عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 16-05-2010, 02:37 AM
IE IE غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
الدولة: الكويت
المشاركات: 2,656
افتراضي

كان يوم خميس من فبراير 1981 والكويت تعيش على وقع الانتخابات. ارفع رأسي عن اوراق مكتبي لأفاجأ بشخص يقف امامي بكل ثقة واحترام. يعرفني بنفسه ولم اكن التقيته من قبل. «انت جاسم؟» يسألني ويستأذن بالجلوس كي يأخذ من وقتي بضع دقائق، فأستسمحه انا مربكا من وقع المفاجأة بالتفضل فاسحا له كرسي مكتبي الشخصي على ان اجلس انا على كرسي الضيوف. يرفض مصرا على ان نجلس قرب بعض لانه يريد ان يعرض علي برنامجه الانتخابي كمرشح عن الدائرة الثانية - ضاحية عبد الله السالم حيث انتخب، ويتمنى ان اصدقه القول في ما اراه صائبا او يحتاج الى تعديل «فانت شريكي كناخب ولا ارضى الا ان تحاسبني اذا تجاوزت في عملي البرلماني ما اتفقنا عليه»... ثم يودعني معتذرا عن المباغتة في اللقاء ممسكا بيدي حتى باب الخروج.
كان ذلك قبل نحو ثلاثين عاما... وكان اسم الرجل وحده كفيلا بأن يبقيني في حال ارتباك وذهول لما له وقع في كل الكويت ومن مكانة في قلوبنا ومن اعجاب وتقدير واحترام في نفوسنا.
كان اسم الرجل محمد الرشيد... وكان اول شيء فعلته بعد الزيارة ان انتخبت «شريكي» بلا تردد، بل كنت وأقراني نحشد له الاصوات حيث نستطيع لأننا وجدنا فيه قامة قادرة على ترجمة طموحاتنا من خلال التفاعل الجدي والمسؤول والراقي مع مطالب ابناء الدائرة.
رجل يملك من السمعة رصيدا كبيرا ومن التاريخ بحرا من الحضور ومن المسيرة ألق التجربة. يكفيه ان يرسل «مفتاحا» من مفاتيحه الانتخابية الى اي شخص ليقنعه بالتصويت له حيث الامر لا يحتاج الى كثير عناء، لكنه يصر على اللقاء الشخصي والنقاش الحر، حاملا ورقة صغيرة يدون عليها ملاحظاتنا مختارا لها مكانا مناسبا داخل بنود برنامجه الانتخابي اذا اقتنع بها، او متابعا النقاش بهدوء ليقنعنا بالعكس ان لم يقتنع... واصبحت ورقة الملاحظات هذه لاحقا كاميرا ترصد وقلما يؤرخ، اذ نادرا ما شوهد «ابو احمد» من دون تسجيل للحظات السياسية والتحولات الاجتماعية، رافضا الارتجال والاعتماد على السمع او وكالة «يقولون»، ايمانا منه بأن من حق الاجيال الجديدة معرفة الحقائق كما هي لا كما يريدها ابطال المراحل.
كان ذلك قبل نحو ثلاثين عاما... لكن محمد الرشيد هو محمد الرشيد قبل الاعوام الثلاثين ايضا بعقدين او اكثر. فهو منذ بدأ العمل العام يعتمد الشفافية والصدق واللقاء المباشر مع الناس. نجح في كل انتخابات خاضها. اعوام 1963 و1971 و1975 و1981 ولم يحالفه الحظ في انتخابات واحدة لم يكن هو ليرضى بنتائجها اصلا، اي الانتخابات المزورة عام 1967.
عندما تستذكر قامة بحجم محمد الرشيد فكأنك تقلب صفحات موسوعة من المواقف الوطنية. تعاين بدقة وبالعين المجردة جزءا من تاريخ الديموقراطية والحريات وحقوق الانسان في الكويت. وعندما تندمج الذكرى مع الموقف نصبح وجها لوجه امام مسيرة غنية بالعطاء يصعب معها التوقف عند امثلة بعينها لان الرجل نفسه كان... المثل.
امس، سمعت الاذن فدمعت العين. لا يمكنني ان اغالب الأسى عندما اعرف ان من كان لدماثة خلقه يستأذن في الحديث غادرني من دون استئذان. باغتني ولم يستطع الاعتذار. لم يترك لي خيار توديعه الى الباب. لم يناقشني في الغياب... فالاقدار مبرمجة ولا خيارات فيها.
محمد الرشيد كنت وما زلت «شريكا» لجميع الكويتيين في قيم الحق والعدالة والحرية... رحمك الله واسكنك فسيح جناته وألهم اهلك واصحابك والكويت الصبر والسلوان.

جاسم بودي - جريدة الراي - 16/5/2010
__________________
"وَتِـــلـْــكَ الأيّـَــامُ نُـــدَاوِلـــُهَـــا بـَـيـْـنَ الـــنَّـــاسِ"
رد مع اقتباس