسه سجلاً حافلاً بالنجاح والتوفيق، غنياً بالأعمال المشرفة.
ولد النوخذة إبراهيم في منزل جده إبراهيم العثمان القريب من منزل السيد حامد النقيب في الحي القبلي من مدينة الكويت. وحين شب أرسله والده إلى الملا يوسف بن حمود، والملا محمد الهولي لتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب،وقد علمته الظروف الصعبة التي مرَّ بها في صغره على تحمل المسؤولية، ومنها إصابة والده النوخذة عبدالرحمن إبراهيم العثمان بالعمى، وله أبناء صغار هو أكبرهم....
ولما قارب سنه 16 عاماً ركب مع والده في سفينة كان والده يملك نصفها والنوخذة عبداللطيف العثمان النصف الآخر وحمولتها حوالي 2700 منٍّ. وخلال هذه الرحلات علمه والده قيادة السفن الشراعية.
وحين بلغ الثالثة والعشرين تطلع إلى قيادة سفينة شراعية بنفسه، فجعله النوخذة عبداللطيف نوخذة في سفينة له اسمها "العثماني"، وهي ذات حمولة تقدر بحوالي 2500 منٍ، وكان يتقاضى عن كل سفرة ثلاث قلايط (أسهم).
وحين شاهده خاله النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان يقود هذه السفينة قال له: "أنت اليوم نوخذة يا إبراهيم، وتحت إمرتك 25 بحاراً، وعمرك لا يتعدى 24 عاماً، توكل على الله، أنت أصغر من في البوم". وكان النوخذة عبدالوهاب يقود البوم"تيسير" آنذاك.
بدأت رحلات النوخذة إبراهيم من الكويت إلى البصرة حيث شحن التمر الزهدي ثم اتجه إلى الهند، وباع التمر في بومباي، ثم أبحر جنوباً إلى كاليكوت، حيث شحن السفينة بالأخشاب وعاد إلى الكويت. وبعد ثلاث سنوات وضعه النوخذة عبداللطيف في قيادة سفينة جديدة له اسمها "فتح الباري"، وحمولتها حوالي 2300 منٍّ، فقادها ثلاث سنوات إلى الهند بنجاح أعجب النوخذة عبداللطيف وزاد ثقته فيه.
وفي أحد الأيام شاهد النوخذة إبراهيم سفينته تلك "ناشرة"، أي مرفوع على مقدمتها ومؤخرتها الأعلام، مما يعني أنها قد بيعت، فذهب مسرعاً إلى ديوان النوخذة عبداللطيف ليتحقق من الأمر, ولما شاهده النوخذة عبداللطيف مقبلاً عرف ما في خاطره، فأشار إليه بالجلوس.
وبعد قليل قال له "بومك "فتح الباري" بعناه إلى أحد أهالي ميناء "كنج"، وقد توسط له عندنا التاجر محمد بن رشدان العازمي، فبعناه له. ولنا نظر بجعلك نوخذة في البوم العود "فتح الرحمن" فماذا تقول؟"
ضاق صدر النوخذة إبراهيم على سفينته، ووجد "فتح الرحمن" تحت قيادة النوخذة أحمد العثمان، فلم يشأ أن يتسلم قيادة هذه السفينة الضخمة (4000 منٍّ)، فاعتذر عن هذا، فلم يحاول النوخذة عبداللطيف أن يجبره على ذلك، فتركه وشأنه.
علم التاجر ثنيان الغانم بأن النوخذة إبراهيم نزل عن سفينته، فبعث له النوخذة خالد المبارك، الذي عرض عليه قيادة إحدى سفن ثنيان الغانم، فوافق النوخذة إبراهيم واستلم قيادة البوم "اليارديلة"، وهي من السفن المعروفة في الكويت وذات حمولة تقدر بحوالي 2300 منٍّ.
قاد النوخذة إبراهيم "اليارديلة" إلى شط العرب، حيث جهزهم النوخذة عبدالوهاب بن عيسى القطامي بالتمر (كان يعمل في البصرة آنذاك)، ثم خطف( ) باتجاه الهند، وحين وصل خورميان "بوربندر"، أمره التاجر عبدالعزيز الصقر * الذي كان يعمل وكيلاً لعائلته وأقاربه هناك * بإنزال التمر، واستمر النوخذة إبراهيم في رحلته جنوباً على طول الساحل الهندي الغربي حتى وصل إلى ميناء كاليكوت، ثم شحن السفينة بالأخشاب وعاد إلى الكويت منهياً رحلته الأولى على هذه السفينة بنجاح وبربح لم يكن متوقعاً.
وحين عرف التاجر ثنيان الغانم أن هذه الرحلة كانت موفقة عرض عليه أن يستمر في قيادة هذه السفينة، حتى وإن طلب نصف أرباحها، مع أن الأستاذ محمد بن عبدالله عرض على ثنيان شراء هذه السفينة لأحد النواخذة من ميناء كنج. لكن النوخذة إبراهيم أخبره أنه ملتزم في الموسم التالي مع قريبه النوخذة عبدالوهاب العثمان.
ركب النوخذة إبراهيم سفينة متوسطة الحجم للنوخذة عبدالوهاب العثمان، وقادها إلى الهند ولما وصل إلى ميناء "منقلور"، وجد التاجر محمد بن رشدان يود أن ينقل له شحنة من القرميد إلى ساحل إفريقيا الشرقي، فوافق على نقل هذه البضاعة.
لكنه تسلم رسالة من النوخذة عبدالوهاب يطلب منه فيها ألا يسافر وحده عبر المحيط الهندي بدون أن يستأجر معه رباناً من الهند لكي يساعده. ولما سمع بهذا الاقتراح التاجر محمد بن رشدان أيد طلب النوخذة عبدالوهاب هذا (ربما لأنه حريص على سلامة بضاعته).
لكن الشاب إبراهيم لم ير ضرورة للربان، وصمم على عبور المحيط وحده. ولما علم النوخذة سليمان المهيني بعزمه على هذا السفر قرر أن يسافر هو بسفينته عبر المحيط إلى إفريقيا على أن يكون مرافقاً للنوخذة إبراهيم سنيار( )، فوافق النوخذة إبراهيم على ذلك، وخرج الاثنان من ميناء منقلور في طريقهما إلى ميناء ممباسا الإفريقي.
كان المجرى من منقلور باتجاه الغرب مغيب، ثم الجوزة، ثم التير إلى الجنوب الغربي حتى وصلا إلى الساحل الصومالي الشرقي، بالقرب من مكان * إلى الشمال من مقديشو * اسمه السيف والهراب. ومن هناك اتجها جنوباً بمحاذاة الساحل في طريقهما إلى ميناء ممباسا.
وكانت رياح الأزيب الشمالية الشرقية تدفعهم بقوة فطلب المجدمي من النوخذة إبراهيم ألا يحاول دخول ميناء ممباسا ليلاً، بل اقترح عليه أن يستمر في مسيره جنوباً، ثم يعود إلى ميناء ممباسا مع مطلع النهار.
لكن النوخذة إبراهيم كان له رأي آخر. هو أن السفينة لا تتحمل الرياح والأمواج ثم العودة ثانية، فالحمل ثقيل ولابد من دخول ممباسا ليلاً. هنا سكت المجدمي قليلاً، ثم قال للنوخذة إنه في العام السابق لم يحاول النوخذة إبراهيم بن شايع دخول ممباسا ليلاً حين كان يقود البوم تيسير.
لكن النوخذة إبراهيم أصر على ذلك، ولما رآه النوخذة سليمان المهيني عازماً على الدخول قال له: "حالي من حالك".
وبعد تناول العشاء وقبل المغيب بساعة، بدأ النوخذة إبراهيم يتجه نحو خور البواخر في ممباسا (خوركالينديتي) الذي تحيط به الشعاب المرجانية (القصاصير) من كل جانب, وبدأ يقترب من المدخل بحذر، فهذه هي المرة الأولي التي يدخل فيها هذا الميناء، وكان البحارة يقيسون له الأعماق عند مدخل الخور والنوخذة سليمان المهيني يتبعه بحذر وليس بينهما سوى إشارات ضوئية حتى تم دخولهما بسلام، وأرسيا سفينتهما بعيداً عن مجرى البواخر حتى الصباح.
وبعد أن أفرغا بضاعتهما ذهبا إلى زنجبار، ثم إلى الروفيجي لشراء أعمدة الجندل، ثم أبحرا إلى الكويت، فوصلاها بسلام، بعد رحلة صعبة لكنها موفقة.
ثم التقى النوخذة إبراهيم بالخال النوخذة عبدالوهاب العثمان وشرح له كيفية دخولهما واضطرارهما ليلاً إلى ميناء ممباسا، فاندهش الخال من العزيمة والإقدام بشجاعة على دخول الميناء في هذا الوقت في الظلام الحالك.
وفي العام التالي قاد النوخذة إبراهيم سفينته إلى منقلور، لكنه لم يحصل على بضاعة (نول) فأوصاه النوخذة عبدالوهاب بشراء حمولة من القرميد على حسابه، فاشتراها وأبحر بها إلى إفريقيا، حيث باعها هناك وعاد إلى الكويت، لكنه لم يستمر بعد ذلك في قيادة السفن الشراعية، على الرغم من أنه كان يستلم خمسة قلايط (أسهم) بدلاً من الأربعة. لقد انصرف نظره عن السفر كما قال.
وكان مما يستحق الذكر هو أنه بعد نجاح مهمته وما رآه التاجر عبدالعزيز المرزوق في النوخذة إبراهيم العثمان من مهارة في القيادة، ومن أمانة ودقة في حساب السفينة، طلب منه أن يقودها في العام القادم على أساس المناصفة.
لم يستمر النوخذة إبراهيم بعيداً عن السفر، بل ركب بعد ذلك العديد من السفن، منها سفينة للتاجر عبدالعزيز المرزوق، لكنها كانت تسير بالمحرك والشراع. ثم اشترى سفينة لها محرك اسمها "الفاروق" مشاركةً مع النوخذة يوسف الجاسم المبارك، وقادها سنة واحدة إلى الهند، وخسروا تلك السفينة عندما انكسرت إلى شطرين بسبب ارتطامها على سواحل اليمن.
لكن التحولات الاقتصادية والظروف الاجتماعية في الكويت في أواخر الخمسينيات دفعت النوخذة إبراهيم لترك حياة البحر والسفر بعد أن أمضى فيهما كل سنوات شبابه حتى سنة 1956م.
وهي سنوات شباب المسؤولية والرجولة وتحمل الصعاب ومشقة جفاف الحياة التي أعقبتها مباشرة حياة جديدة بتياراتها الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع الكويتي في فترة الخمسينيات، وتتطلبت تأقلم ورضا بما هو جديد ... وجاء وقت مراعاة الأسرة والأبناء والإخوان.
ومن ذرية المرحوم النوخذة ابراهيم العثمان أبناؤه البارين جاسم ومحمد وبدر وسامي وعادل ونجيب، وله منهم أحفاد يحملون في ذاكرتهم بعض القصص والنصائح لحياة أفضل كان يرددها المرحوم النوخذة إبراهيم العثمان بصفة دائمة ومنها قوله:
"ماكو مثل أهل الكويت ونواخذتها وبحارتها من ناحية الأمانة والصدق، ولا أمدحهم إلا لأنهم يستاهلون المدح. والبحارة أولاد حلال وأوادم وإحنا نحرص على حلالنا وحلال غيرنا، والبحر يعنّ علي، وأنا دائماً أتذكر البحر ورجاله وأهله والبحر كله خير وبركة، وكنا دائماً موفقين والحمد لله على كل حال".

النوخذة أحمد عبداللطيف سليمان العثمان
تاريخ الميلاد: 1923م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 5 أعوام.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: البصرة والخليج والهند واليمن وإفريقيا.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الغذائية والمواد الاستهلاكية المختلفة.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان.
- النوخذة يوسف محمد سليمان العثمان.
أبرز النواخذة الذين تدربوا على يده:
- النوخذة داود عبداللطيف العثمان.
نبذة عن عمله البحري:
هو ابن النوخذة الكبير عبداللطيف العثمان الذي درب العديد من أقاربه من آل العثمان على قيادة السفن الشراعية. لم يتردد النوخذة أحمد في قبول دوره كنوخذة أسوة بأقاربه من قبل، فركب أول الأمر مع النوخذة والقبطان عبدالوهاب العثمان ليتعلم عنه أصول الملاحة وقيادة السفن الشراعية.
وبعد سنوات ركب كذلك مع النوخذة يوسف محمد العثمان، حتى استطاع أن يتقن أساليب التنوخذ فركب في سفينة والده "فتح الرحمن"، وهي سفينة كبيرة الحجم (حمولة 4000 منِّ)، أجاد صنعها الأستاذ المعروف حسين بن منصور، وكان ذلك في عام 1936م. ولاشك أن هذه السفينة كان لها دور في ذلك الوقت حيث كان السفر الشراعي ما زال مزدهراً آنذاك.
ولقد ركب معه أخوه داود عدة سنوات يتعلم منه، حتى استلم قيادة سفينة لوالده عدة سنوات قبل توقف النقل الشراعي الكويتي. أستمر النوخذة أحمد العثمان في قيادة السفن الشراعية تحت إمرة والده عبداللطيف الذي توقف عن قيادة السفن وأصبح مدير تجارة العائلة في الكويت والهند.
وكانت أغلب رحلاته إلى الهند ولما أطل عام 1948م، وبدأت إمارات اضمحلال السفر الشراعي الكويتي، ترك النوخذة أحمد ركوب وقيادة السفن، وبقي في الكويت بالقرب من والده، ثم عمل في وظيفة حكومية قبل أن يصبح مختاراً لضاحية عبدالله السالم السكنية.
وفي لقاء له مع الكاتب عبّر النوخذة أحمد عما يشعر به * بكل صراحة * فالبحر مازال يعنّ له * ولكن أين البحارة من أهل الكويت ؟! وأين الرجال الذين رافقهم في رحلاته.. ؟ هؤلاء الرجال الذين أخلصوا في عملهم وصدقت عزيمتهم.. ؟
لقد أخذها هؤلاء الرجال "شطارة وبالممارسة" * كما يقول النوخذة أحمد العثمان * وكانوا يقولون: "اندب رجال ولا تندب دراهم" حين يتعرضون للمتاعب. أما اليوم فالناس تقول عكس ذلك: "لقد ذهب زمانهم، ولكل زمان دولة ورجال، فكيف أركب البحر ثانية؟".

النوخذة عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان
تاريخ الميلاد: 1923م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 15عاماً.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: البصرة والخليج وإفريقيا والهند.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الاستهلاكية والمواد الغذائية والذهب.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة عبدالله عبدالعزيز العثمان.
- النوخذة عيسى بشارة.
نبذة عن عمله البحري:
ولد النوخذة عيسى العثمان وليس أمامه من طريق سوى أن يركب البحر ويصبح نوخذاً كما فعل والده وأقاربه من قبل، فحين بلغ الرابعة عشرة من عمره، ركب مع والده لتعلم أساليب قيادة السفن الشراعية، وكان ذلك عام 1937م.
وكان يركب معهم في بعض هذه الرحلات النوخذة عيسى بشارة ليحدد مواقع السفينة في عرض البحر، وكانت هذه فرصة للشاب عيسى العثمان للتعلم من هذا النوخذة المعلم، مما كان له أكبر الأثر في قدرات النوخذة عيسى العثمان حين تسلم قيادة السفن الشراعية.
وحين ترك والده عبدالله قيادة السفن (1941م)، تولى النوخذة عيسى قيادة سفينة والده إلى معظم موانئ الهند وساحل إفريقيا الشرقي، حتى إنه لم يترك ميناءً إلا أبحر إليه. وكان يبحر أحياناً من الهند إلى ساحل إفريقيا مباشرة معتمداً على قدرته الملاحية وعلمه بأساليب "القياس".
ليس من السهل ذكر جميع رحلات النوخذة عيسى العثمان، والحوادث التي تعرض لها، ومن يستعرض معه دفتر يومياته في البحر (الروزمانة) يدرك بوضوح العزيمة القوية التي كان يتحلى بها النوخذة عيسى وغيره من نواخذة الكويت الشباب من جيله، وحبهم للمغامرة وحسن التصرف عند الشدائد.
وحين توقف السفر الشراعي الكويتي لزم النوخذة عيسى العثمان تجارته في الكويت، يديرها بكفاءة حتى اليوم.
ويتحدث النوخذة عيسى عبدالله العثمان عن بداياته وعمله البحري للأستاذ يوسف الشهاب والذي وثق بدوره هذا الحديث في كتابه "رجال في تاريخ الكويت" الجزء الثالث * الكويت 2000م. وننقل فيما يلي طرفاً من هذا الحديث:
كانت أول "طرشة"( ) إلى البصرة وأخذنا منها تموراً، ثم ذهبنا إلى كراتشي حيث أفرغنا جزءاً منه ثم غادرنا الميناء إلى * بور بندر * ثم إلى بومباي، وفيها أفرغنا بقية ما كان معنا من التمور، وحملنا بدلاً منه ملحاً، وذهبنا به إلى "كلكتا" وبراوا، التي تبعد عن بومباي 270 ميلاً إلى الشمال.. بعدها كما يقول * النوخذة عيسى العثمان * عدنا مرة أخرى إلى بومباي، وقمنا بشحن السفينة بالملح وأبحرنا إلى "كلكتا"، وأفرغنا جزءاً منه ثم توجهنا إلى البصرة ومعنا أخشاب وصبار وحبال.
وأذكر أن أول رحلة استغرقت نحو ثمانية أشهر ونصف، ولم نعد فيها إلى الكويت، بل قضيناها بالبحر بين الموانئ التي توقفنا فيها، لتفريغ أو شحن البضائع.
ثم سافرت بعدها بالموسم التالي للسفر وحينها كان عمري 19 عاماً وشعرت أن الوالد لم يكن قادراً على دخول البحر مرة أخرى، خاصة بعد المرض الذي تعرض له، فاقترحت عليه * والحديث لا يزال لأبي فيصل * الإخلاد إلى الراحة، على أن أقوم بدلاً منه للذهاب إلى البحر في سفينته وكان عليها أيضاً أحمد السبيعي، الذي تعلمت منه في هذه "الطرشة" جوانب أخرى عن البحر والطرق التي ترتادها السفينة واستعمال الخرائط وغيرها.
ولم يكن هناك اتفاق مسبق.. كل ما في الأمر أن البحار، كان يأخذ سلفة من صاحب السفينة لتكون لدى أسرته خلال غيابه، والسفينة كما يقول "عيسى العثمان" كانت حصيلة رحلتها توزع على الجمـيع، فإن كانـت الحصيلة 20 ألف روبية يتم خصم مصاريف وجبات الأكل منها، ثم يرصد النصف من المبلغ المتبقي للسفينة والنصف الآخر يوزع على البحارة. أضف إلى ذلك المبلغ الذي يتقاضاه "السكوني" مع "الطباخ".
وعلى العموم * يقول أبو فيصل * كان البحار يحصل خلال رحلة السفر على نحو 70 إلى 80 روبية في الرحلة الواحدة، ويضيف قائلاً: "وكان عدد البحارة فوق السفينة 25 بحاراً، وكانت تحمل 25 طناً من البضائع، وكان عمري بين 18و19 سنة وكنت متزوجاً. وللعلم كنت نوخذة في عام 1941م".
ويتابع الحديث: "قلت لك كنت شغوفاً ومولعاً بركوب البحر، ولهذا فإنني حين تسلمت قيادة السفينة بعد الوالد لم أشعر بالرهبة، وأذكر أنني في تلك الرحلة توجهت من الكويت إلى البصرة وشحنت السفينة بالتمور ثم غادرتها إلى بومباي، وتم تفريغه هناك، وعدت محملاً بالذهب من بومباي وكراتشي وكلكتا، وكنا نشتريه من هذه المناطق بمبلغ 8 أو 9 روبيات لكل جنيه ذهب، ونعود به للكويت ونبيعه بمبلغ 13 أو 14 روبية".
ويستمر الرجل بالحديث قائلاً: "في بداية استلامي السفينة بعد الوالد، طلب مني الوالد وكذلك العم، ضرورة السفر مرتين في تلك السنة نتيجة حركة السوق التجاري في ذلك العام، وبالفعل * يقول أبو فيصل * نفذت ما كان مطلوباً مني، فقـد ذهبـت إلى "كلكتا" وعدت منها بالبضائع إلى البصرة، ثم شحنت منها التمور، وغادرتها إلى بومباي، وبعد تفريغه فيها، شحنت أقمشة وحبالاً إلى البصرة".
ويستأنف النوخذة عيسى العثمان قائلاً: "لم يكن البحر خالياً من القراصنة، وعلى العموم اسمع هذه الحكاية التي عشتها مع قراصنة البحر"، ويتابع الحديث: "بعد فترة تفكير في أول سنة كنت فيها "نوخذة" * وكنت حينها في بومباي * سمعت أن قرصاناً مع جماعة له يقومون باعتراض السفن التجارية وهي في البحر ويسرقون ما فيها من بضائع ونقود بقوة السلاح في مضيق هرمز.
وحين غادرت بومباي مع من كان معي بالسفينة ووصلنا إلى قبالة "خورفكان" رأينا سفينة ترفع إشارة استغاثة * وهي تقترب * وشعرت أن الأمر غير طبيعي، بل إنني أيقنت أن هذه السفينة تحمل "قراصنة البحر" * الذين سمعت عنهم في بومباي * فقلنا لهم "ابعدوا عنا" فلم يستجيبوا، وكررنا التحذير لهم بالابتعاد ثانياً وثالثاً، فلم يستجيبوا، فلم نجد سوى تبادل إطلاق النار معهم، وراح كل جانب يطلق النار على الآخر من سفينته، وبقينا على هذا الحال من الظهر إلى العشاء، حتى هربوا في سفينتهم، ولم يصب أحدنا بسوء * ولله الحمد".
وبالمناسبة * كما يقول النوخذة عيسى العثمان * ظل القراصنة يعترضون سير السفن التجارية في البحر مدة طويلة، ولم تستطع واحدة من السفن التجارية القضاء عليهم، وفي النهاية استطاعت سفينة إنجليزية أن تقضي عليهم وتؤمن الطريق للسفن في البحر.

النوخذة سليمان غانم علي العثمان
تاريخ الميلاد: 1926م
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: شط العرب والخليج والهند.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الاستهلاكية الأخرى.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- والده المرحوم النوخذة غانم علي العثمان.
- ابن عمه المرحوم النوخذة علي سليمان العثمان.
- النوخذة إبراهيم إسماعيل (سنة واحدة).
نبذة عن عمله البحري:
يتحدث لنا النوخذة سليمان غانم العثمان عن حياته في البحر منذ صغره، فلنستمع إليه:
ولد النوخذة سليمان العثمان في منطقة القبلة، وتلقى علومه الابتدائية على يد الشيخ أحمد الخيمس * رحمه الله * وبعدها انتقل إلى مدرسة الملا مرشد محمد السليمان بالمرقاب حيث تلقى عنه علوم الفقه والحساب.
وبعد أن تعلم الحساب اصطحبه والده غانم رحمه الله في بومه الكبير "الباز"، حيث علمه علوم البحر، إلى أن عهد إليه بالبداية بمهمة السكوني، وكان يرغب حينئذٍ أن يتسلم قيادة البوم "نوخذة"، ولكن لصغر سنه رأى والده * رحمه الله * ألا يستعجل في إسناد المسئولية إليه، وكان يقول له "لا تستعجل يا سليمان، أنت لاحق على شقاء البحر وتحمل المسؤولية الكبيرة".
وفعلاً تحقق حلم النوخذة سليمان وطموحه وسلمه والده نصف المسؤولية وأصبح مساعداً لوالده (نوخذة شراع) وبعد سنة واحدة تسلم قيادة البوم "الباز"، واستمر النوخذة سليمان بقيادة البوم الباز متنقلاً من ميناء البصرة، محملاً التمور والخيول العربية الأصيلة إلى الهند، وراجعاً بالأخشاب والحبال وجميع ما تحتاجه صناعة السفن بالكويت.
وقد تعلم على يد والده النوخذة غانم علي العثمان، ورافق عمه النوخذة علي سليمان العثمان في بوم "فتح الباري" الذي أوشره (بناه) والده غانم إلى ابنه سليمان، حيث ركب معه وتعلم منه أصول مهنة التنوخذ، وكذلك فقد تدرب لمدة سنة واحدة على يد النوخذة إبراهيم الإسماعيل في بوم "الباز"، الذي أوكله بقيادته النوخذة غانم العثمان بعد أن كف بصره.
ولم تتوقف رحلاته إلى الهند، بل في إحدى رحلاته لبيع التمر قابله الحاج المرحوم محمد عبدالمحسن الخرافي، وأخبره بأنه حصل على كتاب من والدي ووالده يرغبون في السفر إلى(منجلور - Minglor) وشجعني الحاج المرحوم محمد عبدالمحسن الخرافي بأن يرافقني النوخذه المرحوم أحمد فهد الموسى (سنيار)، وهنا تشجعت ووافقت على السفر، واتفقت مع النوخذة المرحوم أحمد فهد الموسى على السفر، وسافرنا معاً إلى(منجلور - Minglor).
وبعد وصولنا إلى هناك وجدنا النوخذة المرحوم مفلح صالح الفلاح في بوم الحمد، وركبت عنده وطلبت من المرحوم النوخذة أبو صالح أن لا يتعجل بالحمال كي نعبر إلى ممباسه نحن الثلاثة معاً، فرحب المرحوم أبو صالح بالفكرة.
وفي 12 يناير بما يعادل 162 نيروز ترخصنا ورفعنا أشرعتنا الساعة الرابعة فجراً، وفي الصباح كنا مقابل جزيرة الفواتي.
ويستأنف النوخذة سليمان غانم العثمان قائلاً:
الهواء كان "برَّاوي" وعبرنا وكنا نجري تحت نجم المغيب والخشب معنا، واستمرت عبرتنا ثلاثة عشر يوم في الغبة، ولم نجد ما يعكر مسيرنا، وفي يوم 29 يناير الساعة الثانية في النهار شفنى (أي رأينا) البر وفي النهار التالي إعدال (أي مقابل) أضلا على بر الصومال والهواء أزيب. وفي يوم 31 يناير على الخط الاستواء والهواء أزيب وسنيارنا (رأي مرافقينا) معنا.
وفي 3 فبراير من الساعة 5 عصراً طرحنا( ) في بندر ممباسه، معنا بوم الصقر نوخذة محمد بن راشد، وبوم أحمد الفهد، وبوم مفلح صالح الفلاح، وفي يوم 5 من الشهر تم بيع الكبريل (القرميد)، ويوم 8 الشهر درنا الخشب إلي (إمبراكي).
وهنا يسترسل النوخذة سليمان غانم العثمان في الحديث قائلا:
في يوم 9 من الشهر (أي فبراير) استلمت برقية من المرحوم الوالد يطلب فيها مني شراء الفحم، حيث أن سعره في الكويت آنذاك كان عزيزاً، فتوجهت إلى تجار الفحم وهم كانوا من الجالية الهندية المقيمة في (ممباسه)، واتفقت أن أسافر مع التاجر إلى(نيروبي) لكي يكون وسيط في شراء الفحم، حيث أن الفحم متوفر في غابات (نيروبي)، واستقلينا القطار أنا والتاجر والساعة تقارب العاشرة مساءاً.
وفي الصباح التالي وصلنا إلى (نيروبي)، واتجهنا إلى مكتب حاكم الدولة والذي كان يحمل الجنسية البريطانية، وكان يتحدث اللغة العربية في طلاقة الذي كان يطلق عليه في السواحليه "الريزه"، واتفقنا معه على الذهاب لرؤية الفحم، وتم الاتفاق مع الحاكم والوسيط وأتممنا الصفقة، وتم شحن الفحم إلى (ميناء ممباسه)، وبعد مرور ثلاثة أيام بدأ وصول الفحم (ممباسه) وبعد أن دار الهواء (السهيلى) سافرنا إلى الكويت بحفظ الله ورعايته.
وفي السنة الثانية بعنا بوم (الباز) على المرحوم العم (عبدالوهاب بن عبدالعزيز بن قطامي)، تم شرائه من أجل ابنة النوخذة صقر بن عبدالوهاب بن قطامي.
وهنا تحرك سعر الذهب في الهند فأتت فكرة لعبدالله أخي بعد أن أسس شركة هو والمرحوم عبداللطيف فهد الفوزان للعمل في أسواق الذهب من الكويت إلى الهند فأشار أخي عبدالله على والدي المرحوم النوخذة غانم العثمان بأن تشتري بوم ذات محركات أو إنشاء بوم جديد، وأن يكون نوخذاه أخي النوخذة سليمان، فلم يتردد الوالد في عمل بوم جديد بمحركات، فأرسل على الأستاذ المرحوم الحاج عبدالرسول وبدأ في وشاره (أي بنائه)، وكان ذلك في موسم 1948م إلى 1949م.
وبعد أن أنهى وشار البوم أطلقنا عليه اسم فوزي تيمنا باسم فوزي محمد الخرافي، حفيد صديق والدي العزيز المرحوم الحاج عبدالمحسن الناصر الخرافي، فباشر النوخذة سليمان العثمان بقيادته متنقلاً به من الكويت والدمن، التي هي مستعمرة برتغالية تقع في سالفي (أي جنوب) (بومبي)، واستمرينا بالعمل ثلاث مواسم في نفس الطريق مع الأخ عبدالله العثمان والمرحوم عبداللطيف الفوزان.
وفي الموسم الرابع طلب المرحوم حمود بن نصف من والدي أن يكون النوخذة سليمان العثمان على حسابه، وفي ذلك الوقت كان الحاج المرحوم عبدالمحسن الخرافي صديق والدي العزيز موجود فبارك الفكرة ووافق والدي وقال: "توكل على الله يا سليمان يستاهل المرحوم حمود بن نصف"، وكان اتفاقهم إنزال الذهب في جزر (قوه)، وكان ذلك لسنة واحدة بعد ذلك، وتم بيع البوم "فوزي" إلى أهل (تنكسير)، ومنها اتجهنا إلى المدينة تاركين وراءنا تجارة البحر والسفر.
ويروي النوخذة سليمان بعض ذكرياته فيقول:
"كنت في أحدى سفراتي مع والدي * رحمه الله * في بومنا "الباز" محملين تموراً إلى عدن، وكان وقت ظهور نجم الأحيمر، وعند مرورنا بجزيرة الشيخ في بر فارس هبت عليه رياح شديدة عاتية وأمطار غزيرة.
وبالنسبة لحساب أهل البحر نسميه 93 "يعني 103 نوروز" فانكسر علينا الدقل العود (أي الصاري الكبير) وتمزق الشراع وبعد أن هدأت العاصفة التي استمرت حتى صباح اليوم التالي فحصنا البوم ووضعنا الدقل الصغير "القلمي" مكان الدقل الكبير، وواصلنا مسيرتنا إلى أقرب بندر (ميناء) لنا، ووصلنا مسقط ورتبنا أمورنا واستراح البحرية، واشترينا دقلاً كبيراً من هناك بدل الدقل الذي فقدناه، وخيطنا الشراع. وبعد أسبوع واصلنا سفرنا إلى عدن".
ويستطرد النوخذة سليمان قائلاً: "لو أروي لك الأحداث والمصائب التي حلت بنا أثناء سفراتنا في السفن الشراعية من وإلى الهند واليمن والصومال وإفريقيا، لِما اتسع لها مجلداً بأكمله".
ويواصل حديثه ويقول مبتسماً: "دعني أروي لك جزءاً من حلاوة أيام البحر وهي التلاحم والغيرة والمحبة التي مع الأسف نفتقدها في هذا الزمن، كان عندما يفقد أحدهم في ذلك الزمن سفينته "تطبع بالبحر" (أي تغرق) يهب جميع أهل البحر لمساعدته، ومن تلك المساعدة يحصل ما يكفي لصناعة سفينتين بدل الواحدة التي فقدها.
وإذا صنع أحدهم سفينة وانتهى من صناعتها وحدد يوم إنزالها بالبحر هبوا جميعاً (أهل الشرق وأهل القبلة) للمساعدة في إنزالها إلى البحر حتى الشيخ أحمد الجابر * رحمه الله * كان يحضر أحياناً لمشاركتهم.
هذه نبذة عن حياة البحر التي عشناها، فرحم الله رجال البحر من أبناء الكويت الأوفياء".
النوخذة داود عبداللطيف العثمان
تاريخ الميلاد: 1929م.
تاريخ الوفاة: 19/1/1998م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 4 أعوام.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: البصرة وشط العرب والخليج واليمن والهند.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الغذائية والذهب.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة أحمد عبداللطيف سليمان العثمان.
نبذة عن عمله البحري:
سافر في البداية مع شقيقه الأكبر النوخذة أحمد عبداللطيف سليمان العثمان، فتعلم منه أصول صناعة ركوب البحر وتفاصيلها، حتى أصبح نوخذة مستقلاً بنفسه، فركب وركب معه ذات مرة النوخذة أحمد صالح السبيعي، رغم كونه أقدم منه وأكبر سناً وأكثر خبرة، إلا أن عدم عدم وجود سفينة يسافر فيها النوخذة أحمد السبيعي، وحبه للرزق الحلال مهما كان موقعه، جعلاه يركب كنوخذا شراع (مساعد نوخذة) في حين أن النوخذة داوود ركب كنوخذا شراع مع النوخذة القدير صالح المهيني.
درَّب قريبه خالد عبدالرحمن العثمان، ولكن الوقت لم يسعف خالد للتعلم، حيث انتهى سفر الشراع.
كان * رحمه الله * مثالاً يحتذى في الصبر والتصميم وعدم الدخول في أي خلافات من شأنها التأثير على سفره ونجاح مهمته، بل إن ذلك زاده حكمة وذكراً طيباً عندما عمل * بعد تركه العمل في البحر * في بلدية الكويت، فساعد الجميع وسهل الأمور للناس بدرجة لا توصف.
ولا يزال من ساعدهم يدعون له بالخير إلى الآن لما سهل لهم من شؤون معيشتهم وتجارتهم.
كما كان – رحمه الله – غاية في التواضع وإنكار الذات، وقد رفض الكتابة عنه أثناء حياته، وهذا ما أمكننا الحصول عليه من معلومات عنه بعد وفاته.
النوخذة الشاب غانم عبدالله غانم العثمان
كما سبق أن أشرنا في موضع متقدم من هذا الكتاب إلى أن الناظر المتأمل في أسماء نواخذة السفر الشراعي في تاريخ الكويت يلحظ كثرة عدد النواخذة وخاصة من عائلة العثمان، والذين يفوق عددهم الخمسة عشر نوخذة، وقد برز منهم النوخذة غانم علي العثمان.
كما توارثوا هذه المهنة أباً عن جد، فكان عددهم بذلك أكبر عدد من النواخذة الذين ظهروا في عائلة واحدة، ولم يكن صعباً علىَّ أن أجد ملكة التنوخذ وقيادة السفن الشراعية فطرية ومكتسبة في آن واحد.
فقد جُبل عليها هؤلاء النواخذة وتعلموها من بعضهم، وها هو حفيدهم النوخذة الشاب غانم عبدالله غانم علي العثمان حفيد النوخذة غانم علي العثمان يتجه إلى البحر ليمخر عبابه ويعبر محيطاته فيمارس التنوخذ في يومنا هذا هوايةً لا مهنةً، عبر المحيطات والبحار في جولة حول العالم في يخته الُمسمَّى (عثماني) وبمفرده في رحلة شيقة تحفّها المخاطر بحفظ الله تعالى ورعايته، ولم يرافقه فيها أحد سوى ميكانيكي اليخت.
وسنفرد تفصيلاً في ملحق هذا الكتاب عن سيرة النوخذة الشاب غانم عبدالله العثمان ورحلتيه الأولى من بحر الصين إلى الكويت والثانية حول العالم.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-08-2010, 12:04 PM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

.. وتستمر مدرسة العثمان البحرية

أبرزنا فيما مضى من هذا الكتاب التعلم الذاتي لأجيال العائلة الواحدة لمهنة التنوخذ في الكويت بشكل عام، وفيما بين أجيال عائلة العثمان الكريمة بشكل خاص، وأوضحنا الاستعداد المتبادل للتعليم من قبل الجيل السابق والتعلم من قبل الجيل اللاحق لأساسيات مهنة ركوب البحر، فتوارثوها أباً عن جد، وتناقلوها أخاً عن أخ.
وبذلك نستطيع أن نعتبر هذه العملية التعليمية مدرسة بحرية متصلة الفصول، ففيها المبتدئ وفيها المتقدم بل المتقاعد، وهي في ذلك أشبه ما تكون بخط الإنتاج الذي يتصل أوله بآخره، فقد كان الجيل اللاحق يركب البحر متعلماً من الجيل الذي سبقه، ثم يستقل بنفسه.
وهكذا كانت بعض العائلات الكويتية بمثابة مدارس تعليمية تورث أبنائها حرفة "التنوخذ" جيلاً بعد جيل.
وها هي مدرسة العثمان البحرية قد خرجت أجيالاً متتابعة، وها هي كذلك تستعد لتخريج كوكبة كانت على وشك التخرج من حيث العمل في مهنة التنوخذ، ولكن الزمن لم يسعفها حيث انقطع السفر الشراعي في الكويت بانتهاء الحرب العالمية الثانية وتفرغ البواخر للنقل التجاري بعد أن كانت محجوزة للنقل العسكري فقط.
ولولا هذا التوقف لبلغ مرحلة التنوخذ ثلاثة آخرون كانوا قد تأهلوا للمهنة من خلال ركوبهم البحر لعدة سنوات مع سابقيهم من نواخذة العثمان وغيرهم.
لذا نتطرق إليهم بالتعريف * فيما يلي * إبرازاً لدورهم الذي توقف لأسباب قسرية لا اختيار لهم فيها, ولقد كانوا كذلك من أعمدة المكتب التجاري لعائلة العثمان.

السيد عبدالرزاق محمد سليمان العثمان
تاريخ الميلاد: 1926م.
تاريخ الوفاة: 1985م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: 5 أعوام.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: الهند واليمن والخليج والبصرة.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الغذائية والاستهلاكية.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة يوسف محمد العثمان.
نبذة عن عمله البحري :
ركب البحر كثيراً وبلغ درجة من المهارة والإتقان في صناعة ركوب البحر, جعلته "نوخذا شراع" أي مساعد نوخذة، وكان يقوم بكل الأمّاريات التي يقوم بها النوخذة وتوجيه المجدمي. وبالتالي كان يتم من خلاله توجيه بقية البحارة لإدارة شؤون السفر على ظهر السفينة وعلى البنادر التي ترسو بها وكذلك جميع المعاملات التي تحتاجها السفينة، ولم يعد له من التنوخذ سوى توجيه السكوني (قائد الدفة) لتحديد مجرى السفينة واتجاهها،الأمر الذي كان يقوم به النوخذة ناصر محمد, وقد تميز باستعانته بأهل الكويت في تكوين "يزوته" أي بحارته، ولم يكن بالضرورة هو الحال مع كثير من النواخذة الكويتيين الذين يضطرون أحياناً كثيرة على الاستعانة ببحارة خليجيين أو مهرة.
ركب متدرباً مع أخيه النوخذة يوسف محمد العثمان في البوم "موافج" ثم في بوم آخر اسمه "تيسير" تيمناً باسم بوم العثمان الكبير المسمى "تيسير" بعد أن تم بيعه، وقد نقل كثيراً من البضائع من الكويت وشط العرب إلى الهند قاصداً خاله صالح العلي الحمود الشايع، الذي كان مستقراً هناك لإدارة الشؤون التجارية لعائلته.
وقد عمل في وزارة الصحة العامة قبل تقاعده ووفاته.
السيد عثمان عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان
تاريخ الميلاد: 1927م.
تاريخ الوفاة: 11/1/2001م.
عدد سنوات العمل في مجال التنوخذ: ستة أعوام.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: البصرة وشط العرب، والخليج واليمن والهند وإفريقيا.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الغذائية والاستهلاكية.
أبرز النواخذة الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة أحمد عبداللطيف العثمان.
- النوخذة أحمد صالح السبيعي.
نبذة عن عمله البحري:
هو الابن الأكبر للنوخذة عبدالوهاب بن عبدالعزيز بن عثمان، وقد عمل بالتجارة وركب البحر متدرباً على التنوخذ، ولكن توقف السفر الشراعي حال دون ممارسته هذه المهنة. له أعمال طيبة في المجال الخيري تتضح من التأبين التالي:
الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية
ترثي عثمان عبدالوهاب العثمان
وقد أصدرت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بياناً ترثي فيه السيد عثمان عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان * رحمه الله * جاء فيه:
"فقدت الكويت في شوال 1421هـ (يناير 2001م) عثمان عبدالوهاب العثمان، وكان من رجالات الكويت الأخيار الذين كان لهم دور مشهود في إعمار المساجد بناءً وتعبداً.
وكان * يرحمه الله * من جلساء العلامة المرحوم * بإذن الله * الشيخ محمد سليمان الجراح في مسجد السهول بمنطقة ضاحية عبدالله السالم.
كان * يرحمه الله * يمتاز بالأخلاق الفاضلة العالية والتواضع الجم مع الناس، والمساهمة في المشاريع الخيرية والسعي في بذل الخير وتلمُّس احتياجات الفقراء والمعوزين والغارمين.
وكان من عمار المساجد، لا يترك فرضاً ولا يقرب حراماً ولا يذكر أحداً بسوء، فإذا جالسه أحد أحس بالطمأنينة والسلام، وإذا سأله أحد وجد عنده من الأخبار والمعلومات المفيدة ما يسعده ويحوز إعجابه.
وكان * رحمه الله * امتدادا لوالده النوخذة عبدالوهاب العثمان، طيب الله ثراه فتعلم منه ونهل من أخلاقه وسجاياه، وربى أولاده أحسن تربية، فهم اليوم نماذج خيرة تمتاز بالأخلاق والتواضع والتواصل مع الناس، مثلما كان جدهم ووالدهم وأسرتهم الكريمة.
كان عثمان عبدالوهاب يمثل أخلاق رجالات الكويت القدامى، حاملاً روح الأسرة الواحدة، وكان قلبه يمتلئ حسرة حين يتحدث عن الكويت القديمة وأهلها ولا يرى امتداداً لأخلاقهم الكريمة وصفاتهم الطيبة.
ولله در عثمان العثمان العابد الزاهد الذي داهمه المرض فلم يجزع من قضاء الله وقدره، بل كان على الدوام صابراً محتبساً، إذ لم يكد يتماثل للشفاء حتى عاد يجر الخطى كل يوم ليؤدي الصلوات في المسجد حتى وفاته.
لقد كان أبو خالد، باراً بأهله ووطنه وعقيدته، وكان مثالاً يحتذى في الخلق والصلاح والتقوى.
والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية إذ تنعي عثمان عبدالوهاب العثمان لتضرع للمولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ..
والعزاء والسلوى إلى جميع أهله ومحبيه، وأن يجزيه الله تبارك وتعالى عما فعل وقدم
خير الجزاء".
وقد بنى – رحمه الله – مسجداً في السودان وآخر في بنجلاديش، وهو في ذلك ينتقي الأماكن التي يُعمِّر فيها بيوت الله تعالى، بحيث يعتمد في اختيارها على الأولوية في الحاجة، فأختار المناطق الفقيرة في البلاد البعيدة، لكي يكون إنفاقه في المكان المناسب.

السيد عبدالله محمد العثمان
تاريخ الميلاد:1929م.
عدد سنوات العمل في مجال ركوب البحر: أربعة أعوام.
أهم السواحل التي وصلها في رحلاته: الهند والخليج والبصرة وشط العرب.
أهم البضائع التي كان يتاجر بها: الأخشاب والتمور والمواد الغذائية والاستهلاكية والذهب.
أبرز النواخذه الذين تدرب على أيديهم:
- النوخذة عبدالحميد العبدالجادر.
- النوخذة يعقوب خلف اليتامى.
- النوخذة حسن علي الشطي.
- النوخذة إبراهيم عبدالرحمن العثمان.
نبذة عن عمله البحري:
ركب البحر من عام 1946 إلى 1949م، وبلغ من التدريب البحري ما جعله مؤهلاً لأن يكون نوخذا شراع (أي مساعد نوخذة)، وكان يقوم بجميع المعاملات البحرية والتجارية للسفينة في البحر والموانئ، غير أن السفر الشراعي قد توقف بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وتفرغت السفن التجارية لعملها الأصلي، وهو نقل البضائع التجارية، بعد أن كانت موقوفة للإستخدامات العسكرية لصالح الإنجليز.
وقد ركب البحر مع النوخذة يعقوب خلف اليتامى، فأمره أخوه الأكبر يوسف محمد سليمان العثمان بأن يأخذ ألفين "تولة" من الذهب من الكويت إلى الهند، لحساب كل من التاجر عبدالعزيز حمد الصقر, وعائلة الحمد، وقد نجح في إيصالها إلى الهند حسب الخطة المحددة له.
وبعد إنتهاء السفر الشراعي عمل في عمارة بيع الأخشاب ومواد البناء الخاصة به وبأخوانه يوسف وعبدالرزاق، وذلك في الفترة من عام 1950م إلى عام 1955م حيث التحق بالعمل في وزارة الكهرباء والماء في ذلك العام.










المكتب التجاري

العمل التجاري نشا ط تكاملي، فيه دورة تجارية معروفة لابد من اكتمال حلقاتها لكي يكون النجاح حليفها، فالعاملون في عرض البحر لابد لهم من سند تجاري يُنسق لهم تجارتهم، فيحسب ما لهم وما عليهم، ويقبض ويصرف.
وما كانت عائلة العثمان لتبلغ هذا الشأن في التاريخ البحري والتجاري في الكويت، لأكثر من قرن من الزمان، لولا تنظيم حساباتها التجارية، التي قام بها مكتب العائلة التجاري، الذي كان يديره المرحوم الحاج سليمان عبداللطيف العثمان( )، المسؤول الأول عن جميع إيرادات السفن واحتياجاتها ومصروفاتها، وكذلك جميع الأعمال التجارية داخل الكويت وخارجها من أخشاب وتمور وبضائع مختلفة.
إن دقة عمل المرحوم الحاج سليمان عبداللطيف العثمان كانت من الأسباب الرئيسة لنجاح الأعمال البحرية والتجارية لعائلة العثمان. وكان يساعده في ذلك أخوه صالح عبداللطيف العثمان وخاصة في ترجمة بعض البرقيات المكتوبة باللغة الإنجليزية.
ومن بعد المرحوم سليمان العثمان باشر أخوه المرحوم صالح عبداللطيف سليمان العثمان( ) إدارة المكتب التجاري.
ومن الجدير بالذكر أن المكتب التجاري كان يقع في ديوان عبدالعزيز بن عثمان على البحر مقابل النقعة، وبعد القسمة بين أفراد العائلة استمر سليمان عبداللطيف العثمان بإدارة المكتب.
وبعد وفاة عبدالعزيز بن عثمان انتقل الديوان - بالإضافة إلى المكتب - إلى ديوان عبدالوهاب العثمان في داخل الفريج. وتدريجياً تم فصل الأعمال التجارية بين أفراد العائلة، إلى أن انتقل المكتب إلى قرب سوق المناخ، حيث افتتح كثير من التجار مكاتبهم هناك.
وبعد هذا الفصل قام النوخذة عيسى عبدالله العثمان ابن شقيق المرحوم عبدالوهاب العثمان وزوج ابنته بإدارة المكتب، ثم من بعده قام المرحوم عثمان عبدالوهاب العثمان( ) بإدارة المكتب التجاري بمساعدة والده، وقد سافر عدة مرات بالبوم إلى الهند وعدن مع خاله أحمد عبداللطيف العثمان ومع النوخذة أحمد السبيعي لإعداده وتدريبه لكي يصبح نوخذة ولكن انتهاء السفر البحري الكويتي ودخول الكويت عالم النفط حال دون ذلك.
وقد كان بدر عبدالوهاب العثمان يساعد أخاه عثمان وهو من مواليد 1934م، وقد سافر أيضاً إلى الهند بالباخرة عدة مرات كلما تطلب الأمر ذلك، وذلك لبيع الذهب وتحويل الأموال إلى الكويت.
واستمر مكتب عبدالوهاب العثمان في سوق المناخ ثم انتقل إلى سوق التجار الحالي أمام قصر السيف وما زال هذا المكتب يعمل بإدارة أبناء عبدالوهاب العثمان بعد وفاته سنة 1987م.
وحتى يكون البحث في هذا الباب مكتملاً، لابد من الإشارة إلى بعض الأسماء المهمة لشخصيات عاشت العصر البحري من عائلة العثمان، وكان لهم دور مهم بشكل أو بآخر من خلال ركوب البحر أو التجارة في ذلك الوقت وهم:
1 – عبدالله إبراهيم العثمان: مساعد للنوخذة (نوخذا شراع).
2 – عبدالله غانم العثمان: عمل بالتجارة البحرية، وسافر بالباخرة إلى الهند في الشؤون التجارية للعائلة.
3– بدر عبدالوهاب العثمان: سافر بالباخرة إلى كراتشي عدة مرات في بداية الخمسينيات، حيث عمل بتجارة الذهب، وهو من مواليد عام 1932م.








رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-08-2010, 12:06 PM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

دواوين العثمان

للفظ "الديوان" استعمالات عدة في اللغة العربية، فمنها الصحائف التي تجمع قصائد الشعر، ومنها الموضع الذي ينظر فيه في قضايا الناس وخصوماتهم وعموم شئون الدولة، وجمعها"دواوين".
وقد أوردت دائرة المعارف الإسلامية (الجزء التاسع) في تعريف الديوان ما يلي:
"لقد أطلق اسم "الديوان" على مكاتب بيت المال، ومن ثم تم التوسع في مدلوله، فعرفت به حكومة الخلفاء العباسيين، بل أطلق في عهد صلاح الدين على الخليفة نفسه.
ومعناه أيضاً شبه الوزارة عند العرب بعد الفتح، فهناك "ديوان الزمام"، وهو الذي تمسك فيه سجلات الدخل والخرج، و"ديوان التوقيع" وهو ديوان المحاسبة، الذي كان يقوم رئيسه بمراجعة حساب الولاة. و"ديوان البر" الذي أنشأه علي بن عيسى وزير الخليفة العباسي المقتدر، وهو الديوان الذي كان ينتظر على بعض الضياع التي جعلها هذا الوزير من الأوقاف. أما "ديوان الخاتم" الذي أنشأه معاوية بن أبي سفيان فقد ظل إلى منتصف عهد العباسيين.
كما تدل كلمة "ديوان" في العربية والفارسية والتركية على مجموعة قصائد شاعر من الشعراء، ويرتب هذا الديوان عادة ترتيباً أبجدياً بحسب القافية.
كما يدل "الديوان" أيضا على بناء كبير تجبى فيه المكوس وينزل به التجار الأغراب، ويستعمل أيضا مخزناً للبضائع ودارا للمقاصة".( )
أما مفهوم الديوان (ويسمي الديوانية في اللهجة) في المجتمع الكويتي فهو مكان منعزل عن البيت له باب خارجي يخصص لجلوس الرجال، وهو بمثابة ناد يضم مجموعات من الناس، ويشكل مجتمعاً صغيراً حيث يتداولون فيه مختلف شئون الحياة المعيشية أو التجارية أو السياسية أو الأدبية أو الفكرية.
ولم يكن مبنى الديوان مستقلاً بالضرورة عن مبنى البيت طالما كان له مدخل خارجي مباشر بعيد عن مدخل الحرم، ومع ذلك خصصت بعض الأسر الموسرة أحد بيوتها كديوان مستقل يلحق به غرفة ينام بها الضيوف وعابري السبيل، وأحياناً كانوا ينامون في الديوان نفسه إن كان واسعاً.
وكان بعض الدواوين يستقبل زواره بعد صلاة الفجر حتى شروق الشمس وسعي الناس لطلب الرزق، وبعضها يستقبل رواده عصراً أو مساءاً وهكذا.
وقد اشتهر ديوان الفلاح بمنطقة القبلة، وديوان الرومي في منطقة الشرق بفتح الديوان بعد جميع الفروض واستقبال الناس في كل الأوقات حتى كانت تسمي ديوانية "خمس فروض" أو تسمى "سدَّاحَة" مثل "سدَّاحَة الفلاح" وقد اشتق هذا الاسم من التعبير الشعبي في اللهجة الكويتية للشخص المستلقي حيث يسمى "منسدح".
وبعد حركة التثمين وخروج الناس من مناطق القبلة والشرق والمرقاب في مدينة الكويت إلى ضواحيها، استمر بناء الدواوين كجزء ملحق بالبيوت، ثم برزت ظاهرة تخصيص المبنى كله للديوان.
وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر بعض أوائل الدواوين التي خصصت كمبنى مستقل في تلك الفترة:
- ديوان الشايع (المبنى القديم) في منطقة الشامية.
- ديوان عبدالعزيز أحمد الغنام وإخوانه في ضاحية عبدالله السالم.
- ديوان محمد مطلق العصيمي في منطقة الفيحاء.
ولعل مفهوم الديوانية من الشيوع بدرجة واضحة تشرح نفسها لكثرة الدواوين وروادها في المجتمع الكويتي، ولكننا يمكن أن نقدمها لغير الكويتيين بشرح مختصر - ولكن جامع - مقتبس من نشرة لطيفة أصدرها ديوان العم عبدالعزيز أحمد الغنام وإخوانه من صفحتين بغرض تعريف زوار ديوانه العامر - غير الكويتيين - بنظام الديوانيات في الكويت، وقد استعنا بهذه النشرة في هذا السياق تقديراً وعرفاناً لمن أعدها وأصدرها حيث نسجل بلا تحيز أو مبالغة أنه (أي العم عبدالعزيز أحمد الغنام وإخوانه) ( ) قد وظف الديوان بشكل حضاري أبرز ومازال يبرز الكرم الكويتي والطيبة التي كان ولا يزال عليها الشعب الكويتي، وكذلك شاركه في هذه المكرمة العم عبدالعزيز سعود البابطين( ) الذي فتح ديوانه أيضاً لضيوف الكويت الكرام، فهم يدعون ما استطاعا من ضيوف الكويت بحيث يعرفانهما على بعض أهل الكويت وشعبها الكريم كما هو بكل عفوية وبلا تكلف.
ولقد أتيت بالذكر الحسن على ما أظهره هذان الديوانان العامران (الغنام والبابطين) من وجه حضاري للكويت وضيافة أهلها بما يمكن أن يمثل نموذجاً لضيافة الشعب الكويت، أما الأعمال الخيرية التي يقدمها أصحاب هذين الديوانين فلن نتعرض لها في هذا السياق منعاً للحرج.
ولعله من المهم أن نؤكد أننا تحدثنا عن علم من أعلام الدواوين في الكويت، ولا يعني ذلك البتة عدم وجود مثل تلك الفضائل في دواوين كويتية أخرى، ولكنهما من أبرز الدواوين التي تميزت بالصفات الحميدة التي فصلناها آنفاً.
ومن الملاحظ على هذين الديوانين عدم حرص أصحابها على التغطية الإعلامية لهذه الزيارات رغم بروز الضيوف فيها، منعاً للحرج الناشئ عن خصوصية طبيعة الديوان الكويتي، وما يحوطه من خصوصية الزيارة وطابعها الشعبي البعيد عن الرسميات والبروتوكولات المتعارف عليها.
وأما نشأة الدواوين في الكويت فهي قديمة قدم أهلها، وقد طوروها بما يناسب ظروفهم، فقد بدأت الدواوين على أنها مكان لقاء، ولم تكن بهذا الشكل الواسع الذي هي عليه اليوم، لأسباب كثيرة أهمها الظروف الاقتصادية.
فقد كان في كل حي ديوان غالباً ما يكون مرتبطاً بالأسرة التي تمتلك القدرة المالية على تحمل نفقاته وواجباته، وفي الماضي كان في الدواوين سكن للضيوف، وحالياً قليل من الدواوين يوجد بها سكن، وذلك بسبب وجود الفنادق.
وقد تطور الديوان ليصبح محلاً للفصل في المنازعات، والتقاء أسر الحي وتبادل الأخبار، ثم اكتسب أهمية أكبر فصار وسيلة لنشر الخبر ونقل الرأي. وبلغ من الأهمية أن أمير البلاد يزور بعض الدواوين في المناسبات العامة، وبالمثل يرد عليه أصحابها الزيارة، وقد استمرت هذه السنة الحميدة على مر السنين، حيث تمسك الأمراء والشيوخ وسائر المسؤولين وأعيان البلاد بهذا التقليد.
ثم تطور الأمر بقدوم الثروة في الستينيات، وزادت الدواوين في العدد والأهمية، وانتقلت من مناطقها القديمة إلى المناطق الجديدة إلا القليل منها، فبعد أن كان عدد الدواوين أول ما بدأت لا يزيد على العشرين، صارت الآن بالمئات، وتنافس الناس في تطويرها وتحسين طرازها.
ومع أن الدواوين القديمة كانت مفتوحة لاستقبال الناس يومياً، فإن كثيراً من الدواوين الحالية قد خصصت يوماً معيناً تفتح فيه أبوابها لتستقبل زوارها وروادها، وفي ساعات محددة، كما تستقبلهم في المناسبات مثل الأعياد وشهر رمضان المبارك ومناسبات الزواج والعزاء.
ونظام الدواوين نظام مؤسسي يحكمه العرف والتقاليد، وهو أقدم نظام مؤسسي عرف في الكويت، وتأتي أهميته كذلك من أنه نظام إعلامي سياسي اجتماعي نفسي وترويحي، وهو منتدى فعال حتى في أحلك الظروف التي مرت بها دولة الكويت.
ولقد برزت هذه الحقيقة للعيان وقت الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت، فقد كان للدواوين دور مميز كوسيلة اتصال ومركز إعلامي وخدماتي وعملياتي لمقاومة المحتل وإرهابه ودعم الصمود والعصيان المدني للشعب الكويتي.
هذا ولا يقوم نظام الدواوين على الحزبية أو الطائفية أو القبلية ، بل هو نظام فريد يجلس فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، والسياسي المعتدل مع المتطرف مع غيرهم دون مراتب في الجلوس إلا حسب عامل السن، والحوار بالديوان تسوده الحرية والمساواة، ويتصف حضوره بالطابع الاختياري البحت.
وتزداد أهمية الديوانية كلما كانت متعددة الألوان مفتوحة النقاش ذات توجه عام، وتبرز بعض الدواوين عن الأخرى في الأهمية حسب رقي الحوار فيها.
وللدواوين فضل كبير في ترابط أهل الكويت حيث تلعب المجاملات دوراً كبيراً في القضاء على حدة الخلاف،ولهذا لم تبرز في الكويت على مدى تاريخها أفكار متطرفة لا سياسياً ولا طائفياً أو دينياً،لأن عرض هذه الأفكار والموضوعات وبحثها يتم في جو مفتوح في الديوان مما يعدل مسارها ويهذب من تطرفها ويصحح من أفكارها.
وكذلك نادراً ما يتقاطع أهل الكويت لما يفرض عليهم نظام الزيارات من إذابة الجليد وتبادل الأحاديث في الأفراح والأحزان حيث يلعب الديوان دوراً مهماً في ربط الصلات والتواصل وإتاحة فرص طبيعية للالتقاء العفوي في مناسبات الأفراح والأحزان.
إن تبادل الزيارات في الدواوين والقيام بواجباتها هو أحد أهم مظاهر النشاط الاجتماعي في الكويت، وأي فرد مهما علا مركزه لا يمكن أن يكون مقبولاً اجتماعياً إذا ما أخذ موقفاً سلبياً من نظام الدواوين.
ومن يريد أن يلعب دوراً سياسياً أو اجتماعياً بارزاً عليه أن يحافظ على زيارته للدواوين وأخذ خلاصة ما يقال بها مأخذ الجد، فهي تعطي الانطباع الصحيح عن حقيقة الرأي العام، وكذلك هي التي تساهم في تشكيله وصناعته، لهذا نرى المؤسسات الرسمية تهتم برصد نبض الدواوين وبما يطرح بها، وبالأخص تلك الدواوين التي لها حضور جماهيري عريض، ويشترك في حضورها قطاع واسع من أطياف المجتمع.
ولو ألقينا الضوء على الديوانيات القديمة في مدينة الكويت فلن نستطيع تحديدها جميعاً سوى ما تم توثيقه في المصادر النادرة، إذ قلما يتم توثيق واقع الكويت القديمة للأسباب التي ذكرناها في مواضع سابقة من هذا الكتاب.
وفيما يلي ما أمكن حصره من دواوين في منطقة القبلة، المطلة على ساحل البحر كما حصرها المؤرخ الكويتي العم سيف مرزوق الشملان في كتابه "الألعاب الشعبية الكويتية":
1- ديوان عبدالله ومبارك الساير.
2- ديوان أحمد عبدالمحسن الخرافي.
3- ديوان سيد حامد بك النقيب.
4- ديوان عبداللطيف سليمان العثمان.
5- ديوان علي مبارك المبارك.
6- ديوان سعود الرشيدي.
7- ديوان غانم علي العثمان.
8- ديوان محمد وثنيان ثنيان الغانم.
9- ديوان عبدالعزيز العثمان.
10- ديوان يوسف بن صقر الصقر.
11- ديوان حمد العبدالله الصقر.
12- ديوان عبدالرحمن محمد البحر.
13- ديوان ناصر البدر.
14- ديوان مساعد البدر.
15- ديوان عبدالله السميط.
16- ديوان فهد الفوزان.
17- ديوان داوود المرزوق.
18- ديوان حمد الخالد الخضير
وفيما يلي أسماء بعض الدواوين المعروفة في القبلة ولا تطل على الساحل نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- ديوان الصبيح .
2- ديوان السديراوي.
3- ديوان المديرس.
4- ديوان سيد ياسين.
5- ديوان عبدالعزيز عبدالمحسن الراشد.
6 - ديوان فليج العلي الفليج.
7- ديوان يوسف عبدالوهاب العدساني.
8- ديوان سليمان الرندي.
أما الدواوين التي تلي القبلة من ناحية البر في حي الصالحية فنذكر منها على سبيل المثال:
1- ديوان أحمد الغيث.
2- ديوان مطلق بن زايد.
3- ديوان إبراهيم محمد الجسار.
4- ديوان عبد العزيز الزامل.
5- ديوان مشاري عبد العزيز المشاري.
أما الدواوين التي في منطقة الشرق من قرب قصر السيف فهي:
1- ديوان شاهين الغانم وأولاده.
2- ديوان ماتقي.
3- ديوان الشيخ سلمان وسالم الحمود الصباح.
4- ديوان علي بن خليفة الصباح.
5- ديوان الشيخ صباح الناصر الصباح.
6- ديوان آل معرفي.
7- ديوان دعيج بن فهد.
8- ديوان عبداللطيف الخميس.
9- ديوان سالم بن علي بوقماز.
10- ديوان شملان بن علي آل سيف.
11- ديوان بشر بن يوسف آل رومي.
12- ديوان راشد وجاسم الحساوي.
13- ديوان عبدالرحمن العسعوسي.
14- ديوان أحمد اليوسف النصف وإخوانه.
15- ديوان علي بن حمد بن فضالة.
16- ديوان ناصر النجدي.
17- ديوان هلال بن فجحان المطيري.
18- ديوان مشاري الروضان.
19- ديوان احمد المناعي.
20- ديوان جاسم محمد العماني.
21- ديوان سعود المضف.
22- ديوان علي بونيان.
23- ديوان راشد بورسلي.
24- ديوان جاسم الغانم.
25- ديوان أحمد القضيبي.
26- ديوان عبدالله بن غيث.
27- ديوان السيد هاشم النقيب.
28- ديوان حسين بن علي آل سيف.
29- ديوان الشيخ صباح بن صباح.
30- ديوان الشيخ فهد السالم الصباح.
31- ديوان صقر الغانم.
32- ديوان ملا صالح بن محمد الملا.
33- ديوان أحمد محمد الغانم وأولاده.
34- ديوان الشيخ عبدالله الجابر الصباح.
كما يوجد هناك ديوان العبدالرزاق وهو لا يطل على الساحل.
أما الدواوين التي تلي منطقة الشرق من ناحية البر في منطقة المرقاب فنذكر منها على سبيل المثال:
1- ديوان الحمود الشايع.
2- ديوان الوزان.
3- ديوان المطلق العصيمي.
4- ديوان القصمة.
ولقد كانت الديوانية - فضلاً عن الأدوار المشار إليها سابقاً - محلاً للالتقاء بالبحارة الذين تتم مقابلتهم في هذه الديوانيات لكي يتم ضمهم (تعيينهم) كبحرية في المركب الفلاني بقيادة النوخذة الفلاني وإعطائهم السلف المتفق عليها، وتحرير "البروة"( ) لمن يطلب منهم سواء كان عليه طلب أو لم يكن عليه.
وفيما يتعلق بدواوين عائلة العثمان الكريمة فبعد وفاة المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان أصبح للعثمان ديوانان: ديوان عبداللطيف سليمان العثمان، وديوان عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان، هذا بالإضافة إلى ديوان غانم علي العثمان الذي اشترى بيت العبدالجليل الملاصق لفريج العثمان، أما عبدالله عبدالعزيز العثمان فقد اتخذ من عمارته ديواناً له يزوره فيها أصحابه.
وقد استمر ذلك الوضع حتى تم تثمين بيوت العائلة في منطقة القبلة وتم الانتقال إلى ضواحي العاصمة في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.
وأما فيما يتعلق بموضوع كتابنا فانه من المناسب قبل الحديث عن دواوين العثمان الحالية أن نعرف أن أسرة العثمان (النواخذة) في الكويت حالياً تتكون من ثلاثة أفرع: فرع عبدالعزيز وأبناؤه عبدالله وعثمان وعبدالوهاب، وفرع سليمان وأبناؤه عبداللطيف ومحمد وعلي وداوود، وفرع إبراهيم وابنه عبدالرحمن.
وقد تصاهرت هذه الفروع بشكل كبير، حيث تزوج سليمان "هيا" أخت عبدالعزيز، ورزقه الله منها عبداللطيف ومحمد.
ثم في الجيل الثاني تزوج عبداللطيف هذا ابنة خاله عبدالعزيز "فاطمة"، أما شقيقه محمد فقد تزوج "منيرة" ابنة خاله عبدالله بن عثمان شقيق عبدالعزيز.
ومن جهة أخرى فقد تزوج عبدالله عبدالعزيز بن عثمان "فاطمة" حفيدة عمته هيا. كما تزوج عبدالوهاب بن عبدالعزيز "موضي عبداللطيف العثمان" وهي ابنة عمته هيا.
وتكتمل اللحمة الاجتماعية بين أفرع العائلة في الجيل الثالث، حين تزوج أحمد عبداللطيف سليمان العثمان "منيرة عبدالرحمن إبراهيم العثمان"، وكذلك تزوج شقيقه صالح شقيقتها لطيفة، وكذلك فعل شقيقهما داوود الذي تزوج "مضاوي عبدالرحمن إبراهيم العثمان" شقيقة منيرة ولطيفة.
وهكذا اشتدت لحمة النسب والمعيشة بين الأجيال المتعاقبة من أسرة العثمان الكريمة بما يعكس العطاء الإيجابي لرجالاتها النواخذة وأقرانهم العاملين في مجال التجارة البحرية بأنواعها.
ومن الطبيعي أن يلتقي هؤلاء فيما بينهم من جهة وبين إخوانهم من الكويتيين من جهة أخرى في المنتدى الاجتماعي الكويتي المعروف وهو "الديوان" من جهة أخرى، وقد فتح كل منهم ديوانه العامر ليستقبل زواره كل ليلة ليتجاذبوا أطراف الحديث ويناقشوا ما يهمهم في شئون الحياة، ويروحوا عن أنفسهم مساء كل يوم عملوا وجدُّوا في نهاره.
أما اليوم فإن أسرة العثمان الكريمة لا تزال تستقبل زوارها في الدواوين الآتية:
1- ديوان المرحوم عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان في ضاحية عبدالله السالم.
2- ديوان المرحوم عبداللطيف سليمان العثمان في ضاحية عبدالله السالم.
3- ديوان العم عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان في منطقة الخالدية.
4- ديوان المرحوم غانم علي العثمان في منطقة الشامية، وتضم ديوان الأخ تركي سليمان غانم العثمان.
5- ديوان المرحوم إبراهيم عبدالرحمن العثمان في منطقة الخالدية.
6- ديوان العم عبدالله محمد سليمان العثمان في ضاحية عبدالله السالم.
7- ديوان الأخ عبدالعزيز سليمان عبداللطيف العثمان في ضاحية عبدالله السالم.
ومعظمهما يشكل امتداداً طبيعياً للديوان الأصلي الذي كان مفتوحاً في منطقة القبلة.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-08-2010, 12:09 PM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

عمارة المساجد

لا شك أن عمل أهل البحر جعلهم يطلعون على كثير من آيات الله تعالى المبثوثة في أرضه وسمائه وبحاره، فيرون ما لا يراه غيرهم من عجيب صنع الله تعالى وعظيم خلقه وتدبيره، كما أن إحساسهم بأنهم قد يتعرضون للمخاطر في أي لحظة، وقد يواجهون الصعاب في أي موضع - لا سيما في أوقات العواصف - جعلهم قريبين من الله تعالى، متوكلين عليه ينزلون به حاجاتهم كل حين رجاء حفظه وسعة رزقه.
ولذلك كان المقتدر منهم يعطي الفقير والمحتاج ولا يتأخر عن بذل المعروف في ليل أو نهار،عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعً عملُه إلا من ثلاثٍ صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفعُ به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" رواه مسلم.
وهكذا كان شأن النواخذة من عائلة العثمان الذين اجتهدوا في عمارة بيوت الله تعالى.
فقد عُني الإسلام بالمساجد عناية بالغة، لأنها البيئة النقية الطاهرة التي يتربى فيها النشء الصالح القارئ لكتاب الله تعالى وبها تؤدى الصلوات، وفي رحابها تعقد حلقات العلم، وجلسات الذكر وندوات الفكر، وبين أروقتها يتعارف المسلمون فيتحابون ويتآلفون.
ولذا فقد حرص المحسنون من عائلة العثمان الكريمة على أن يبنوا بيوتاً لله تعالى كلما سنحت لهم الفرصة، واضعين نصب أعينهم ذلك البيت الذي سيبنيه الله عز وجل لكل واحد منهم في الجنة بفضله ومنِّه وكرمه وإذنه تبارك وتعالى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" رواه ابن ماجه في سننه.
ومن هذه المساجد ما كان داخل الكويت ومنها ما كان خارجها.
أولا: داخل الكويت
مسجد عبدالعزيز العثمان في القبلة
وقد تم إنشاء هذا المسجد بعد هدم مسجد العثمان القديم الذي أسسه عبدالعزيز بن عثمان بمعاونة بعض محسني الكويت – حسب ما بينت اللوحة المثبتة على بابه من قبل دائرة الأوقاف العامة - وذلك سنة 1325هـ (1907م)، وأعيد بناؤه عام 1372هـ (1952م) على نفقة كل من ابن أخته عبداللطيف سليمان العثمان وابنه عبدالوهاب العثمان ودائرة الأوقاف العامة (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حالياً) .
وأخيراً أعيد بناؤه مرة ثانية على نفقة ورثة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان عام 1410هـ (1992م) بفريج العثمان على شارع الخليج العربي، والمسجد يحمل اسم والد المترجم له المحسن عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان * رحمه الله * وفاءً له ببعض حقه وفضله عليهم، وعملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ" متفق عليه.
ولأن رواد هذا المسجد حالياً أكثرهم من الوافدين (غير العرب) الذين أكرمهم الله تعالى بالإسلام، وهم لا يجيدون اللغة العربية، فإن خطبة الجمعة والدروس الدينية تلقى فيه باللغة الإنجليزية، وذلك بالتنسيق مع لجنة التعريف بالإسلام، وقد فصلنا القول فيه في موضع سابق من هذا الكتاب ( أنظر ص ).
مسجد عبداللطيف سليمان العثمان في ضاحية عبدالله السالم
وقد تأسس المسجد في عام 1389هـ الموافق لعام 1969م، في ضاحية عبدالله السالم بدولة الكويت، وذلك على نفقة المحسن عبداللطيف سليمان العثمان رحمه الله.
وتبلغ المساحة الكلية للمسجد 1200 متر2، حيث يتسع مصلى الرجال لعدد 800 مصلي، ويبلغ ارتفاع المئذنة في هذا المسجد 23 متر، وقد بني المسجد على الطراز العادي الحديث.
مسجد عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان في خيطان القديم
وقد تأسس المسجد في رمضان من عام 1389هـ الموافق لشهر نوفمبر من عام 1969م، في منطقة خيطان القديمة بدولة الكويت، وذلك على نفقة المحسن عيسى عبدالله العثمان. وتبلغ المساحة الكلية للمسجد 800 متر2، حيث يتسع مصلى المسجد لعدد 530 مصلي، وتبلغ مئذنته ارتفاع 17 متر تقريباً، وقد بني المسجد على الطراز العادي القديم.
مسجد عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان بجامعة الكويت في الخالدية
كان المحسن عبدالوهاب العثمان مدركاً لأهمية العلم الديني والدنيوي معاً، وضرورتهما للإنسان في بناء عقله ووجدانه، وحمايته من عوامل الغزو الفكري والثقافي، وربطه ربطاً وثيقا بمصدري النور والهداية: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا حرص المحسن عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان * رحمه الله *على أن يكون أول مسجد يشيده لله في إحدى منارات العلم، وقد وقع الاختيار على جامعة الكويت لتحتضن "مسجد عبدالوهاب العثمان" وذلك في عام 1397هـ (1976م).
ولقد كان لهذا الاختيار قصة لطيفة يرويها لنا الأستاذ محمد عبدالوهاب العثمان * ابن المحسن الكريم * الذي كان يشغل منصب مدير إدارة الشؤون العامة والخدمات بجامعة الكويت * المبنى الرئيسي بالخالدية * وقد أتاه مجموعة من طلبة الجامعة يطلبون منه * بحكم منصبه * أن يبني لهم مصلىً ولو على شكل "شبرة" لصلاة الظهر على الأقل, وذلك لعدم وجود أي مكان مخصص للصلاة في كليتي العلوم والهندسة، اللتين تشغل مبانيهما موقع مبنى الخالدية( ).
فوعدهم الأخ الفاضل محمد العثمان خيراً، وكان عليه مفاتحة إدارة الجامعة وهو الإجراء الطبيعي، ولكنه كان يعلم أن الإجراءات كثيرة وتستغرق مدة طويلة * إن تمت الموافقة على الفكرة أصلاً * وهو يشغل منصباً يجعله مطلعاً بتفاصيل الشؤون الإدارية والمالية، وخصوصاً في مجال توفير الميزانيات، وتحديد أولوياتها * إن توفرت.
ولذلك فاتح والده المحسن عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان، وقد كان يعلم أنه يبحث عن موقع مناسب يبني فيه مسجداً، قد نوى بناءه منذ فترة قريبة، ليبني له ربه جل وعلا بيتاً في الجنة مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوردناه آنفاً.
وبالفعل فاتح الابن أباه، وكلاهما شريكان في الأجر * إن شاء الله تعالى * وهي لعمري نعمة عظيمة أن يتعاون الاثنان على فعل الخير فيشتركان في الأجر دون أن ينقص من أجرهما شيء، حيث إن الدال على الخير كفاعله.
ورغم كون الفكرة التي عرضها الأخ الفاضل محمد العثمان على والده المرحوم عبدالوهاب تقتضي بناء شبرة كمصلى للطلاب بناء على طلبهم، إلا أنه أجاب * بلا تردد * وكأنها كانت الفرصة التي يبحث عنها منذ فترة: "بل نبني لهم مسجداً كاملاً بجميع مرافقه، وبه مصلى للطالبات، بحيث يستوعب الجميع".
فبذلك كان مسجد عبدالوهاب العثمان في الجامعة للطالب والأستاذ خير معين على إقامة شعيرة هي أبرز الشعائر التعبدية في الإسلام، التي لطالما حث عليها كتاب الله تعالى والسنة النبوية الشريفة، قال تعالى: "وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)" سورة البقرة.
وأصبحت هوية طيبة لجامعة الكويت حيث يقع المسجد في صدر موقعها، وواجهتها على الطريق الدائري الرابع، تأصيلاً لهوية المجتمع الكويتي المسلم، وتثبيتاً لهوية دولة الكويت كما نص دستورها، وكما استلهم من نبراس ماضيها الإسلامي المحافظ بفطرته، جزى الله الوالد والولد كل خير، فبمجهودهما كان مسجد عبدالوهاب العثمان في جامعة الكويت بالخالدية.
مسجد بيبي عبدالعزيز الرشيد البدر في الصباحية
وهذا المسجد بناه المرحوم عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان بالمشاركة مع زوجته المرحومة بيبي الرشيد البدر، وأطلق عليه اسمها، وكان ذلك في عام 1405هـ (1985)، ويقع في منطقة الصباحية، ومساحته الكلية 1430 متراً مربعاً منها 150 متراً مربعاً لمصلى النساء، بما يجعله يتسع لألف مصلٍّ ومائة مصلية تقريبا في آن واحد، وترتفع مئذنته لأربعة وثلاثين متراً.
مسجد موضي عبداللطيف سليمان العثمان في الأندلس
بعد وفاة المرحوم عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان تفاعل أبناؤه مع قناعة رسخها فيهم خلال حياته، وهي أفضلية إنفاق المرء من حر ماله في حياته، وإيثار غيره على نفسه بما في يديه من نعمة، مما يغنى عن تخصيص ثلث التركة للعمل الخيري.
باعتبار أن الأولى هو إنفاق المرء من ماله الذي يملك التصرف فيه وهو على قيد الحياة، بدلاً من استقطاع جزء من المال الذي سيؤول للورثة بعد وفاته.
وهذا الاتجاه ليس بجديد في حياة الصالحين، فقد كره بعضهم أن يؤخر أعماله الطيبة لما بعد وفاته، وحث على المبادرة بفعلها حال حياته، التي يحتاج فيها المرء لكل حسنة يمكن أن تضاف لميزان أعماله، حيث كان هذا التوجه جديداً وجريئاً بالنسبة للمفهوم السائد حينها من تخصيص الثلث للخيرات بعد الممات.
وقد تمثل تفاعل أبنائه في محافظتهم على مسيرة الإحسان، التي بدأها والدهم * رحمه الله * ورغبتهم في الإيثار على أنفسهم، فاستقطعوا من نصيبهم في التركة قدراً معلوماً * قبل كل شيء * وبنوا مسجداً باسم والدتهم موضي عبداللطيف سليمان العثمان، زوجة المرحوم عبدالوهاب العثمان أيضاً، في منطقة الأندلس بالقطعة الثامنة وذلك في عام 1410هـ (1990م)، ويشغل المسجد مساحة قدرها 834 متراً مربعاً منها 160 متراً مربعاً لمصلى النساء، و 24 متراً مربعاً للمكتبة التي يستفيد منها المصلون في طلب العلم الشرعي ومذاكرة العلوم الشرعية وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، ويتسع المسجد لما يزيد عن 500 مصلٍ و 150 مصلية تقريباً، وترتفع مئذنته إلى 27 متراً.
نسأل الله تعالى أن ينال المحسن عبدالوهاب العثمان وزوجتاه ثواب إقامة هذه المساجد بإذن الله تعالى، القائل في كتابه الكريم: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97)" سورة النحل.
مسجد عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان في قرطبة
وقد تأسس المسجد أيضاً على نفقة المحسن عيسى عبدالله العثمان، وتم افتتاحه في شهر يناير من عام 1995م الموافق لعام 1416هـ، وذلك بمنطقة قرطبة بدولة الكويت.
وتبلغ المساحة الكلية للمسجد حوالي 1339 متر2، منها مصلى للنساء مساحته 175 متر2 تقريباً. حيث يتسع مصلى الرجال لعدد 900 مصلي، بينما يتسع مصلى النساء لعدد 120مصلية. ويبلغ ارتفاع المئذنة في هذا المسجد 31.5 متر، وقد بني المسجد على الطراز العادي الحديث.
مسجد عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان في الخالدية
وقد تأسس هذا المسجد أيضاً على نفقة المحسن عيسى عبدالله العثمان وتم الإنتهاء من بنائه في شهر نوفمبر من عام 1999م الموافق لعام 1420هـ، وافتتح في شهر ديسمبر من نفس العام وذلك بمنطقة الخالدية بدولة الكويت.
وتبلغ المساحة الكلية للمسجد 2000 متر2، منها مصلى للنساء تبلغ مساحته 150 متر2 ، بحيث يتسع مصلى الرجال لعدد 500 مصلي بينما يتسع مصلى النساء لعدد 180 مصلية.
ويضم المسجد مكتبة وغرف للعاملين وجميع الخدمات الأخرى. ويبلغ ارتفاع المئذنة 23 متر، وقد بني المسجد على الطراز العادي الحديث ويشتمل على نقوش شرقية وأندلسية.
مسجد طيبة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان في الري
وقد تأسس هذا المسجد على نفقة المحسنة طيبة عبدالوهاب العثمان – رحمها الله - وتم تأسس عام 1999م الموافق لعام 1420هـ، وذلك بمنطقة الري بدولة الكويت.
وتبلغ المساحة الكلية للمسجد 1686 متر2، منها مصلى للنساء بمساحة 235 متر، بحيث يتسع مصلى الرجال لعدد 1100 مصلي، بينما يتسع مصلى النساء لعدد 150 مصلية.
ويبلغ ارتفاع المئذنة 23 متر، وقد بني المسجد على الطراز العادي الحديث.
مسجد عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان في ضاحية صباح السالم:
يعكف حالياً العم عيسى عبدالله عبدالعزيز العثمان وأبناؤه الكرام على إنهاء الإجراءات الرسمية لبناء مسجد جديد في ضاحية صباح السالم (قطعة 4)، بمساحة قدرها 2938.500 متراً مربعاً، حيث تبلغ مساحة البناء 1380 متراً مربعاً، ويضم المسجد بالإضافة لمصلىً الرجال مصلىٍ للنساء بالميزانين، ويضم كذلك مكتبة ومكاناً مخصصاً لحلقات تدريس القرآن الكريم، بالإضافة إلى المرافق الأخرى.
ثانيا: خارج الكويت
أراد المحسن عبدالوهاب العثمان أن يعم الخير وأن يزرع شجرة البر التي زرعها في بيئة أخرى خارج بلده الكويت، كي تظل أناساً آخرين، فاختار سلطنة عمان الشقيقة ليبني فيها بيتين لله تعالى هما:
مسجد التقوى في مسقط
وهو مسجد جامع تقام فيه صلاة الجمعة، وقد تم إنشاؤه في منطقة الوادي الكبير بمسقط عاصمة سلطنة عمان، وهو مسجد جامع، يؤمه عدد كبير من المصلين،الذين يذكرون بالخير باني هذا المسجد ويدعون له بالثواب وحسن الجزاء.
مسجد سيفة الشيخ بعمان
كان المحسن عبدالوهاب العثمان حريصاً أيضاً على أن يبحث عن الأماكن التي ليس فيها مساجد، وقد وفقه الله تعالى إلى بناء مسجد السيفة، الذي يقع بقرية سيفة الشيخ، التي تبعد 45 كيلومتراً جنوب العاصمة، وهو المسجد الوحيد في هذه القرية.
ولعل وجود ابنه عبدالعزيز سفيراً لدولة الكويت في سلطنة عمان الشقيقة آنذاك كان عاملاً مساعداً على متابعة بناء هذين المسجدين.
وكذلك أراد المحسن عبداللطيف سليمان العثمان أن يبني لنفسه بيتاً في الجنة ببناء المساجد في الحياة الدنيا لإعانة عباد الله تعالى على أداء شعائر العبادة وإقامة الصلاة بتمامها وكمالها وفي أوقاتها المفروضة، فأنشأ بيتين لله تعالى هما:
مسجد عبداللطيف سليمان العثمان في الزبير
لقد كان * رحمه الله * رائداً في عمل الخير والإنفاق في سبيل الله تعالى، خصوصاً في المناطق الفقيرة، فقد بنى في الزبير مسجداً للمزارعين والسكان غير المقتدرين على إقامة مسجدٍ يقيمون فيه صلاة الجمعة والجماعة، وقد أوقف عليه سبعة دكاكين، اثنان منها للإمام والمؤذن، وتقيم في البقية منها بعض الأسر المحتاجة من أهل الزبير.
مسجد عبداللطيف سليمان العثمان في الفاو في جنوب العراق
كما أسس – رحمه الله - كذلك مسجداً آخر في منطقة الفاو بالعراق يرتاده كثير من المصلين بسبب كبر مساحته واتساعه، وقد تم بنائه في عام 1385هـ (1965م) .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 10-08-2010, 12:14 PM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

خَشَب العثمان
(1879 – 1951م)

لئن كان عدد نواخذة السفر الشراعي من عائلة العثمان الكريمة كبيراً وهو مؤشر جلي على ريادة هذه العائلة في مجال صناعة ركوب البحر، فإن هناك مؤشراً آخر على تلك الريادة، ألا وهو خشب (سفن) العثمان التي كانت تدل كما وكيفاً على تمكن هؤلاء من صناعة البحر. وهذا ما سيظهر واضحاً جلياً فيما يلي من الصفحات.
ولقد استعنا في هذا الباب بما كتبه د. يعقوب الحجي في كتابه الرائع "صناعة السفن الشراعية في الكويت"( ) الذي غطى أهم المعلومات عن أهم خشب العثمان وغيرهم.
وقد سبق أن أشرنا في غير موضع من هذا الكتاب إلى كتابه الآخر والرائع أيضاً "نواخذة السفر الشراعي في الكويت" والذي تكلم عن معظم نواخذة السفر الشراعي من عائلة العثمان الكريمة وغيرهم، كما استعنا بالعديد من كتب المؤرخ الكويتي العم سيف مرزوق الشملان في ثنايا هذا الكتاب.
ومن الأمانة هنا أن نثبت الفضل لأهله كذلك بالشكر والثناء على كل الباحثين الآخرين في مجال التراث الكويتي وتاريخ الكويت في المجالات المختلفة دون تفصيل لأسمائهم. بيد أننا في هذا السياق نركز على الجانب البحري من هذا التاريخ وذلك التراث بشقيه الغوص والسفر.
ولئن كانت البداية في الحديث عن صناعة السفن للأشهر والأظهر من خشب العثمان، فإن هذه البداية لن تتجاوز الحديث عن البوم "تيسير" الذي امتلكته عائلة العثمان الكريمة، رغم أنه كان شائعاً في صناعة السفر أن يقوم النوخذة بقيادة سفينة لا يملكها بل يملكها غيره من تجار الكويت ملاك السفن، وفي هذه الحالة يسمى النوخذة "جِعْدي" بكسر الجيم وتسكين العين.
وقلما كانت هذه الظاهرة تشمل نواخذة السفر من عائلة العثمان الذين فضلوا منذ البداية أن يملكوا ما يركبون، وقد سبقهم إلى ذلك كبيرهم عبدالعزيز، حين قال كلمته التي أوردناها آنفاً في هذا الكتاب: "لن أتزوج حتى أربط البري" حتى أصبحت حكمة تحتذي.
ولذلك فقد تملك نواخذة العثمان عدد كبير من سفن الغوص وأبوام السفر، من أشهرها تيسير وموافج والمحمدي والمحمدي الثاني والسالمي وفتح الرحمن وفتح الكريم والعثماني والتي سنأتي على ذكرها بالتفصيل فيما يلي:
تيسير
لو سألت عن السفن الشهيرة في تاريخ الكويت البحري، والتي احتلت مركز الصدارة، لبرز اسم "تيسير" كأحد أفضل السفن التي بناها صناع السفن الكويتيون. ولعله ليس من المبالغة في شيء القول بأن " الداو" و"ابن رشدان" و"تيسير" و"المهلب" كانت أشهر سفن الكويت على الإطلاق، بحيث أصبح ذكرها على لسان كل من ركب البحر من الرجال الكويتيين منهم وغير الكويتيين.
تاريخ الصناعة
اشتهر من عائلة العثمان كبيرهم الحاج عبدالعزيز العثمان الذي امتلك الكثير من السفن التي كانت تستخدم في تجارته مع الهند وباقي الموانئ الخليجية. وما إن اندلعت الحرب العالمية الأولى (العظمى) حتى أصبحت الحاجة شديدة إلى بناء سفن كبيرة لنقل المؤن من الهند إلى غيرها من دول الخليج.
عندها فكر الحاج عبدالعزيز في بناء سفينة كبيرة اختار الأستاد حسين بن منصور، أحد أكبر صناع السفن الكويتيين، وطلب منه بناء سفينة من نوع البوم ذات حمولة تقدر بحوالي (4000 مَن) من التمر (300 طن).
وبدأ العمل في بناء السفينة (سنة 1332هـ، 1914م) أمام منزل العثمان في الحي القبلي من المدينة والمطل على البحر. ولما كان الحاج عبدالعزيز العثمان على ثقة كبيرة بالأستاد حسين بن منصور فقد ترك له الأمر في كيفية بناء السفينة، والتي اكتملت بعد حوالي أربعة أشهر من بدء صنعها.
التدشين
أصبحت السفينة جاهزة للإنزال إلى البحر، وكان ذلك حدثا كبيراً في مدينة الكويت في تلك السنوات. فقد كان حاكم الكويت آنذاك الشيخ مبارك الصباح، وكان حبه للكويتيين وسفنهم وتجارتهم لا يحتاج إلى شهادة، فأمر أن يتجمع الناس للمشاركة في إنزال هذه السفينة. وبالفعل فقد تجمع الرجال والنساء والأطفال حول السفينة، وكان بينهم الشيخ مبارك الصباح ذاته وحوله العديد من نواخذة الكويت الكبار مثل أحمد بن ناصر وأحمد الغانم وعبدالعزيز القطامي وعلي وجاسم المبارك وغيرهم، وكذلك الحاج عبدالعزيز العثمان وأقاربه.
وبدأت عملية الإنزال حيث استلقت السفينة على أحد جانبيها وأخذت تزحف ببطء نحو الساحل حيث سواعد الرجال تدير "الدوار" وتشد الحبال، ولم ينته اليوم إلا والسفينة طافية على سطح الماء.
وعندها تعجب الشيخ مبارك من السرعة التي تمت بها عملية الإنزال، فأطلق عليها اسم "تيسير" نظراً للسهولة واليسر اللذين رافقا عملية الإنزال. وبذلك عرفت باسم "البوم تيسير". بعد ذلك دعُي الجميع إلى وليمة غداء أقامها الحاج عبدالعزيز لكل من شارك في حفل إنزال "تيسير" للبحر، كما كانت عليه عادة التجار الكويتيين آنذاك.
مواصفات السفينة
تعتبر "تيسير" من السفن الكويتية "الكاملة الأوصاف" فهي مصنوعة من خشب الساج الهندي، وذات حمولة تقدر بحوالي 4000 من(300 طن)، كما أنها تمتاز بحملاتها المحكمة الصنع والمرتفعة نسبياً عن القاعدة، والممتدة على طول القاعدة " البيص"، كما أنها تمتاز بصفات ملاحية جيدة، منها استجابتها بسرعة لأية حركة من دفتها وسرعة وثباتها على سطح الماء، بالإضافة إلى مقدرتها الكبيرة على حمل البضائع.
وفيما يلي بعض من المواصفات الفنية للسفينة "تيسير":
طول القاعدة (البيص): 44 ذراعاً (66 قدماً).
طول السفينة من أعلى: 80 ذراعاً (120 قدماً).
العرض: 17 ذراعاً (26 قدماً).
العمق: (الغزر): 8 أذرع (12 قدماً).
طول الصاري الكبير: 48 ذراعاً (72 قدماً).
طول الصاري القلمي: 40 ذراعاً (60 قدماً).
طول الفرمن الكبير: 80 ذراعاً (120 قدماً).
مساحة الشراع الكبير: (51 شقة).
مساحة الشراع الصغير: (31 شقة).
الغاطس: حوالي 18 قدماً.
ولقد قام بتفصيل شراع " تيسير" النوخذة عبداللطيف العثمان على الوجه التالي:
الشراع العود وقد فصل على الثلث( ).
والشراع القلمي وقد فصل على النصف.
وقد بلغت تكاليف بناء " تيسير" حوالي 35 ألف روبية هندية.
رحلات تيسير
كان "تيسير" جاهزاً للسفر في بداية سنة 1913م، وكانت الدنيا تعج بأخبار الحرب العالمية الأولى ونقص المؤن في الكثير من البلدان الخليجية، لذا كان لزاماً على "تيسير" أن يبدأ في السفر، بعد أن حصل على "القول"( ) من حاكم الكويت آنذاك الشيخ مبارك الصباح، وفيما يلي نص "القول" الذي كتب باللغتين العربية والإنجليزية تسهيلاً لمهام هذه السفينة في البحار والبنادر والدول التي تزورها:
الواقفون على مرسومنا هذا من السالكين في البحار والساكنين بالبنادر من جميع الدول العظام الفخام المتحابة، من خصوص البوم المسمى "تيسير" ملك عبدالعزيز بن عثمان وهو من جماعتنا أهل الكويت وتابعنا، نأمل في حكم دراية الدول العظام المتحابة إذا نظروا إليه ووقفوا عليه أن يعاملوه بالمعاملة اللائقة كما جرت به أصول وقوانين وشرائط وروابط الدول المتحابة. هذا وأصدرناه وبيد حامله سلمناه كيلا يخفى. في 11 ذي القعدة 1332هـ .
صحيح
حاكم الكويت
مبارك الصباح
وقد اختار له مالكه عبدالعزيز العثمان قبطاناً هو النوخذة محمد سليمان العثمان الذي قاد "تيسير" في أولى رحلاته إلى الهند وعاد إلى الكويت محملاً بالأخشاب وغيرها من الضروريات.
وبعد ثلاث سنوات نزل النوخذة محمد عن "تيسير" وأسلم قيادته للنوخذة عبداللطيف سليمان العثمان، وركب مع النوخذة العثمان الشاب عبدالوهاب، لكي يتعلم منه فنون الملاحة وأصولها. ولقد كانت رحلات "تيسير" دائماً إلى الهند وبخاصة إلى ساحل الملبار الهندي لإحضار الخشب اللازم لصناعة السفن.
وفي سنة 1343هـ (1924م) تسلم قيادة "تيسير" الشاب عبدالوهاب بن عبدالعزيز الذي كان يبلغ من العمر حوالي 22 سنة، والذي اكتملت لديه القدرة والمهارة على قيادة مثل هذه السفينة. ترك النوخذة عبدالوهاب الكويت متجهاً إلى البصرة حيث شحن "تيسير" بالتمر وعلى سطحه حوالي 40 بحاراً من بحارة الكويت. ولما تم شحنه وقف أمام مدخل شط العرب ينتظر هبوب "الشمال" لتدفعهم إلى الهند.
وبعد حوالي أسبوعين كانوا في كراتشي ينزلون بعض التمر، ثم استمروا جنوباً إلى بومباي حيث باعوا كل ما عندهم من تمر وأبحروا جنوباً إلى كاليكوت لشراء الأخشاب.
وفي كاليكوت تم شحن "تيسير" بأنواع عديدة من الأخشاب، وبدأ مسيره إلى الكويت باتجاه مسقط، حيث أبرق النوخذة عبدالوهاب إلى والده في الكويت يخبره عن وصوله إلى مسقط بسلام وأنه في طريقه للكويت.
ليس من الممكن ذكر جميع الرحلات التي قام بها "تيسير" تحت قيادة قبطانه النوخذة عبدالوهاب، لكن يجب أن يذكر في هذا المجال أن النوخذة عبدالوهاب جعل البوم "تيسير" يدخل تاريخ الكويت البحري من أوسع أبوابه. فقد تجمع له سعة الصدر والقيادة الحكيمة والعلم الواسع بالبحر وفنونه، بالإضافة إلى التوفيق والعناية الإلهية، ما جعل البحارة يفخرون بأنهم ركبوا "تيسير"، وأن قبطانهم كان النوخذة عبدالوهاب العثمان.
وفي هذا المجال يستحسن ذكر إحدى الرحلات التي قام بها "تيسير" من الكويت إلى الهند (كما يصفها قبطانها عبدالوهاب)، ففي طريق العودة وقف "تيسير" في ميناء المنامة بالبحرين وأنزل بعض حمولته، فانتشر الخبر في الميناء أن البوم "تيسير" قد وصل إلى البحرين.
ولكن بعض التجار هناك دهشوا من تلك الحمولة حتى ظن بعضهم أن مركباً بخارياً قد وصل إلى البحرين وأنزل هذا الحمل الكبير من الأخشاب، وكان النوخذة عبدالوهاب يرى أمارات العجب عليهم، فأخذهم إلى "تيسير" وأراهم نصف الحمولة في جوفه حيث يعتزم الإبحار بها إلى الكويت. ولما ركبوا وشربوا القهوة وأشادوا "بتيسير" ورجاله سقاهم عبدالوهاب ماء "كوه" الشهير.
تولى النوخذة عبدالوهاب قيادة "تيسير" إحدى عشرة سنة متواصلة أكسبها فيها شهرة لم يكتسبها إلا القليل من السفن الشراعية الكويتية، وكان في جميع سفراته إلى الهند، يحمل التمر من البصرة ويحضر الأخشاب من ساحل الملبار إلى الخليج في رحلة واحدة خلال الموسم الواحد.
ولقد ركب مع عبدالوهاب بعض أفضل النهامة الكويتيين مثل عبدالعزيز الدويش وسالم المرطة وغيرهما، مما أضفى جواً من البهجة والأصالة على هذه السفينة التاريخية.
وقد عمل معه كثير من البحارة الكويتيين المشهود لهم بالدراية في مجال البحر، ويفوق عددهم الحصر هنا ومنهم عدد من عائلة الخشتي الكريمة، ومن هؤلاء السكوني في البوم "تيسير" المرحوم عبدالله خميس الخشتي، وقد كان في الوقت نفسه مسؤولاً عن المشتريات عندما ترسو السفينة في أحد البنادر.
وفي سنة 1354هـ (1935م) نزل عبدالوهاب عن سفينته وأسلم قيادتها للنوخذة درباس العمر الذي قاد "تيسير" خمس سنوات، ثم تسلمه بعده النوخذة إبراهيم المشعل لسنة واحدة، وتركه بعدها للنوخذة راشد المبارك سنة أخرى ثم تسلمه بعده النوخذة إبراهيم بن شايع خمس سنوات أخرى، قاد فيها "تيسير" إلى عدن وساحل إفريقيا الشرقي لأول مرة في تاريخه.
نهاية تيسير
ترك النوخذة إبراهيم بن شايع "تيسير" في سنة 1366هـ (1947م)، فظل واقفا على الساحل أمام منزل أصحابه، بعد أن خدم النقل البحري الكويتي ما يقارب 34 سنة متصلة، وكان واضحا أن هذه السفينة خدمت ما فيه الكفاية، وأنها لا بد أن تستريح، عندها قرر صاحبها أن يبيعها إلى (غلوم) تاجر الخشب الذي اشتراها بمبلغ 6000 روبية "وشتّرها" أي قطعها إلى ألواح من الأخشاب لبيعها على الساحل.
ويروي الأستاد علي عبدالرسول للمؤلف أنه في اليوم الذي شهد فيه "تيسير" نهايته، وقف أحد بحارته (ثنيان العميري) ينظر إليه والفؤوس والمناشير تقطع في جسده، فصاح قائلاً: "لا..كيف تفعلون ذلك بتيسير؟ تلك السفينة التي جلبت لكم المال والأخشاب..اتركوها اتركوها، فهي لم تدع حملاً إلا حملته، ولا بحراً إلا ركبته. لا تفعلوا ذلك في تيسير".
ولم يكن ذلك بسبب الخسارة المادية التي لحقت بالسفينة ولكن لأنها كانت رمزاً لحياة عشقها هذا البحار. إلا أن ذلك لم يمنع وصول أشلاء "تيسير" إلى مطابخ المنازل في الكويت، فقد كان معظم الناس يجهل حينئذ أن عصر الشراع سوف يأتي إلى نهايته في القريب العاجل.
وأما قاعدة "تيسير" فقد اشتراها التاجر غلوم قبازرد، وكانت من خشب "الفنص" وجعلها عموداً لسقف منزله. وأما الجامعة الخاصة بتيسير فيمكنك رؤيتها اليوم إذا ما زرت ديوان النوخذة عبدالوهاب العثمان في الكويت في ضاحية عبدالله السالم.

موافج
كيف يمكن أن نذكر السفن الشهيرة في تاريخ الكويت البحري دون أن نذكر البوم "موافج" أحد أشهر سفن العثمان، والمدرسة التي تعلم عليها أصول الملاحة العديد من رجالهم؟!
لقد احتل "موافج" مركزاً مرموقاً في تاريخ الكويت وزاد من شهرة صانعه حجي سلمان الأستاد الذي أتقن صنع هذه السفينة كما أتقن صنع العديد من السفن قبلها. ولقد أراد الحاج عبدالعزيز العثمان لهذه السفينة أن تكون سفينة نقل وتجارة بين الكويت والهند فكان له ما أراد.
حيث إن "موافج" صُمم بحيث يكون ذا مقدرة كبيرة على الحمل وذا صفات ملاحية جيدة، وكان ذلك في عام 1338هـ, وهو العام الذي وقعت فيه معركة هدية في عهد الشيخ مبارك الصباح (1910م).
مواصفات موافج
تعتبر "موافج" من السفن المتوسطة الحجم إذ تبلغ حمولتها ما يقارب 3000 منّ، ولكنها تمتاز بجودة صنعها وبصفاتها الملاحية الجيدة وبارتفاع حملاتها الممتدة على طول القاعدة، مما يزيد في مقدرتها على حمل البضاعة.
رحلات موافج
أول من قاد "موافج" إلى الهند النوخذة عبدالعزيز العثمان والد النوخذة عبدالوهاب العثمان، فقد تسلم قيادة هذه السفينة من سنة 1329هـ (1911م) حتى سنة 1333هـ (1915م)، ثم أسلم قيادتها للنوخذة عبداللطيف العثمان الذي سافر عليه ثلاث سنوات متتالية ثم تركه ليتسلمه أخوه النوخذة محمد العثمان.
وكان البوم "موافج" في هذه الرحلات ينقل التمور إلى الهند ويعود محملاً بالأخشاب. ويذكر الأستاد علي عبدالرسول أن "موافج" هو الذي قام بإحضار الأخشاب التي صنع منها بوم العثمان الشهير والمعروف باسم "تيسير".
ويروي النوخذة عبدالوهاب العثمان أنه في سنة 1330هـ (1912م) وبينما كان والده عبدالعزيز يقود "موافج" كان معه الأستاد حمود بن حسن. وفي الهند طلب منه الحاج عبدالعزيز أن يصنع له سفينة غوص (شوعي) ففعل وتم بناء السفينة على ساحل الملبار في الهند.
ولما حان موسم سفرهم إلى الكويت طلب الحاج عبدالعزيز من النوخذة أحمد الخرافي أن يحمل السفينة (الشوعي) على سطح سفينته المعروفة "منصور" فطلب مبلغاً يعادل 900 روبية لقاء ذلك. عندها عدل الحاج عبدالعزيز عن رأيه وقرر نقل الشوعي على سطح "موافج"، وقاس طول المقدمة وأوصى حمود بن حسن أن يقطع جزءاً من مقدمة الشوعي، ولما رفع على السطح كان هناك متسع له في المقدمة. عندها أبحر "موافج" إلى الكويت وعلى سطحه سفينة غوص وأطنان عديدة من الأخشاب والحبال وغيرها من الضروريات.
خدم "موافج" في النقل البحري الكويتي سنين طويلة، وكان يحظى بالتوفيق والعناية الإلهية. وبعد أن تركه النوخذة محمد العثمان تسلم قيادته العديد من النواخذة مثل القبطان الكويتي منصور الخارجي * وهو نوخذة ومعلم وصاحب لسان يتقن التحدث بالعديد من اللغات مثل العربية والفارسية والأردية ولغة ساحل الملبار وحتى اللغة السواحلية * كما قام بقيادته النوخذة يعقوب اليتامى، حتى بيع موافج على تاجر الأخشاب القديمة "غلوم" الذي "شتره" وباعه كأخشاب للوقود وألواح تستخدم لإصلاح السفن الصغيرة.
وبذلك تكون نهاية موافج كنهاية زميله "تيسير" الذي بيع على نفس التاجر، وانتهى إليه نفس ما انتهى إليه "موافج".
ولو سألت لماذا لم يُحفظ "موافج" و"تيسير" وغيرهما من سفن الكويت المميزة؟ لجاءك الجواب بأنه ما من أحد توقع في تلك السنوات أن هناك مارداً يدعى البترول سوف يظهر في الكويت ويقضي على عصر الشراع إلى الأبد.

المحمدي
سفينة أخرى لعائلة العثمان صنعها الأستاد حسين بن منصور. وقد أشرف على بنائها كبيرهم الحاج عبدالعزيز العثمان سنة 1936. وتبلغ حمولة" المحمدي" حوالي 2600 منّ، ويمتاز بحملاته المعتدلة، ويصفه النوخذة عيسى العثمان بأنه: "حمي وقوي الصنعة ويقبل في اليوش"، كما تبلغ سرعته 12 ميلاً في الظروف الجوية الملائمة.
أول من تسلّم قيادة "المحمدي" النوخذة يعقوب بن معيوف بشارة لمدة 5 سنوات ثم تسلم قيادته النوخذة عيسى العثمان من سنة 1942م وحتى سنة 1946م. وعلى يد هذا النوخذة خدم "المحمدي" النقل البحري الكويتي خدمة طيبة وحظي بالكثير من التوفيق وبخاصة في سنوات الحرب العالمية الثانية.
رحلات المحمدي
يتحدث النوخذة عيسى العثمان عن إحدى سفراته الصعبة على ظهر"المحمدي" فيقول: خرجنا من الكويت خالين من الحمل إلا من "الطعام"، وكانت وجهتنا إلى بومباي، وكانت تلك السنة تسمى سنة "البطاقة"(1942)، والسلع الضرورية كانت غالية الأثمان، فكيس الأرز كان يباع بحوالي 300 روبية، وكيس السكر بمبلغ 800 روبية، وأما أوقية الشاي فقد بلغ سعرها حوالي 50 روبية في الكويت.
وصلنا إلى بومباي وحملنا خشباً وإسمنتاً إلى كراتشي لاستخدامهما في عمل سكة القطار هناك، وحصلنا على 11000 روبية أجرة النقل، ثم رجعنا إلى بومباي وحملنا أقمشة بقيمة 15000 روبية. وكان معنا من السفن الأخرى بوم أحمد بشارة وبوم شمس الدين، وبوم سيد يعقوب وغيرهم عندما تركنا بومباي في طريقنا إلى الكويت.
وفي الطريق غابت عنا هذه السفن. وبعد حوالي 19 يوماً وصلنا إلى الكويت وأنزلنا بعض البحارة فيها وغادرناها بعد عشرة أيام إلى البصرة. وعندما وصلنا إلى البصرة كان لزاماً علينا أن ننتظر 40 يوماً حتى استطعنا أن ننزل ما عندنا من بضاعة، وحملنا بعد ذلك ستة خيول عربية إلى بومباي بمبلغ 900 روبية.
وعندما حان موعد سفرنا من البصرة رأينا السفن الأخرى التي خرجت معنا من بومباي قد بدأت في الوصول، ولما تحدثنا مع نواخذتها علمنا أن بعضهم لم يستطع الاستمرار في السفر، وكان عليه أن ينتظر الأسابيع الطويلة في بعض الموانئ تجنباً للعواصف.
وصلنا إلى بومباي بعد 17 يوماً، وهناك قابلنا النوخذة بلال الصقر وهو يستعد للسفر إلى الكويت. وحملنا ما استطعنا حمله من بضاعة وأسرعنا في السفر دون انتظار النوخذة بلال، فقد كان الوقت متأخراً (آخر الموسم).
وخرجنا قبله بأيام، وما إن ابتعدنا عن الساحل الهندي حتى ضربتنا عاصفة مخيفة فاضطررنا إلى النزول جنوباً في بحر العرب حتى جزر "سيشل" في المحيط الهندي. ثم هدأت العاصفة، واستسلمنا لريح "السهيلي" الجنوبي وأخذنا ما يقارب 18 يوماً للوصول إلى مسقط. كانت هذه العاصفة تسمى "ضربة الإكليل"، وفي هذا "الطوفان" البحري غرق بلال ومات هو ومعظم بحارته البالغ عددهم 45 شخصاً ما عدا 13 بحاراً استطاعوا النجاة.
وهذه قصة إحدى سفرات "المحمدي" الصعبة وليست الوحيدة في سنة 1946م.
حريق المحمدي
وبينما كان "المحمدي" يستريح في الكويت أمام منزل أصحابه إذا به يشتعل، وفي دقائق أصبح كتلة من النار الملتهبة، ولم يعرف السبب الذي أدى إلى احتراقه. لقد اعتبره أصحابه قضاءاً وقدراً.
لقد سلِم "المحمدي" من أهوال البحر ومصاعبه، ولكنه لم يسلم من النار التي أتت عليه وهو واقف على الساحل, فأحالته إلى كتلة من الرماد والمسامير

المحمدي الثاني
في عام 1365هـ (الموافق 1946م) اتفق التاجر عبدالله عبدالعزيز العثمان مع الأستاد علي عبدالله عبدالرسول على صنع سفينة له من نوع البوم السفار، وتم الاتفاق على أن يقوم التاجر عبدالله العثمان بتوفير الأخشاب اللازمة لهذه السفينة بينما يقوم الأستاد علي عبدالرسول بتوفير سبعة من القلاليف لبناء هذه السفينة، على أن يدفع له مبلغاً من المال يعادل 7500 روبية.
وفي 29 من ذي القعدة 1365هـ (24/10/1946م) تم مد قاعدة هذه السفينة، وفي 19 صفر 1366هـ (12/1/1947م) تم إنزالها للبحر لأول مرة.
وفي رسالة من عبدالله العثمان لابنه عيسى جاء أن هذه السفينة جاءت "على المطلب" (أي حسب المطلوب)، ولو أن صاحبها أراد أن تكون حمولتها أكثر من 2500 منّ لتحقق له ذلك.
وفي 6 ربيع أول 1366هـ (28/1/1947م) سافرت هذه السفينة إلى البصرة في أول رحلة لها إلى الهند، وكان دقلها مؤقتاً حتى أحضر لها النوخذة عيسى العثمان دقلاً من الهند حسبما طلب منه والده عبدالله، كما أحضر لها خشبة مناسبة للعارضة الرئيسة (الفرمن العود).
مواصفات المحمدي الثاني
يبلغ طول قاعدة السفينة حوالي 40 ذراعاً(60 قدماً). ويروي الأستاد علي عبدالرسول أن قاعدتها كانت من الخشب الفنص على غير العادة، حيث إن معظم خشب الكويت كانت قواعده من خشب الجنقلي. وكانت القاعدة بها بعض الانحناء في وسطها، ولكن الأستاد علي استخدم طريقة أدت إلى استقامة القاعدة.
وبدأ العمل واكتمل بناء السفينة بعد شهرين، وبلغت حمولتها حوالي 2500 منّ (188 طناً) وكان ذلك في سنة 1948. وأما الدقل العود فطوله 48 ذراعاً (72 قدماً)، وأما الفرمن العود فطوله 45 ذراعاً (67 قدماً) كما بلغ عرض السفينة حوالي 14 ذراعاً(21 قدماً) وارتفاعها حتى السطح العلوي حوالي 6.5 أذرع (10 أقدام)، وأما ارتفاع "السيبة" فهو ذراعان (3 أقدام).
رحلات المحمدي الثاني
أول من قاد هذه السفينة في أولى رحلاتها النوخذة سعود السميط ثم تسلمها صاحبها النوخذة عيسى العثمان وقادها حتى سنة 1953. وخلال تلك السنوات زارت هذه السفينة معظم موانئ الهند وإفريقيا (السواحل).
وفي سنوات حمل الذهب من الهند وإليها (1940 - 1950م) وضعت داخل هذه السفينة ماكينة (محرك) بالإضافة إلى الأشرعة عليها، وأصبحت "شراكة" مع التاجر فهد المرزوق منذ عام 1953، حيث ترك قيادتها النوخذة عيسى ليتسلمها نوخذة اسمه علي عبدالله.
وبعد سنوات من العمل في نقل الذهب إلى الهند تسلم قيادتها نوخذة آخر من خور "فكان"، وبسببه فُقدت هذه السفينة حيث استولى عليها الهنود في ساحل الملبار الهندي عام 1958م.

فتح الرحمن
في عام 1939 طلب النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان من صانع السفن الأستاد حسين بن منصور أن يصنع له سفينة من نوع البوم السفار، فجاءت هذه السفينة كسابقتها "تيسير" والتي صنعها هذا الأستاد من قبل، كأحد أفضل خشب الكويت، فقد بلغ حمل هذه السفينة حوالي 4000 منّ، وقد أعجب بها الأستاد علي عبدالرسول ومدحها وأثنى على أستادها حسين بن منصور.
رحلات فتح الرحمن
تسلّم قيادة هذه السفينة النوخذة أحمد عبداللطيف العثمان الذي روى هذه الحادثة التي مرت عليه حين كان على قيادة هذه السفينة في سنوات الحرب العالمية الثانية (1941م) قائلاً:
"أبحرنا من ميناء "كوة" الهندي في طريقنا إلى بر عمان، وكنا عدة سفن منها "الداو" بقيادة النوخذة عبدالوهاب بن عبدالعزيز القطامي وأنا في سفينتي " فتح الرحمن"، وبوم محمد الجارالله وسفينة لنوخذة من أهالي قطر يدعى محمد ولد الخال.
وبعد مسيرة حوالي 5 ساعات حل الظلام الوقت، وشاهدنا بوم بن جارالله وبوم ولد الخال في اتصال مع بعضهما البعض من خلال الإشارات الضوئية فظننت أنهما يودان العودة إلى ساحل الهند بعد أن اشتدت عليهما الريح نظراً لصغر سفينتيهما، فلم نهتم بأمرهما كثيراً وتابعنا مسيرنا.
ولكن بعد مدة اتضح لنا الأمر، فقد كانت هناك غواصة (ألمانية أو يابانية) تراقبهما وهما يتصلان ببعضهما عن طريق الإشارات الضوئية، وبعد فترة كانت تسير تحت سطح الماء بين السفينتين، حتى ظهرت لهما وأطلقت عليهما النار فأغرقتهما، وركب البحارة في قارب "الماشوه" ووصلوا (عن طريق التجديف) إلى بلد شمال ولاية "كوة".
وهناك أخبرا المسؤولين بما جرى لهما. أما نحن فلم نسمع عن هذه الحادثة إلا بعد وصولنا إلى مسقط، ولقد عرفت هذه الحادثة بطبعة ولد الخال".
استمر النوخذة أحمد العثمان في قيادة سفينته "فتح الرحمن" حتى عام 1951م حين باعها إلى أحد النواخذة من خور فكان، وكان الواسطة بينهما النوخذة راشد العسعوسي، فبيعت بمبلغ 71000 روبية.
ولقد استخدم النوخذة الجديد هذه السفينة سنتين وفي الثالثة كان يحمل بضاعة من شط العرب، وقد وضع في "فتح الرحمن" محركاً لدفعه بدلاً من الشراع. ولما أبحر من شط العرب وأصبح بالقرب من ميناء بوشهر الإيراني دخلت الماء ولم يستطع بحارتها إنقاذها فغرقت هذه السفينة الجيدة عام 1953م.

فتح الكريم والعثماني
كما امتلكت عائلة العثمان السفن التالية من نوع البوم السفار:
"فتح الكريم":
وهو في الأصل للنوخذة عبدالعزيز العثمان، وقد قام بقيادته النوخذة أحمد السبيعي لمدة 3 سنوات، وكان يعمل في خدمة النقل الشراعي الكويتي في عام 1928.
وقد عمل على البوم فتح الكريم السكوني محمد صالح خميس غانم الخشتي بالإضافة إلى البحار في فتح الكريم أيضاً عبدالرزاق الخشتي.
"العثماني":
وهو للنوخذة والتاجر عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان، وقد قام بقيادته النوخذة صالح المهيني عام 1943، كما قام بقيادته النوخذة يعقوب بشارة، وتبلغ حمولته 2600 منّ.

صناع خشب العثمان
(الأستادية)

إن صناعة ركوب البحر عملية تكاملية اشترك في إنجاحها مجموعة من النجوم المضيئة في سماء تاريخ الكويت البحري.
وقد تحدثنا عن دور النواخذة، ونواخذة السفر الشراعي بالتحديد في الريادة البحرية الكويتية طوال القرنين السابقين، ولكنهم لم يكونوا ليؤدوا هذا الدور دون جهود مخلصة ومضنية من آخرين. إنهم الأستادية والقلاليف البحارة بمختلف مستوياتهم الوظيفية على ظهر السفينة.
وفي هذا الكتاب سنستعين بما كتبه الباحث القدير د. يعقوب الحجي في كتابه "صناعة السفن الشراعية في الكويت"( )، وكذلك الباحث الأكاديمي المرحوم د. بدر الدين عباس الخصوصي في كتابه: "تاريخ صناعة السفن في الكويت وأنشطتها المختلفة"( ).
وتعرف صناعة السفن باسم "قلافة السفن"، و"قلافة" لفظة عربية ورد ذكرها في كتب اللغة( ): قلف السفينة أي خرز ألواحها بالليف، وجعل في خللها القار، والاسم القلافة، كما ورد أيضاً: قلف الشجرة أي نحّى عنها لحاءها، والقلف والقلافة بمعنى القشر.
وتنسب "قلافة السفن" إلى "القلاف" الذي يقوم بتسوية الأخشاب ونجارتها وقلافتها، وهي عملية شاقة للغاية حيث يعمل القلافون في ظروف صعبة من طلوع الشمس إلى غروبها.
وينتظم في حرفة "قلافة السفن" عدد من العمال يشرف عليهم " رئيس القلاليف" أو "الأستاد" الذي يقوم بتوجيه العمل بحكم خبرته في صناعة السفن، وهو بمثابة مهندس السفينة وواضع تصميمها وخطوطها الرئيسة بالفطرة والممارسة( ).
ولا تقتصر وظيفة "الأستاد" على بناء السفن فحسب، بل كانت تسند إليه مهمة إصلاحها كذلك، كما كان يعهد إليه بمرافقتها خلال رحلاتها الطويلة، لأن وجوده كان يشعر طاقمها بالأمان تجاه أية أخطار قد تصيب السفينة، ولذا كان "نواخذة" السفن يتنافسون على اصطحاب "الأساتدة" المشهورين، وذلك في مقابل "أسهم" يحصل عليها "الأستاد" تبلغ حوالي 250 روبية( ).
الأساتدة
وقد برز في الكويت عدد كبير من "الأساتذة" الذين كانت لهم شهرتهم ليس في الكويت فحسب، ولكن في منطقة الخليج العربي كذلك، مثل الحاج أحمد بن سليمان الذي يشيد به "ديكسون" وبأسرته المشهورة، كما ينوه بقدرته على عمل التصميمات المختلفة الخاصة بالقوارب، كما تشيد به ابنته "زهرة ديكسون" التي أقامت فترة طفولتها في الكويت عندما تقول:
".. إننا إذا مشينا في حوض بناء السفن الذي يملكه الحاج أحمد السلمان، رأينا العمال يقومون ببناء سفينة تعد أضخم السفن التي تصنع محلياً في الخليج.. (ذلك أن) الحاج أحمد يتمتع بشهرة واسعة في ميدان صناعة السفن.." ( ).
القلاليف
يساعد الأستاد في عمله مجموعة من بحاري السفينة ويسمون "القلاليف"، وهم الذين يقومون بتصنيع السفينة وإعداد خشبها، ومفردها "القلاف".
ويقسم د. يعقوب الحجي أجيال صناع السفن إلى ثلاثة أقسام:
الجيل الأول: وهم الرعيل الأول من الصناع الذين قدموا إلى الكويت من البحرين ومسقط وغيرهما من موانئ الخليج فأحضروا معهم خبراتهم الطويلة في صناعة السفن الشراعية الخليجية. هؤلاء الرجال لا يُعرف الكثير عنهم في هذه الأيام، ويمكن أن نرجح إنهاء هذا الجيل في منتصف القرن التاسع عشر.
ولم يكن هؤلاء الرجال يصنعون البوم السفار، ولكنهم اشتهروا بصناعة البغلة وسفن الغوص على اللؤلؤ، وصيد الأسماك وسفن النقل الساحلي والخليجي، التي كانت تصنع بحنكة وإتقان، بمعدل لوح واحد أو اثنين في اليوم. وكانت سفنهم، وبخاصة البغلة، آية في الجمال.
ولقد تتلمذ على هؤلاء الصناع جيل آخر من الصناع الكويتيين استمر من منتصف القرن التاسع عشر حتى الثلث الأول من القرن العشرين، وبذلك يكون هؤلاء من جيل المخضرمين، حيث إن بعضهم صنع العديد من البغلات والأبوام كذلك، ولمع منهم أفضل من عرفته الكويت من صناع سفن. ولقد عرف هذا الجيل المخضرم أيضاً بإتقان العمل، كما كانوا يصنعون السفن كبيرة الحجم * للسفر إلى الهند وإفريقيا * تلك التي تصل حمولتها أحيانا إلى 400 طن.
ولقد قام هذا الجيل على إعداد الجيل الثالث والأخير من صناع السفن الكويتيين وتدريبهم، وهو الجيل الذي امتاز بالسرعة في إنجاز العمل وبجمال الصنعة. إضافة إلى حرصه على بناء السفن ذات القدرات الملاحية الجيدة، وارتقى أفراده بالصناعة حتى عرفت الكويت بفضلهم أنها البلد الذي يصنع البوم السفار، كما لا يصنعه بلد سواها.
كما صنعوا اليخوت الجميلة لحكام الكويت، والسفن ذات المحركات (اللنجات) وسفن الغوص على اللؤلؤ وجميع أنواع السفن التي أثبت البوم السفار أنه أفضل منها استخداماً في البحار المتلاطمة، وأقل تكلفة وأسرع إنجازاً. ولقد تفنن هذا الجيل في صنع البوم السفار.
ويجدر بالذكر أن هؤلاء (الأستادية) اعتمدوا في عملهم على مجموعة من القلاليف الكويتيين الذين يعدون بحق أفضل قلاليف الخليج قاطبة من حيث الخبرة وإتقان العمل، وكأن كل سفينة يبنونها هي ملك لهم. وقد كانوا يتنافسون ويتسابقون فيما بينهم فلا يشعرون بانتهاء يومهم الطويل (منذ شروق الشمس وحتى الغروب) إلا بعد سماع أذان المغرب ينطلق من فوق المآذن المنتشرة على ساحل مدينة الكويت.
وبعد هذه المقدمة عن الأساتدة والقلاليف وأجيالهم الثلاثة، لعله من المناسب أن نُعرِّف بأشهر ثلاثة أساتدة قاموا بصنع أشهر خشب العثمان.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 10-08-2010, 12:17 PM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

حجي سلمان الأستاد
هو علَم من أعلام هذه الصناعة، وأحد أفضل صانعي السفن من جيل المخضرمين، صنع بعضاً من أفضل وأشهر "خشب" الكويت مثل بوم "بن رشدان" وبوم "ولد مبارك" وبوم "النامسة" وبوم "موافج" و"وحولي" وغيرهم. وكان كبار تجار الكويت يحرصون على أن تكون بعض سفنهم من تصميمه وصنعه.
ومات ولم يقل الطلب عليه وعلى فنه، ولم تزد سمعته إلا علواً وتقديراً, وترك جيلاً من الصناع درب بعضهم على أصول الصناعة فأصبحوا بدورهم "أستادية" مشهورين في صناعة السفن الكويتية.
ولد حجي سلمان في الكويت حوالي عام 1840م، ولم يعرف من علّمه فنون الصناعة، ولكنه تعلم بلا شك المبادئ الأولية من الصنّاع الذين سبقوه، وكان ذلك كافياً لجعل النوخذة الكويتي أحمد بن ناصر يصحبه معه في سفينته أثناء السفر.
ولا شك في أن النوخذة أحمد بن ناصر لاحظ النبوغ على الشاب سلمان وخبرته في شتى الظروف، وهذا ما جعله يطلب منه حين عودتهما للكويت أن يصنع له بغلة جديدة. لكن حجي سلمان فوجئ بالطلب، ورد بأنه لم يصنع بغلة من قبل، وربما كان الأمر عسيراً عليه. لكن النوخذة ابن ناصر أصر على أنه في استطاعته ذلك، وقدم له عربوناً لبدء الصناعة. لكن حجي سلمان طلب مهلة لكي يتشاور مع غيره من القلاليف، الذين سرعان ما شجعوه على البدء بالعمل ووعدوه بالمساعدة.
جمع حجي سلمان عدداً من القلاليف وبدأ في مد قاعدة السفينة ثم الأميال وبعدها بدأ جسد السفينة في التكوّن، ثم بدت الرقعة جميلة بزخارفها وشبابيكها الخمسة. وبعد عدة أشهر كانت جاهزة للإنزال إلى البحر، وكان إعجاب النوخذة أحمد بن ناصر بها كبيراً.
وبعد أن تم بناء هذه البغلة بدأت سمعة سلمان كأستاد تطرق آذان كبار النواخذة والتجار الكويتيين، وبدأ الطلب عليه يزداد لصنع البغال لهم. وحينما قل الطلب على البغال بعد أن حل البوم محلها، بدأ حجي سلمان في صنع الأبوام.
وحدث أن سمع عنه التاجر الكويتي حمد الصقر فأوصاه أن يصنع له سفينة من نوع البوم (ابن رشدان) التي أثبتت أنها إحدى أفضل السفن التي صنعت من نوع البوم في الكويت أو في غيرها من الموانئ الخليجية الأخرى.
وبعد أن لبى "ابن رشدان" الرغبة، طلب منه التاجر حمد الصقر أن يصنع له بوم "النامسة"، كما قام بصنع بوم "موافج" للعثمان، وبوم "حولي" للعسعوسي، وكان عمره عندما صنع "ابن رشدان" يقارب الخمسين عاماً.
واستمر حجي سلمان في صنع "الأبوام" وسفن الغوص مثل السنابيك والجوالبيت وغيرها، وكلها جديرة بالشهرة والإعجاب. وكانت آخر سفينة صنعها هي بوم "ولد مبارك" التي قال عندما كان يصنعها إنها آخر سفينة يصنعها.
وعندما سافر "بوم ولد مبارك" في رحلته الأولى إلى شط العرب توفي حجي سلمان الأستاد، ويكفي هذا الأستاد شهرة أن كل من رأى "بوم ولد مبارك" من النواخذة والأستادية قال إنه من أفضل ما يمكن أن يصنع من الأبوام.
وكان حجي سلمان الأستاد رجلاً طويلاً، له لحية بيضاء قصيرة، وكان يلف الغترة على رأسه ويمشي على طول الساحل والخيط في يده والطباشير في جيبه، يضع العلامات للقلاليف، وينتقي لها الألواح المناسبة، ويصمم أكثر من سفينة في نفس الوقت، وكان التاجر حمد الصقر ينزله منزلة خاصة ويكرمه ويخصص له وجبة إفطار في ديوانه كل يوم عندما كان يصنع السفن.
ويروي الأستاد علي عبدالرسول أنه ذات مرة، وبينما كان حجي سلمان يقوم بصنع بوم "ولد مبارك" أقبل عليه حمد الصقر وسأله عما إذا كان في استطاعته أن يقوم بقطع وتجهيز "الصوارات" أو الأعمدة التي يرتكز عليها سطح السفينة، قبل أن يكتمل بناء جسد السفينة الخارجي، فأجابه حجي سلمان بالإيجاب، مع أنه ليس من السهل على أي صانع أن يصمم جسد السفينة بواسطة النظر بحيث يطابق عرض السفينة طول الصوارات التي أعدت مسبقاً.
وما إن اكتمل بناء السفينة حتى طلب حجي سلمان من القلاليف إحضار الصوارات ووضعها في أماكنها، ولقد كانت دهشة التاجر حمد الصقر وغيره كبيرة عندما وجدوا أن طول كل واحد من الصوارات بحسب عرض السفينة تماماً.
درب حجي سلمان صناعاً أصبحوا فيما بعد من كبار صناع السفن الكويتيين، مثل ابنه أحمد بن سلمان والأستاد عبدالله بن محمد وابنه الأستاد محمد.
وفي سنة تسمى في تاريخ الكويت "سنة الرحمة" * حيث اجتاح المدينة وباء الطاعون عام 1336هـ (1918م) * توفي حجي سلمان الأستاد عن عمر يقارب الثمانين عاماً بعد أن ترك لنفسه مكانة باقية في تاريخ صناعة السفن الكويتية.
حسين بن منصور
قمة من القمم في تاريخ صناعة السفن الكويتية من الجيل الوسط أو المخضرمين، تعلم على يد أحد كبار صنّاع السفن الكويتية (الأستاد صالح بن راشد)، وصنع واحدة من أشهر وأجود "خشب" الكويت قاطبة وهو البوم "تيسير" للعثمان.
وكان يسافر في بداية شبابه على "خشب" تابعة لآل عبدالجليل المعروفين بامتلاكهم العديد من البغلات المستخدمة في التجارة بين الكويت والهند، ثم ما لبث أن ذاع صيته في الكويت وأخذ يصنع السفن الكبيرة والصغيرة للعثمان، حتى عرف بأنه "أستاد العثمان"، كما صنع العديد من السفن للتاجر فلاح الخرافي، إضافة إلى سفن الغوص الكثيرة.
ولد حسين بن منصور في حوالي سنة 1870م، وعندما كان يصنع البوم "تيسير" كان عمره يقارب خمسة وأربعين عاماً. وهو نحيف الجسم، هادئ الطباع، قليل الكلام. اشتهر بجودة الصنعة وبحرصه على الاقتصاد في استخدام الأخشاب.
ولقد روى النوخذة عبدالوهاب العثمان أنه أخبر الأستاد حسين بن منصور ذات مرة أنه لا توجد لديهم "كروة" لكي يستخدمها في صنع إحدى سفنهم فرد عليه الأستاد حسين بن منصور بكل هدوء وهو يضرب بالفأس قائلاً: "توجد كروة .. توجد كروة في العمارة".
ولما ذهب النوخذة عبدالوهاب إلى العمارة ورأى الكروة رجع إلى الأستاد حسين قائلاً: "إنها كروة لا تصلح"، فرد عليه الأستاد حسين قائلاً: "سوف أجعلها تصلح".
ويضيف النوخذة عبدالوهاب: وبعد أن تم ربط الكروة في جسد السفينة، نظرت إليها، وإذا بي أحس أنها كروة جيدة، وليست بالكروة التي رأيتها في العمارة.
وأما السفينة الصغيرة (الماشوه) التي صنعها الأستاد حسين بن منصور للتاجر فلاح الخرافي فقد كانت من بقايا أخشاب (ظهور) لم يشأ فلاح الخرافي أن يبيعها وقوداً للمنازل، بعد أن ظن أحد الصناع أنها لا تكفي لصنع ماشوه.
ولقد كان الأستاد حسين بن منصور، حلو المعشر وعذب الحديث، يتجمع حوله العديد من الصناع والقلاليف للاستماع إليه.
استمر الأستاد حسين بن منصور يصنع الأخشاب الجيدة، الواحدة تلو الأخرى للسفر وللغوص على اللؤلؤ حتى توفي في الكويت عام 1940م بعد أن عمّر حوالي سبعين عاماً، ولم يرث أحد فنه وأصالته.
علي عبدالله عبدالرسول
آخر الكبار من صنّاع السفن الكويتيين، ومن الصنّاع القلائل الذين تعلموا فنون هذه الصناعة عن العديد من كبارها، فقد عمل سنين طويلة مع الأستاد أحمد بن سلمان ومع الأستاد عبدالله بن محمد وابنه محمد بن عبدالله، كما تعلم بعض الوقت من الأستاد علي بن حسن والأستاد حمود بن حسن، عندما كان هذا الأخير يقوم بصنع البوم "كاكة" في الهند، فنشأ يملك خبرات جيدة ومتنوعة في صناعة السفن أكسبته مكانة مرموقة في تاريخ صناعة السفن الكويتية.
ولا يكفي أن نطلق على هذا الرجل لقب أستاد كبير فقط لأنه * كذلك * إنسان كبير عُرف بمحبته للآخرين واحترامهم وعدم التفوه بكلمة واحدة تعيبهم. إنه إنسان ذو نفس عالية وأخلاقه رفيعة، وتواضعه الجم جعل اسمه على لسان كل من له علاقة بالبحر والسفن والسفر في الكويت وفي العديد من موانئ الخليج.
كان حجي علي عبدالرسول ولداً يلعب مع الأولاد في حيهم (فريج البحارنة) عندما شاهده الأستاد أحمد بن سلمان، الذي أنّبه على اللعب مع الصغار قائلاً له: "لماذا تلعب مع الأطفال وأنت شاب كبير؟! لماذا لا تأتي عندي في العمارة وتتعلم؟! فهذا خير لك من اللعب مع الأطفال".
يقول الأستاد علي عبدالرسول: "إن كلمات الأستاد أحمد هذه تركت في نفسي أثراً كبيراً فعدت بعد ذلك إلى المنزل وأنا حزين، وفي اليوم التالي ذهبت إلى "العمارة" حيث وضع الأستاد أحمد في يدي "مجدحاً" وطلب مني التمرن على استخدامه.
وبعد ستة أشهر استطعت أن أدق المسامير في الألواح، وما إن أكملت السنة الأولى إلا وأنا قلاف أعمل فوق السطح مع القلاليف". وكان حجي أحمد في ذلك الوقت يرقبه عن كثب، وكأنه كان يحس بأن هناك طاقة كامنة في ذلك الشاب الصغير ستؤهله في يوم من الأيام لكي يصبح أستاداً له مكانته.
ومكث الشاب علي يتمرن على الصناعة على يد الأستاد أحمد بن سلمان مدة تقارب11 سنة تعلم خلالها كل ما وسعه تعلمه من ذلك الأستاد الكبير. ويروي أنه عندما كان يقوم بصنع جالبوت عمارة حجي أحمد في إحدى السنوات، أقبل عليه حجي أحمد وأخذ يتفحص الجالبوت، ثم قال له بعد ذلك "هذه جالبوت عظيمة .. أنا لا أستطيع أن أصنع مثلها". وكان ذلك بقصد التشجيع له بالطبع.
كما روى أنه في إحدى السنوات، وحينما كان يعمل في عمارة حجي أحمد ترك العمل فجأة وذهب إلى الساحل حيث وقف الرجال والنساء والأطفال ينتظرون عودة سفن الغوص بعد انتهاء الموسم (القفال). ولم يستطع أن يقاوم حبه لرؤية السفن الكثيرة عائدة إلى المدينة، ولما رآه الأستاد أحمد في اليوم التالي سأله عن سبب تركه للعمل فأجابه: "لم أستطع أن أقاوم نفسي .. لقد جذبني القفال إليه"، فابتسم حجي أحمد ولم يعاتبه على ذلك.
وترك عمارة حجي أحمد بعد ذلك، وعمل مع الأستاد عبدالله بن محمد، كما سافر لمدة سنتين مع النوخذة جاسم المبارك إلى الهند في بـوم "نايف"؛ حيـث عمل هناك مدة قصيرة مع الأستاد حمود بن حسن. ولقد استفاد كثيراً من سفراته هذه، حيث زادت خبرته في صنع السفن بحسب ما تتطلبه طبيعة الإبحار في بحر العرب والخليج.
ثم عمل مع الأستاد محمد بن عبدالله عندما كان يصنع السفينة المشهورة "المهلب" في سنة 1937، وفي تلك الأثناء، أعجب بعمله التاجر ثنيان الغانم الذي طلب منه صنع سفينة له (تشالة) لنقل الصخور إلى الساحل. لكن حجي علي تردد قائلاً إنه لم يسبق له أن صنع سفينة كبيرة، غير أن ثنيان شجعه قائلاً إنه سوف يوصي الأستاد أحمد بن سلمان بالمرور عليه والإشراف على عمله.
وبدأ العمل وأخذ حجي يمر عليه ويشجعه ويرشده، حتى اكتمل بناء السفينة، فأعجبت ثنيان الذي طلب منه صنع سفينة أخرى مثلها له.
ثم جاء الاختبار النهائي للشاب "علي" حين طلب منه ثنيان صنع سفينة له من البوم متوسطة الحجم. وقبل الشاب الطلب وبدأ العمل، وكان الأستاد أحمد يزوره من حين لآخر، وكان يقول له: "شغلك جيد.. داوم على استخدام الهنداسة .. لا تدعها تسقط من يدك..".
وانتهى بناء السفينة فكانت على أحسن ما يكون وعرفت باسم بوم "فتح الخير"، وكانت من السفن الجيدة الصنع و"الطويلة العمر" حيث سلمت من الضياع. وما زالت معروضة في معرض السفن الشراعية الكويتية.
وتوالت عليه الطلبات لصنع الأبوام، فصنع بوم "المثنى" لعبداللطيف محمد ثنيان، وبوم "اليارديلة" وبوم "الوسمي" لثنيان الغانم وأخيه محمد، وبوماً آخر للمرزوق وغيرها من السفن.
وجاءه الناس من مختلف الموانئ الخليجية يطلبون منه بناء سفن لهم، فكان يعطي خير ما عنده من فن ومهارة. وفي عام 1979م شاهد أحد القلاليف لا يحسن دق مسمار في لوح فأنبه قائلاً: "اضرب مسمارك جيداً، فأنا قد استلمت من صاحب السفينة مالاً ولم أستلم منه حصى".
وفي عام 1960م انتقل الأستاد علي عبدالرسول مع مجموعة من القلاليف إلى "عماير" لهم خارج مدينة الكويت في قرية الدوحة، وهناك في عمارته قام بصنع العشرات من سفن القطاعة وسفن صيد الأسماك.
وحين زارت الكويت الملكة إليزابيث * ملكة بريطانيا * في فبراير من عام 1979 قامت بزيارة لقرية الدوحة حيث استقبلها الأستاد علي عبدالرسول في عمارته وقدم لها الحلوى والقهوة، وتحدث لها عن طريقة أهل الكويت في صنع السفن.
وفي عام 1980م كلفه صاحب السمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد بصنع يخت خشبي له، فجاء هذا اليخت تحفة فنية، وهو في الواقع من أجمل ما صنع من يخوت في الكويت.
ثم فاجأه الغزو العراقي عام 1990، وصمد في منزله مع الصامدين، وتحمل إهانات الغزاة بقوة إيمانه وصبره حتى منَّ الله على الكويت بالتحرير، فعاد ديوانه عامراً برجاله.
وفي عام 1994م تمكن د. يعقوب يوسف الحجي من العثور على البوم الكويتي "فتح الخير"، وهو أول سفينة من نوع البوم قام بصنعها الأستاد علي عبدالرسول، وأعيدت إلى الكويت وقام الأستاد علي بترميمها بمساعدة أخيه الأستاد حسن.
ولقد كانت فرحة الأستاد علي بهذه السفينة كبيرة. ولما أعدت لزيارة صاحب السمو أمير البلاد، فاجأه القدر المحتوم فجر الأربعاء 6/12/1995م، عن عمر يناهز التسعين عاماً، فكانت الخسارة به كبيرة لا تعوض.


النواخذة الآخرون الذين ركبوا خشب العثمان

كان الأسطول الذي يملكه نواخذة العثمان كبيراً بحيث لا يمكن أن يقودوا جميع سفنه فاستعانوا بنواخذة أكفاء من أهل الكويت، كما أن بعضهم عندما فتح الله عليه وامتلك أكثر من سفينة وزاد نشاطه التجاري آثر إدارة العمل من الكويت وتسيير السفن مع الاستعانة بنواخذة آخرين يتم انتقاؤهم بشكل جيد.
وبعد معرفة رصيد تجاربهم السابقة، ورغم أنهم كثيرون، إلا إننا سنقف عند من عرفنا منهم.
ويكفى استعراض السير المختصرة( ) لهؤلاء النواخذة لمعرفة حجم الأسطول البحري لعائلة العثمان واستيعابه للكفاءات البشرية المتاحة وجديته وتفاعله مع نبض الشارع الكويتي بل الخليجي آنذاك من حيث توفيره معظم احتياجاته من شرق المحيط الهندي وغربه.
وبالإضافة إلى النواخذة المذكورين في الصفحات التالية نذكر أسماء نواخذة آخرين ركبوا خشب العثمان ولكن لم تتيسر لنا معرفة نبذة كافية عنهم بحيث نفرد لهم حديثاً خاصاً، ونكتفي بذكر أسمائهم فيما يلي:
1- النوخذة محمد صالح زكريا الأنصاري.
2- النوخذة يوسف معتوق المعتوق.
3- النوخذة عبدالله الجيران.
4- النوخذة عمر درباس العمر الدرباس.

النوخذة إبراهيم علي بن شايع
ولد النوخذة إبراهيم بن الشايع في فريج بورسلي الواقع بالحي الشرقي في مدينة الكويت القديمة حوالي عام 1880م، وعاش في بيئة بحرية، فوالده النوخذة علي بن شايع كانت لديه سفينة من سفن الغوص من نوع "الشوعي"، عمل عليها بالتعاون مع أشقائه في مواسم عديدة، وأيضاً تنوخذ في سفن الشراع البحري، التي وصل بها إلى شواطئ الهند وشرق إفريقيا.. وكان قد أخذ هذه المهنة عن والده، الذي اعتاد اصطحابه معه لتعلم مهنة الآباء والأجداد واكتساب الخبرة وعلوم وفنون أهل البحر.
في حوالي عام 1900م أصبح النوخذة إبراهيم بن شايع نوخذة سفر عن دراية تامة وتولى قيادة إحدى سفن التاجر الكويتي المعروف ثنيان الغانم لفترة طويلة جاوزت العشرين عاماً، وبعدها تولى قيادة (بوم) التاجر الكويتي عبدالعزيز بن عثمان، المعروف باسم "تيسير" لمدة خمس سنوات.
وصل النوخذة إبراهيم بن شايع إلى كافة مدن وموانئ الهند، بالإضافة إلى معظم مدن وموانئ شرق أفريقيا، وأصبحت هذه الموانئ * رغم صعوبتها وبالأخص الأفريقية منها * كأنها موانئ الخليج العربي لسهولة معرفتها نتيجة الخبرة والمعرفة.
والنوخذة إبراهيم بن علي بن شايع من النواخذة الحذرين، فليس معروفاً عنه أنه يخاطر في الظروف الجوية الصعبة أو أنه "نوخذا شداد" بل دائماً على سعة من أمره.
ركب أول الأمر نوخذة في بوم للتاجر ثنيان الغانم عدة سنوات، ثم في بوم كان في الأصل لأحد أهالي ساحل فارس (تنكسيري)، ثم صنعت له سفينة عبارة عن بوم متوسط الحمل قاده عدة سنوات.
لكن السفينة التي اشتهر النوخذة إبراهيم بن شايع بقيادتها هي بوم العثمان "تيسير"، فقد تسلم قيادة هذه السفينة عام 1942م، ولمدة خمس سنوات متصلة، وأبحر بها إلى موانئ الهند وساحل إفريقيا الشرقي، كما فعل ذلك قبله النوخذة درباس العمر.
ويذكر المجدمي فهد صالح الطراروة أنهم حين دخولهم شط العرب في البوم "تيسير" هذا وبقيادة النوخذة إبراهيم بن شايع حدث أن تصادم "تيسير" مع بوم العصفور "إقبال" عند مدخل الشط، مما أدى إلى كسر مقدمة بوم العصفور، لكن النوخذة عبدالوهاب العثمان صاحب البوم تيسير والنوخذة محمود العصفور تفاهما فيما بينهما، ولم يحصل ما يكدر الخاطر.
هذه أهم السفن التي قام بقيادتها النوخذة إبراهيم بن شايع حتى كسد سوق السفر الشراعي وتوفي رحمه الله عام 1990م بعد سنوات قضاها في صناعة ركوب البحر بجد واجتهاد.

النوخذة إبراهيم عبدالعزيز المشعل
عائلة المشعل من نواخذة الحي القبلي المعروفين، كبيرهم النوخذة إبراهيم المشعل الذي علم ابنيه عبدالعزيز وعلياً ركوب السفن الشراعية وقيادتها، فخدما في النقل الشراعي الكويتي سنين طويلة.
والمشعل من النواخذة الكويتيين القلائل الذين امتهنوا قيادة السفن الشراعية إلى الهند وذهبوا كذلك في رحلات للغوص على اللؤلؤ، فقد كان النوخذة إبراهيم يأخذ معه ابنيه عبدالعزيز وعلياً ويركب سفينة غوص ويبحر إلى مغاصات اللؤلؤ في فصل الصيف حين يعود من رحلته من الهند، لذا اتسعت خبرة هؤلاء النوخذة البحرية، وعرفوا طبيعة البحر داخل الخليج، وبخاصة "بحر العدان".
ولد النوخذة إبراهيم بالكويت لأب آتٍ من نجد ولا يعرف عن البحر سوى اسمه، فتعهد آل العبدالرزاق ابنه إبراهيم بالرعاية، وأخذوه معهم إلى الهند وهو شاب لا يتجاوز العاشرة من عمره، وهناك تعلم في إحدى المدارس ثم بدأ ركوب البحر.
ولما تعلم قيادة السفن الشراعية اشترك مع أحد تجار قطر من آل المانع في سفينة صغيرة كان يقودها إلى الهند وله نصف الأرباح، حتى طلب منه التاجر عبدالرحمن الزياني في البحرين أن يذهب للهند لقيادة السفينة الكبيرة "نور البر والبحر".
ولما حان موعد الإقلاع بهذه السفينة فاجأتهم عاصفة ممطرة في ميناء كاليكوت الهندي، فغرقت السفينة قبل أن تبحر، فعاد للكويت، وتسلم قيادة بعض السفن لعائلة المرزوق لعدد من السنوات. حتى تم صنع "مركب الغانم" للتاجر والنوخذة أحمد الغانم، فقام بقيادة هذه السفينة الضخمة ثلاث سنوات، وكان يرافقه ابنه النوخذة علي المشعل الذي روى تفاصيل إحدى هذه الرحلات كما يلي:
"لما قامت الحرب العالمية الثانية، تركنا الكويت إلى البصرة حاملين أكياساً من الشعير، التي أبحرنا بها إلى دبي حيث بعناها هناك ورجعنا إلى الكويت. وسمعنا أن مندوب الملك عبدالعزيز آل سعود قد طلب شراء أعداد كبيرة من القدور والأواني المنزلية المتوفرة في أسواق الكويت، فشحنا المركب (مركب الغانم) بالأواني وأبحرنا إلى جدة داخل البحر الأحمر.
ولأن الوالد إبراهيم لم يبحر داخل البحر الأحمر من قبل، فقد استأجرنا رباناً من عدن بمبلغ 500 روبية، وكنا نبحر نهاراً ونتوقف ليلاً نظراً لانتشار الشعاب المرجانية في جميع أجزاء ذلك البحر، وكان الربان يصعد نهاراً إلى أعلى الصاري ويجلس على خشبة "جالي" ويشير لنا بيده على الطريق الآمن، وكنا نرسل له الغداء وهو في مكانه أعلى الصاري يراقب الطريق.
وبعد 15 يوماً وصلنا ميناء جدة، واستقبلنا مندوب الملك عبدالعزيز عبدالله السليمان، الذي كان صديقاً للنوخذة إبراهيم المشعل عندما كانا في الهند. وأنزلنا البضاعة ولم نرجع بالمركب، بل ركبنا السيارات إلى مكة، فأدينا العمرة ثم اتجهنا للرياض حيث قابلنا الملك عبدالعزيز الذي جهز لنا السيارات للعودة إلى الكويت".
يقول الأستاذ محمد أحمد الرشيد "النوخذة إبراهيم المشعل رجل فاضل، ومع أنه لا يحسن القياس وتحديد خطوط الطول والعرض إلا أنه خبير بأمور السفر الشراعي والرياح والمجاري البحرية، وهو خبير وصائب الرأي".
وكان بعض النواخذة يستشيرونه أثناء رحلاتهم البحرية لما يتمتع به من سمعة وخبرة. وهو نوخذة جريء، وقد حدث في رحلة له أنه كان يحمل شحنة من السلاح من مسقط للكويت، ولما علمت البحرية البريطانية بأمر السلاح طاردته وألقت القبض عليه قرب خورفكان داخل الخليج، فصادرت الشحنة وأشعل جنودها النار في السفينة، وتركوا النوخذة إبراهيم وبحارته على الساحل حتى أتى من أعادهم للكويت، حيث ركب النوخذة إبراهيم في قيادة سفينة شراعية أخرى.
استمر النوخذة إبراهيم المشعل في قيادة السفن وهو شيخ متقدم في السن، فقد ركب في قيادة البوم "تيسير" بعد أن نزل عنه النوخذة عبدالوهاب العثمان، بعد سنوات طويلة من قيادته لهذه السفينة المشهورة.
ولم يترك السفر الشراعي إلا في نهاية الأربعينيات من هذا القرن حين توقف النقل الشراعي الكويتي، وامتنع البحارة عن السفر.
يقول حفيده منصور المشعل إن جده إبراهيم كان إذا اجتمع بالنوخذة أحمد الخرافي والنوخذة عبداللطيف العثمان، فإن هؤلاء الثلاثة يبدون وكأنهم قد أتوا حديثاً من نجد، ولكنهم حين يقودون السفن الشراعية فإنهم أبعد ما يكونون عن نجد وأهله.
ترك النوخذة إبراهيم المشعل السفر في أوائل الخمسينيات من هذا القرن. وفي شهر مايو عام 1951م حصل على جواز سفر كويتي، وبدأ يسافر إلى العراق عن طريق البَر.
ولعل النوخذة إبراهيم من أوائل الكويتيين الذين حصلوا على جوازات سفر حكومية بعد استلام الشيخ عبدالله السالم الحكم في الكويت.
وفي عام 1955م ألم به المرض، فذهب إلى البحرين للعلاج، لكنه توفي أثناء إجراء العملية عام 1955م، بعد أن بلغ من العمر حوالي 85 عاماً، ودفن هناك.

النوخذة أحمد صالح السبيعي
أحمد السبيعي نوخذة متعدد الخبرات كثير التجارب حسن التدريب. فقد ساعده الحظ أن يركب مع النوخذة والقبطان عبدالوهاب العثمان في البوم "تيسير" تلك السفينة التاريخية. ركب فيها أربع سنوات، تعلم خلالها فنون السفر والملاحة على واحد من رجالها المعدودين، ولقد بلغت ثقة النوخذة عبدالوهاب به درجة دفعته لأن يسلمه قيادة تيسير في رحلة من الكويت إلى شط العرب وهو ما زال دون الثامنة عشرة من عمره.
وحين وصل بسلام، وذهب بأوراقه إلى الجمارك، لم يصدق المسؤول العراقي هناك أن هذا الشاب هو نوخذة البوم تيسير. لكنه حين تيقن من ذلك أجلسه بالقرب منه، وقدم له كوباً من الحليب. وهذه إشارة إلى التكريم والتقدير آنذاك.
وبعد أن تعلم كل ما استطاع تعلمه من النوخذة عبدالوهاب، ركب مع النوخذة عبدالله العثمان في سفينته "فتح الكريم" كمعلم يقيس له مواقع السفينة في عرض البحر، ولقد كان الطلب على مثل هؤلاء الملاحين المعالمة كبيراً في الكويت آنذاك. ولم يكن هناك غنىً عنهم حين السفر من الهند إلى الكويت مباشرة. لذا كان بعض النواخذة ممن لا يحسنون القياس، يصحبون معهم "معلماً" لمساعدتهم.
ركب النوخذة أحمد السبيعي بعد ذلك مع النوخذة يعقوب بشارة في بوم "المحمدي" ثم مع النوخذة إبراهيم المشعل، وكذلك مع النوخذة راشد المبارك لمساعدتهم كمعلم، ثم مع النوخذة إبراهيم بن شايع في البوم تيسير لمدة ثلاث سنوات، وبعدها مع النوخذة محمد صالح في بوم للعثمان ذي حمولة تقدر بحوالي 2500 منٍ، غير أن هذه الرحلة لم تكن بالرحلة المريحة أو السهلة.
كانوا في كاليكوت عام 1940م، وفي طريقهم للكويت (معلين) مرّوا بالقرب من جزيرة الشيخ في الخليج، فضربتهم سراية (عواصف تهب في موسم السرايات في إبريل) صحبها برق شديد جعل جزءاً من الصاري فحماً متناثراً، وألقى بستة من البحارة داخل جوف السفينة، الواحد فوق الآخر، وبعد أن انسلخت أجزاء من جلودهم بفعل الحرارة. وبعد أن كانوا "قديرين" بالصاري، رفعوا الأشرعة ووصلوا البحرين بسلام، حيث حملوا جرحاهم إلى المستشفي.
لكن النوخذة أحمد السبيعي ركب هذه السفينة في رحلة أخرى (مطراش ثاني)، مع النوخذة محمد صالح ذاته، فبعد أن باعوا التمر في الهند، واشتروا الأخشاب، وأبحروا باتجاه الكويت، لم يحدث لهم ما يكدرهم.
ولكنهم حين اقتربوا من رأس الزور توفي النوخذة محمد صالح (كان شيخاً كبير السن آنذاك)، فاضطروا لدفنه في ذلك المكان، ولما شاهدوا سيارة شحن تمر بالقرب منهم، أوصوا بنقل الخبر المحزن إلى ديوان العثمان حتى يبلغوا أهل النوخذة بالخبر. وحين وصلت بالسفينة إلى الكويت علم النوخذة أحمد أن الخبر قد وصل إلى ديوان العثمان قبل ساعات قليلة من وصولهم.
وفي رحلة أخرى له مع النوخذة إبراهيم بن شايع على السفينة تيسير، تركوا ميناء جوه الهندي في طريقهم إلى الكويت. وكانت الريح تهب عليهم بقوة، فأنزل شراع البومية الأمامي، ولشدة الهواء ضرب أحد حبال الشراع المقدمي، وألقاه بحراً. فقام النوخذة أحمد بإلقاء الدلو عليه، فضربت رأسه، ولم يستطع أن يمسك بحبلها، فما كان من أحد البحارة إلا أن ألقى نفسه عليه، وتم بعد جهد إنقاذ الاثنين في جنح الليل وظلامه الدامس.
بعد ذلك بدأ النوخذة أحمد يقود سفينته بنفسه، وأصبح نوخذة بوم العثمان "فتح الكريم" لمدة ثلاث سنوات، ثم نوخذة في البوم "المحمدي" لمدة سنتين، ثم في سفينة ذات محرك (لنج) للنوخذة عبداللطيف العثمان لسنوات قليلة، بدأ بعدها السفر البحري يفقد مكانته وأهميته، فترك النوخذة أحمد البحر عام 1952م بعد أحد عشر عاماً متصلة من السفر الشراعي.
"نعم يعنّ البحر عليّ، وما زالت صلتي به قوية وباقية، وكذلك بالرجال الذين رابعتهم أحسن ربعة".
هذا ملخص رأي النوخذة أحمد السبيعي بعد تلك المسيرة المباركة.


النوخذة حسن علي الشطي
النوخذة حسن من نواخذة الكويت المشهود لهم بالقدرات الملاحية الجيدة والقياس الجيد. وهو من نواخذة "فريج سعود" المعروفين.
فبعد إتقانه الملاحة والقياس ركب معلماً في سفينة الصقر المعروفة باسم "الداو" يساعد النوخذة في تحديد مواقع السفينة في عرض البحار.
وفي العشرينات من هذا القرن أصبح نوخذا في سفينة من نوع البوم للتاجر فلاح عبدالمحسن الخرافي واسمه "الناصري"، وظل يقوده لمدة خمسة عشرة سنة متصلة.
ثم أصبح نوخذة لأحد أبوام عائلة العثمان عام 1936م ولمدة عامين، ثم في بوم آخر اسمه "سمحان لمدة عام واحد. انتقل بعدها إلى قيادة سفينة للنوخذة والتاجر عبداللطيف العثمان لمدة 3 سنوات تقريباً.
ثم ترك السفر وتفرغ للعمل التجاري حيث كانت له عمارة خاصة به تقع على ساحل البحر في فريج سعود, وكان يبيع فيها الأخشاب ولوازم السفن، حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى في محرم من عام 1374هـ الموافق أغسطس 1954م.

النوخذة درباس العمر الدرباس
عائلة العَمَر (بفتح العين) الدرباس من عائلات منطقة القبلة التي امتهن رجالها حرفة قيادة السفن الشراعية منذ زمن طويل وبرعوا فيها. كان كبيرهم عمر بن درباس نوخذة في بغلة للشيخ جابر الصباح الملقب بجابر العيش. وكان ابنه محمد شخصية معروفة في فريج سعود، وكان يتمتع باحترام وثقة أهل الفريج.
ولقد شجع هذا الرجل أولاده الثلاثة درباس وأحمد وعبدالله على ركوب البحر وقيادة السفن الشراعية، فأصبحوا بدورهم من نواخذة الكويت المعروفين. كما قام كل واحد منهم بتدريب أحد أبنائه حتى أصبح أبناؤهم عمر وسليمان وجاسم بدورهم نواخذة قاموا بقيادة السفن الشراعية، حتى توقف السفر الشراعي الكويتي.
أما النوخذة درباس العمر فقد قام بقيادة العديد من السفن الشراعية. أولها سفينة للملك عبدالعزيز آل سعود لنقل المواد الغذائية من شط العرب إلى السواحل الشرقية للمملكة العربية السعودية عام 1946م.
ولعل هذه السفينة هي مركب الغانم مشرف التي استلم قيادتها النوخذة إبراهيم المشعل كذلك. غير أن أشهر سفينة تولى قيادتها النوخذة درباس هي بوم العثمان المعروف باسم "تيسير" حيث استلم قيادتها عام 1935م ولمدة خمس سنوات متصلة.
وفي إحدى رحلاته على هذه السفينة كان معه المجدمي محمد بن عمران، الذي قصَّ على الباحث د. يعقوب يوسف الحجي أهم ما حدث في هذه الرحلة، على النحو التالي:
"كنا في بوم العثمان في طريقنا للهند ونوخذانا درباس العمر ومعه ابنه عمر "معلماً" فانكسر الصاري من الأعلى فأخذ النوخذة درباس يفكر في حل لهذه المشكلة، أما أنا فقد التزمت الصمت وانتظرت لكي أرى ما سيعمله النوخذة درباس. الذي بدأ بعد مدة ينادي البحارة واحداً واحداً ويسأله عن رأيه في كيفية حل المشكلة، ولكن البحارة لم يهتدوا إلى حل جيد، فناداني النوخذة درباس وطلب مني التفكير في حل، بعد أن عجز هو عن الوصول إلى الحل. عندها أشرت عليه بالحل، وعاد "تيسير" إلى الإبحار إلى الهند".
ويضيف المجدمي بن عمران: "إن النوخذة درباس لا يكابر، بل إنه يحاول الوصول إلى أفضل رأي حين يعجز هو عن فرض حل معين على السفينة، كما أنه "شداد على المحمل".
كما يروي أحد أحفاده أن النوخذة درباس كان مسافراً في الخليج على إحدى البواخر الأجنبية ومعه صديقه التاجر فلاح الخرافي، فأحس بأن الباخرة مقبلة على صعوبات، نظراً لوجود شعاب مرجانية محلية في طريقها غير موضحة على الخرائط الملاحية.
فلما أخبر صديقه فلاحاً بهذا، قام فلاح وأخذ يلوح بعباءته باتجاه غرفة القبطان، الذي أرسل إليه يطلب تفسيراً لما يريده، ولما قابله النوخذة درباس وأخبره بوجود شعاب مرجانية في الطريق، شكره القبطان ووضعه وصديقه فلاحاً في مكان خاص في السفينة حتى نهاية الرحلة.
ترك النوخذة درباس ركوب البحر في أواخر الأربعينيات، وكانت له عمارة يجلس فيها كل يوم، ثم ترك العمارة بعد أن هدمت الأحياء الشرقية والقبلية في مدينة الكويت، وانتقل إلى منزل جديد حتى وفاته في شهر يوليو من صيف عام 1971م.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 10-08-2010, 12:18 PM
الصورة الرمزية فتى البارق النجدي
فتى البارق النجدي فتى البارق النجدي غير متواجد حالياً
عضو مخالف، تحت الملاحظة، النقاط: 1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 48
افتراضي

النوخذة راشد مبارك المبارك
نشأ النوخذة راشد المبارك في بيت معظم رجاله من النواخذة، ونحا منحى عميه جاسم وعلي المبارك، وتعلم منهما ومن والده مبارك قيادة السفن الشراعية، ولما أصبح بإمكانه قيادة السفن الشراعية طلب منه التاجر ثنيان الغانم أن يقود سفينة صغيرة له، فظل يقودها، حتى صنع له سفينة جديدة من نوع البوم هي البوم "نايف"، وقام بقيادته سنوات طويلة من الكويت إلى الهند وبالعكس.
وقد ركب معه في هذه السفينة صانع السفن الكبير الأستاد علي عبدالرسول الذي لا يشيد بصفات "نايف"، كثيراً، لكنه يمدح النوخذة راشداً وقيادته الطيبة لهذه السفينة "نايف"، وكثيراً ما كان النوخذة راشد المبارك يبحر بصحبة نواخذة آخرين مثل النوخذة الكبير راشد العسعوسي. وكانت تلك الرحلات (كما يذكر الأستاد علي عبدالرسول) مسلية وتعلم الإنسان الكثير من الأمور.
ولم تكن السفينة "نايف" الوحيدة التي قام بقيادتها النوخذة راشد المبارك، فقد تسلم قيادة سفينة العثمان المشهورة "تيسير" سنة واحدة بعد أن ترك قيادتها النوخذة عبدالوهاب العثمان، كما أن معظم رحلاته كان إلى الهند، ولم يذهب إلى ساحل إفريقيا الشرقي، وقد توفي في الكويت في أوائل الستينات من هذا القرن العشرين.

النوخذة صالح المهيني
ظهر في عائلة المهيني العديد من نواخذة السفر الشراعي، كبيرهم النوخذة علي المهيني الذي درب ابن أخيه صالحاً على قيادة السفن الشراعية، فقام هذا الأخير بتدريب أخيه وابنيْ عمه سليمان ويوسف العلي المهيني أصول الملاحة والسفر.
أما النوخذة صالح فقد اشتهر من بين نواخذة "الهرفي"، والهرفي تعني بداية نقل التمر من البصرة (شط العرب) إلى الهند، حيث تسابق النواخذة (نواخذة الهرفي) لبيع التمور في أسواق الهند نظراً لأن الحكومة الهندية كانت تعفي هذه السفن المبكرة في الوصول إلى الهند من الضرائب.
ولا ينضج جميع أنواع التمر في موسم الهرفي (في شهر أغسطس)، بل أنواع معينة فقط، أما باقي الأنواع فلا تنضج إلا في حوالي شهر أكتوبر.
ولما كان نواخذة الهرفي يبحرون إلى الهند مبكراً، فقد كانوا عرضة لهبوب عواصف تسمى "الأحيمر" تغرق السفن ومن فيها، فهم من أشد نواخذة الكويت جرأة وشجاعة.
ركب النوخذة صالح المهيني مع عمه النوخذة علي لتعلم أصول الملاحة وقيادة السفن الشراعية، وما إن أكمل العشرين من العمر تقريباً حتى أصبح نوخذةً على بوم صغير يملكه والده وعمه النوخذة علي وكذلك عائلة الصقر، واسم هذه السفينة "التوكلي".
وكانت أولى رحلاته في موسم الهرفي إلى كراتشي، وكان يرافقه النوخذة أحمد القصار (من نواخذة الهرفي كذلك) على سفينة تابعة لعائلة المرزوق. واستمر النوخذة صالح ينقل التمر في موسم الهرفي كل عام على سفن تابعة لعائلة الصقر أكثر من 14 عاماً، حتى عرف بأنه نوخذة الصقر، وكان يقوم أحياناً بثلاث رحلات (ثلاثة مطاريش) في الموسم الواحد.
يصف الأستاد علي عبدالرسول صانع السفن النوخذة صالحاً بأنه "سبع والبحارة لا ينامون الليل معه حين يشتد عليهم البحر" كما أن النوخذة صالح جريء وبخاصة في سنوات الحرب العالمية الثانية حين تكون الموانئ مزروعة في مداخلها بالألغام البحرية.
وفي مقابلة أجراها د. يعقوب الحجي مع النوخذة صالح تحدث له عن بعض رحلاته في البحر، وكانت إحداها الرحلة التالية:
"كنت أبحر بالقرب من ميناء بوشهر حين هبت علينا رياح الكوس (الجنوبية) وكاد الماء يركب من فوق "الدراريب" فقال لي المجدمي (رئيس البحارة) إن البحارة تعبوا من العمل المتواصل لنزف الماء من السفينة، فقررت أن أدخل ميناء بوشهر. واقتربنا من المدخل ونحن نقيس القاع "بالبلد"، ونبحر بحذر نظراً لأن القاع لا يزيد عمقه على أربعة "أبوع" عند المدخل.
ودخلنا البندر بسلام، واسترحنا حتى اليوم التالي ثم أبحرنا إلى كراتشي ووصلناها بعد تسعة أيام، وهناك استقبلنا التاجر عبدالعزيز الصقر وحمد الله على سلامتنا، فأنزلنا التمر وأبحرنا جنوباً إلى بومباي.
ولما كانت الحرب العالمية الثانية ما زالت مشتعلة، فقد طلب منا التجار الهنود في بومباي نقل أقمشة خاصة بهم إلى البصرة، لكن التاجر عبدالعزيز الصقر (ومعه الشايع) لم يوافقوا على ذلك وشحنوا سفينتنا ببضاعة خاصة بهم إلى الكويت (مثل الشاي والأقمشة)، وأعطوني 500 روبية إكرامية، وكذلك أعطوا البحارة إكرامية.
وبعد 18 يوماً وصلنا بوشهر ثم وصلنا بعدها الكويت حيث استرحنا أياماً معدودة ثم أبحرنا للشط (البصرة)، ثم إلى كراتشي مرة ثانية (مطراش ثاني)، ثم إلى بومباي حيث حملنا بضاعة لأحد التجار من دولة قطر. وحين وصولنا قطر وصلتني برقية من الكويت تفيد بأنني رزقت ولداً هو ابني البكر محمد، فأبحرت مسرعاً باتجاه الكويت، لكن الهواء كان ضدي، ولم أصل إلا بعد 11 يوماً (مياوش)".
أما قصة النوخذة صالح حين أحضر "التموين" أيام الحرب العالمية الثانية للكويت هو والنوخذة عيسى النشمي، فقد نشرتها جريدة القبس بالتفصيل. وفيها يذكر النوخذة صالح أنه هو والنوخذة عيسى النشمي أول من أحضر الأرز للكويت حين بدأت الحرب العالمية الثانية، وقلّت المؤونة في الكويت والخليج.
وبعد سنوات من قيادة النوخذة صالح لسفن الصقر (كان في السفينة قتيبة) ترك صالح سفينته وركب في عام 1943م سفينة لعائلة العثمان هي البوم "فتح الكريم". وتم الاتفاق بينه وبين النوخذة عبدالوهاب على قيادة هذه السفينة، وقد نشرت جريدة القبس( ) في ملحقها تفاصيل رحلة النوخذة صالح هذه. ثم عاد النوخذة صالح إلى العمل في سفن تابعة للصقر، وكان خلالها يقوم بتدريب أخيه أحمد وابن عمه النوخذة سلميان المهيني.
أما أحمد فقد تسلم قيادة البوم "مشهور" بعد أن تركه أخوه صالح لمدة تقدر بحوالي 8 سنوات، ثم ترك البحر بعد ذلك، وأما النوخذة صالح فقد استمر في ركوب السفن الشراعية حتى "طاح" السفر، وتوقف "الهرفي" فلزم الكويت وعمل مرشداً في الميناء سنوات طويلة مع رفيق السفر النوخذة عيسى النشمي.
وكان ذلك في العام 1954م بعد أن خدم في النقل الشراعي مدة تقارب الأربعين عاماً.
يقول د. يعقوب الحجي:
سألت النوخذة صالحاً عام 1984م هل يشعر بالشوق لركوب البحر ثانية فأجاب:
"الشوق للبحر والسفر موجود، لكن الزمن تغير وبقيت الذكريات، وهذه الأيام حين أمشي في السوق وأقابل أحد بحارتي فإنهم يقبلونني ويسلمون عليّ بحرارة ويذكرونني بالخير لأني عشت معه أخوة البحر على أحسن ما تكون".

النوخذة عبدالله إبراهيم إسماعيل
من نواخذة الحي القبلي المعروفين. أرسله والده وهو صغير إلى الشيخ أحمد الخميس لتعلم القرآن في ديوان الفوزان. ثم تعلم عند الملا في الكتاب مبادئ الحساب، وكان والده يدفع أربع روبيات في الشهر لقاء تعلم ابنه الحساب، نظراً لأنه كان يود أن يساعده في حساباته البحرية.
ركب النوخذة عبدالله إسماعيل البحر أول مرة مع النوخذة يوسف الجاسم المبارك في السفينة "طارق" لمدة سنة واحدة، تعلم فيها مبادئ الملاحة والقياس من هذا النوخذة القدير. كما ركب مع والده عدة سنوات قبل أن يتسلم قيادة بوم النوخذة عبداللطيف العثمان عام 1944م، وعمره حوالي 26 عاماً.
وبعد عام واحد في قيادة هذه السفينة، ركب في قيادة بوم النوخذة عبدالوهاب العثمان المعروف باسم "فتح الرحمن" وهو ذو حمولة تقارب 2300 من. وفي قيادة هذه السفينة أمضى ست سنوات متصلة.
وفي إحدى رحلاته على بوم النوخذة عبداللطيف العثمان، شحن التمر من البصرة، ونقله إلى دبي حيث كانت في مجاعة في تلك السنوات (سنوات الحرب العالمية الثانية). وكان القنصل في دبي آنذاك عبدالرزاق رزوقي. وأما عن رحلاته على بوم فتح الرحمن، فقد كان يذهب إلى الهند لنقل التمر وإحضار الأخشاب مرتين في الموسم الواحد، وكانت كل رحلة تستغرق حوالي الأربعة أشهر.
وفي رحلة أخرى على فتح الرحمن، كانوا عائدين من الهند قاصدين البحرين وإذا بعاصفة تضطرهم لإنزال الأشرعة وترك السفينة تحت رحمة الرياح والأمواج. وكان النوخذة عبدالوهاب في الكويت يترقب خيراً عن السفينة، وكان يظنها قد وصلت البحرين. ولكن مضت أيام ولم يسمع عنها خبراً.
وبعد أيام وصلت برقية إلى النوخذة عبدالوهاب باللغة الإنجليزية، فأرسل ابنه عثمان لكي يبحث عمَّن يقوم بترجمتها. ولّما تم ذلك علم النوخذة عبدالوهاب أن السفينة بخير هي وملاحيها، لكنها في أحد الموانئ الساحلية الإيرانية وبعد أيام وصلت بسلام إلى الوطن.
وفي أواخر الأربعينيات من القرن العشرين بدأت المحركات تدخل في جوف السفن الشراعية، فركب النوخذة عبدالله على إحدى هذه السفن للتاجر عبدالعزيز حمد الصقر عام 1952م ولمدة سنتين. ثم اشترى هذه السفينة التاجر يوسف العبدالرازق، وطلب من النوخذة عبدالله أن يستمر في قيادته لمدة عامين.
ثم تغير صاحبه واستمر النوخذة عبدالله في قيادته لمدة عامين. ثم تغير صاحبه ثانية واستمر النوخذة عبدالله في قيادته ثلاث سنوات أخرى. ولقد كانت جميع هذه الرحلات إلى الهند.
وفي عام 1958م ترك النوخذة عبدالله السفر البحري، وعمل مرشداً للبواخر في ميناء الشويخ، وكان زملاؤه هناك قباطنة كبار مثل النوخذة بدر عبدالوهاب القطامي، والنوخذة عيسى النشمي. وبعد 16 عاماً قضاها مرشداً ترك هذه الوظيفة التي كان راتبه منها في أول عام لا يتعدى 150 روبية. وفي عام 1973م، وبعد أن ترك هذه العمل باشر عملاً تجارياً ناجحاً استمر إلى هذا اليوم.
ومما يتذكره جيداً أنه في عام 1947م كان في بومباي، فأبحر قاصداً الكويت. وفي الوقت ذاته أبحر من جوه النوخذة حجي بهمن على سفينة صغيرة بها حوالي اثني عشر بحاراً من جماعته. وفي الطريق أصابتهم عاصفة "ضربة الأحيمر" في الثامن أو التاسع من شهر نوفمبر، وغرقت السفينة، ومات جميع ركابها، ولم يعثر على أحد منهم.
ولقد عرفت هذه الكارثة بطبعة عيال بهمن. وما زال الكثيرون من أهل البحر والنواخذة يذكرونها حتى اليوم. ولقد سلم النوخذة عبدالله منها، فالحي ليس بأخ للميت، كما يقول.
وفي ختام حديثه، يقول النوخذة عبدالله إسماعيل: "نعم يعنّ البحر عليّ. ولكن أين البحارة الذين كانوا مثل الإخوة؟! لقد كان النوخذة عبدالوهاب العثمان يقول لي: "كلما خايرت (أي غيرت اتجاه الشراع) يا عبدالله، أنت في قلبي".
أي أنه كان يعرف المعاناة التي كنت أتكبدها نتيجة للاعتماد على بحارة غير كويتيين. لكن لكل زمان دولة ورجال. وأنا لم أجعل الهموم تتغلب عليّ. لكني انشغلت عن عملي التجاري.
ولقد كنا نعرف قيمة المادة وأهميتها في تأسيس الإنسان، لذا حين توقف السفر الشراعي اتجهت بسهولة إلى التجارة. لقد كنت أحسب لها حساباً، وأنا مازلت نوخذة أسافر على السفن الشراعية. ولم أجد فرصة للتفكير في الماضي والحزن على ما فات.
وأنا اليوم، والحمد الله بخير كثير. لكن لا أجد اهتماماً بالبحارة أو بالنواخذة، مع أننا كنا نخاطر بشبابنا ورجالنا في سبيل الوطن".
ومن الجدير بالذكر حبه الشديد وإعجابه الشديد بالنوخذة القدير عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان، ولقد روى مواقف مؤثرة متعددة عنه أثبتناها في موضعها المناسب بثنايا هذا الكتاب.

النوخذة علي حسن الشطي
هو ابن النوخذة حسن الذي دربه وعلمه على فنون الشراع والسفر والتنوخذ، فأصبح سكوني مع والده فترة من الزمن. ثم عمل في بوم للقطاعة. أما في الصيف فكان يقوم بنقل الماء من شط العرب إلى الكويت.
وفي منصف الثلاثينيات أصبح نوخذة على بوم للعثمان خلفاً للمرحوم النوخذة محمد صالح، الذي توفي ودفن في جزيرة الشيخ، فاستلم قيادة هذه السفينة من بعده لعدد من السنين، انتقل بعدها إلى قيادة البوم "سمحان" للتاجر خالد الداوود المرزوق، ثم في بوم "المنصور" للمرزوق أيضاً، حتى أواخر الخمسينيات حين ترك السفر.
وكان النوخذة علي الشطي من النواخذة القلائل الذين استمروا في قيادة السفن حتى نهاية الخمسينيات بالرغم من صعوبة الحصول على بحارة كويتيين، ولم يلتحق بوظيفة حكومية حين ترك البحر.
وفي عام 1976م توفي النوخذة علي بعد سنوات طويلة في خدمة السفر الشراعي الكويتي، رحمة الله عليه.

النوخذة عيسى يعقوب بشارة
ولد النوخذة عيسى يعقوب بشارة عام 1919م في منطقة الشرق بالقرب من فريج (حي) الشيوخ، وقد أدخله والده النوخذة يعقوب بشارة مدرسة حمادة ثم المدرسة المباركية فالأحمدية، وقد ركب البحر لأول مرة عام 1928م وعمره آنذاك تسع سنوات بصحبة والده إلى الهند، ولم يتجاوز ستة عشر عاماً، حتى أصبح "معلماً" أي مساعداً للنوخذة في الحسابات الفلكية.
ثم سافر مع النوخذة حسن اللنقاوي في البوم "سردال" ملك التاجر النوخذة أحمد الخرافي معلماً أيضاً. حتى عاد إلى البوم سردال لأحمد الخرافي ولكن كنوخذة هذه المرة عام 1938م، وهكذا في البوم "نايف" للتاجر يوسف المرزوق لمدة عامين، ثم في عام 1942 وحتى عام 1953 في بوم "الفتح" لمحمد وثنيان الغانم، ثم أربع سنوات في تجارته الشخصية كنوخذة حتى عام 1957 كان يقوم خلالها بنقل البضائع والذهب لتجار آخرين كذلك.
رحلة بحرية استمرت زهاء عشرين عاماً كانت كلها ريادة وقيادة وصل فيها إلى جميع الموانئ الهندية مثل: بومباي وكراتشي وبوربندر وخورميام وبراوه وجام نقر وقوه وكاروار ومنقلور وكنانور وكاكليوت وكوشي وألفي.
وكذلك الموانئ الإفريقية في السواحل الشرقية لإفريقيا مثل: زنجبار ومقديشو وممباسا وماركه ولاموه ودار السلام. ومن خلال هذه الرحلات إلى هذه الموانئ كانت تحصل أحياناً بعض المشكلات.
ففي إحدى هذه الرحلات فاجأتهم عاصفة قوية تكدر النفس، وكان برفقته النوخذة محمود العصفور. لكن النوخذة عيسى استطاع في تلك الرحلة أن يثبت أن سفينته هذه "محمل بحر" وأنه نوخذة صلب لا يهاب.
وهناك رحلة أخرى على "الفتح" تحدث عنها النوخذة عيسى إلى د. يعقوب الحجي، وكانت رحلة صعبة لم يحدث له أسوأ منها، فقد كادت العاصفة (عيوقي) أن تغرق "الفتح" بعد أن أطاحت "بالسكوني" من مكانه وكسرت أسنانه، وكانوا بالقرب من ساحل مكران "بلوشستان" لكن "الفتح" قاوم ببسالة وكذلك بحارته وقبطانه، بعون الله تعالى والتوكل عليه.
كذلك ذهب النوخذة عيسى إلى أقصى ما كان يذهب إليه الكويتيون في إفريقيا وهو دلتا الروفيجي، وخيران سمبا أورنجا في تنزانيا. ولا شك أن دخول السفينة الشراعية إلى تلك الأماكن يتطلب النوخذة المناسب، فكان الرجل المناسب لتلك المهمة.
قام النوخذة عيسى بقيادة سفن أخرى من بينها بوم التاجر أحمد الخرافي "سردال" ولم يشأ أن يترك البحر إلا بعد أن توقف التجار عن إرسال سفنهم الشراعية إلى الهند وإفريقيا، عندها ترك النوخذة عيسى السفر الشراعي، وبقي في الكويت، وكان لديه مكان على ساحل البحر (شاليه في الخيران) يذهب إليه في نهاية كل أسبوع وكان يستقبل فيه من عنده شوق لمعرفة بعض صفحات من تاريخ هذه البلد البحري.
وقد ذكره أحد البحارة حين قال: "إنك حين ترى النوخذة عيسى على البر، تظن أنه رجل عادي، لكنك حين ترابعه في البحر تجده يقود المحمل مثل السبع… إنه نوخذة من أطيب النواخذة".
ولعله من المناسب أن نختتم حديثنا عنه بحادثة مؤثرة يرويها عن نفسه إلى الأخ الباحث في التراث الكويتي الأستاذ عادل محمد العبد المغني والذي وثقها في كتابه "لقاء مع الماضي" قائلاً:
"المواقف كثيرة.. وإليك هذه الحادثة التي تعرضت لها شخصياً وحدثت لي في عام 1943م، عندما كنت نوخذة لبوم "الفتح"، وكنا قد حملنا التمر من البصرة ووجهة سيرنا إلى الهند وكانت السفينة بمنتصف الخليج العربي.
وما إن حل علينا الظلام حتى هبت علينا رياح شديدة وكان علينا موسم الهرفي وكثير من النواخذة يتحاشون هذا الموسم الذي يكون في شهر أغسطس وما يصاحبه من أنواء، (وكنا خلال السفرة رافعين الشراع العود) وهو أكبر أشرعة السفينة، وفي هذه الحالة يمكن أن يتمزق الشراع من شدة هبوب الرياح، فأعطيت تعليماتي للبحارة لإنزال (الشراع العود) ورفع الشراع الأصغر (السفديرة) ومع شدة هبوب الرياح والظلام الدامس وارتفاع الموج لم أجد نفسي إلا وأنا ملقى في عرض البحر.
هكذا شاءت الظروف أن أنجرف بمفردي في وسط الأمواج العاتية وهي تتخاطفني، ومن شدة ارتفاع الموج ابتعدت عن السفينة حتى اختفت في وسط الظلام، فسلمت أمري إلى الله تعالى فهو المحي والمميت.
وقد تملكني شعور بالقوة ولم أقنط من رحمة الله، فإن أراد الله لي الحياة فسوف أنجو وإن لم يكن فتلك مشيئة رب العالمين سبحانه وتعالى.
أمضيت فترة طويلة تتلاقفني الأمواج على غير هدي وبقيت على هذه الحال قرابة ثماني ساعات وكان رفاقي على ظهر السفينة في حالة عصيبة لفقدانهم نواخذهم، وكانوا قد أنزلوا قارب النجاة (الماشوة) للبحث عني حول السفينة، وتناوب الرفاق في البحث، فكل ساعتين تستبدل مجموعة بأخرى.
وبعد تلك الساعات الطويلة بدأ الإجهاد يدب في جسدي، ولم أكن في ظل هذه الظروف أملك حولاً ولا قوة إلا إيماني العميق الراسخ برب العباد، فهو المنقذ إذا أراد أن يكتب لي عمراً.
وبينما أنا أدعو بما ألهمني الله من دعاء شاهدت جسماً قريباً في جنح الظلام، وظننت أنها سمكة كبيرة، فحاولت التعلق بها وليكن ما يكون، ولكن لم يكن ظني بمحله فما هو إلا قارب النجاة (الماشوة)، وعليه رفاقي الذين جاءوا لانتشالي من الغرق بعد معاناة استمرت طويلاً".

النوخذة منصور إبراهيم الخليل الخارجي
النوخذة منصور إبراهيم الخارجي من أكبر النواخذة الذين ظهروا في جزيرة فيلكا ومن أشهرهم، بل هو واحد من كبار نواخذة الكويت وقباطنتها، حتى إن بعضهم لقبه "بشيخ المعالمة" نظراً لتفوقه في علم "القياس" وتحديد مواقع السفينة في عرض البحار.
ولقد اشتهر بين نواخذة وتجار الكويت، فقام بقيادة العديد من السفن الشراعية الكويتية، ولم يترك السفر إلا في عام 1944م، بعد أن بدأت المحركات البخارية تدخل في صناعة السفن الشراعية وبعد أن بدأ السفر الشراعي الكويتي بالركود.
ولد النوخذة منصور في جزيرة "خرج" قبالة الساحل الإيراني للخليج، ثم استقر والده في جزيرة فيلكا، وبدأ تعلم ركوب البحر وعمره لا يتعدى ست عشرة سنة، فركب أول الأمر مع أخيه علي في السفينة البغلة "السلامتي" للتاجر محمد الغانم، وكان ذلك عام 1313هـ (1895م).
وفي عام 1324هـ (1906م) أصبح "معلماً" مع أخيه علي "في خدمة الوالد الحاج إبراهيم خليل". أصبح بعد ذلك نوخذة يقود السفن الشراعية إلى الهند وساحل إفريقيا الشرقي.
ركب النوخذة منصور العديد من سفن الكويت المشهورة، فقد ركب على بوم شاهين الغانم المعروف باسم "الوشار" وهو من السفن كبيرة الحجم، كما ركب سفينة أخرى لعائلة الشاهين الغانم هي البوم "كاكه" أو "النيباري"، ولقد قاد هذه السفينة إلى العديد من موانئ الهند وإفريقيا وكان خبيراً بالملاحة وقيادة السفن. بالإضافة إلى إتقانه اللسان العربي والفارسي والهندي والسواحيلي. كذلك تسلم قيادة البوم "المصفى"، والبوم "موافج" لعائلة العثمان، وهو من أقدم وأشهر خشب الكويت.
ترك النوخذة منصور الخارجي مخطوط كتاب أسماه "القواعد والميل والنتيجة وعلم البحر" يقع في حوالي 193 صفحة من القطع الكبير، وقد قسمه إلى خمسة أبواب أو أقسام ضمنها قياسات خطوط الطول والعرض وكذلك التضاريس والعلامات الدالة على بعض الجزر، كما ضمنه نصائح لنواخذة السفن الشراعية (راجع كتاب "ربابنة الخليج العربي") تأليف خالد سالم محمد.
وفي عام 1372 هـ (1952) توفي النوخذة منصور الخارجي عن عمر قارب الثمانين عاماً.

النوخذة يعقوب بشارة
ارتبطت عائلة بشارة البحر والسفر الشراعي الكويتي منذ زمن طويل. فقد كان كبيرهم معيوف بشارة نوخذة يقود السفن الشراعية إلى الهند، وكان يعد أحفاده وأولاده لركوب البحر.
فظهر فيهم النوخذة يعقوب بشارة، الذي اشتهر بقيادة السفن مثل البوم "ظبيان" للتاجر عبدالمحسن الخرافي، والذي قاده عدة سنوات إلى الهند، ثم البوم "المحمدي" للتاجر والنوخذة عبدالله العثمان،والذي قاده حوالي خمس سنوات إلى معظم موانئ الهند.
وكان خلال هذه الرحلات يدرب العديد من الشباب على ركوب البحر وقيادة السفن، منهم ابنه عيسى وأقاربه، الذين أصبحوا فيما بعد وبخاصة النوخذة عيسى من أفضل ما ظهر في الكويت من نواخذة السفن الشراعية.

النوخذة يعقوب خلف اليتامى
ولد النوخذة يعقوب خلف اليتامى (أبو يوسف) في منطقة القبلة بمدينة الكويت القديمة عام 1913م، وتلقى تعليمه في عدة مدارس أهلية كعادة الكويتيين في ذلك الوقت، فدرس عند "المطوع" الشيخ محمد الهولي، ثم في مدرسة الشيخ يوسف بن حمود، وبعدها مدرسة شملان بن سيف للأيتام، وأخيراً بالمدرسة الأحمدية في العشرينيات، وهي ثاني مدرسة نظامية بعد المباركية.
عمل في شبابه المبكر في صيد السمك والغوص على اللؤلؤ لعدة سنوات ثم ركب البحر (كبحار) في "بوم دسمان" مع النوخذة منصور المبارك، وعندما تمرس في شؤون البحر والأسفار أصبح "سكوني"، وهو الذي يتولى قيادة سكان (دفة) السفينة، واستمر لمدة ثلاثة سنوات ثم اصبح "معلماً"، وهو الذي يقوم بمساعدة النوخذة، بالإضافة إلى تولي مهمة تحديد سير السفينة بواسطة الخرائط البحرية التي تعرف بالنولي، بالإضافة إلى استخدام "الديرة"، وهي عبارة عن البوصلة البحرية، وأيضاً "الكمال"، وهو ما يعرف في الوقت الحاضر بجهاز "السكستان"، ويستخدم وقت الزوال لمعرفة خط السير والمسافات والطول والعرض.
وعمل بوظيفة "معلم" لدى النوخذة يوسف عبدالوهاب القطامي في بوم سفار يلقب "بالغزال" لمالكه أحمد محمد الغانم وذلك لمدة سنتين، وعمل أيضاً في الوظيفة نفسها لدى النوخذة عبدالحميد العبدالجادر في "بوم سفار" ويلقب باسم "موافج" لمالكه يوسف محمد العثمان وذلك لمدة سنتين.
وبعد هذا التمرس والخبرة الطويلة في شؤون البحر وعلومه وارتياد كافة موانئ الهند وموانئ شرق أفريقيا بكل سهولة ويسر، أصبح النوخذة يعقوب خلف اليتامى * عن جدارة * نوخذة من نواخذة سفن السفر الشراعي بالكويت وتنوخذ في بوم "موافج" * السابق ذكره * لمدة سنتين، ورافقه في أسفاره عبدالله محمد العثمان للاستفادة من خبراته.
وفي عام 1948م تنوخذ في بوم يلقب باسم عادل، لمالكه خالد عبداللطيف الحمد وإخوانه، واستمر حتى عام 1953م، ثم سافر إلى الهند للعمل بالتجارة على حساب الحمد لمدة سنة.
وكان بود النوخذة يعقوب اليتامى الاستمرار بالعمل البحري لولا انتفاء حاجة الكويت لسفن الشراع، وإثر ذلك عمل في الميناء للاستفادة من خبرته كمشرف عام للنقل البحري لمدة جاوزت الخمسة والعشرين عاماً.
وللنوخذة يعقوب اليتامى عطاء وتفانٍ في مجال الخدمة العامة، فقد انتخب على مدى اثنتي عشرة سنة منذ عام 1976 وحتى 1987م كعضو ونائب للرئيس في جمعية الشامية والشويخ التعاونية بالإضافة إلى رئاسته لمجلس المنطقة لعدة سنوات.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نواخذة السفر الشراعي PAC3 التاريـــخ البحـــري 61 04-11-2012 01:01 AM
كتاب نواخذة السفر الشراعي في الكويت محمد90 البحوث والمؤلفات 0 08-11-2010 03:26 PM
قانون السفر PAC3 التاريـــخ البحـــري 4 13-01-2010 09:54 PM
كتاب : عائلة العثمان مدرسة السفر الشراعي العثمان البحوث والمؤلفات 13 11-05-2009 01:16 PM
(آل العثمان) عبد الله وملا عثمان العثمان - فرحان الفرحان 2/11/2001 IE التاريــخ الإجتماعي 2 11-10-2008 02:48 PM


الساعة الآن 10:36 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2018
جميع الحقوق محفوظة لموقع تاريخ الكويت