المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية الماء في الكويت


AHMAD
04-07-2008, 09:31 AM
حكاية الماء في الكويت

طلال الرميضي ..


للماء حكاية طويلة في تاريخ الكويت، وقد تعرض لها العديد من المؤرخين والباحثين من قبل، وهذه جولة في بعض ملامح هذه الحكاية.
فقد تأسست كل المدن والقرى على مقربة من مصادر المياه العذبة من أنهار أو آبار جوفية، ولم تكن الكويت استثناء من ذلك، فرغم خلوها من الأنهار إلا أنها لم تكن لتشهد استقراراً بشرياً دائماً بهذا الشكل في الأربعمائة سنة الماضية لولا وجود بعض الآبار العذبة، والتي كانت على قلتها كافية للعدد المحدود من السكان في بداية الأمر.

ولكن التطور السكاني الذي شهدته الكويت مع تحولها إلى دولة ذات اقتصاد ناهض، وعلاقات دولية مزدهرة في بدايات القرن العشرين بفضل جهود حاكمها السابع الشيخ مبارك الكبير أدى ذلك إلى عدم إيفاء الآبار التي تحتويها الكويت بحاجة البلاد والوافدين الكثر إليها مما دفع القائمين على البلاد للتفكير بموارد مائية جديدة، فكان التفكير ينحو باتجاهين: الأول.. هو محاولة الاستفادة من وجود نهر عذب على بعد 80 كم من العاصمة هو (شط العرب)، فكان نقل الماء بالسفن أول الأمر ثم التفكير بمد أنبوب لنقل المياه، وهو الأمر الذي لم يكتب له النجاح، وكان الاتجاه الثاني نحو إنشاء محطات لتقطير مياه البحر، وهو الأمر الذي حل مشكلة المياه في الكويت منذ الخمسينيات وحتى يومنا هذا، وسمح لها بتحقيق تضاعف سكاني وعمراني لعشرات المرات خلال السبعين عاماً الماضية.

ولشحة الماء قصة طويلة مع الماء، وكلنا يذكر تلك القصيدة التي قالها شاعر الكويت الشهير فهد بورسلي المتوفى سنة 1961م عندما ظهر النفط، ومنها:


ليت هالنفط الغزير * ينقلب مايٍ غدير
ما نبي النفط ومعاشه * صرنا للعالم طماشه
أهلها ماتوا عطاشه * ضاع بالطوشه الفقير
من الفجر شايل قْرَبّه * بس يبي لو درب يصبه
نفطها غرّق أوروبه * والظما بْها يستدير
جابوا (كنديسه) جديدة * قالوا بالعالم وحيدة
قلت خير الله يزيده * وازرعوا حنطة وشعير
لا زرعنا ولا شربنا * كل قيظة نصيح ربنا
من عجمنا ومن عربنا * كل من أصبح خطير
عرباين ما تبيعك * والمهارا ما تطيعك
من عوينك من فزيعك * نشتكي عند الأمير
ما نلومك يا بلدنا * والسبب كثرة عددنا
شف بلادك يا ولدنا * ما بها مفرش حصير
وقصيدته الأخرى في تصوير أزمة المياه، ومنها:
طاق وطرباق على الماي * وين نولي يا مولاي
شايبنا يمشي ويطيح * نوبة يصوّت نوبة يصيح
شَزْيَدْ من هذا التصريح * صوَّت ولا له حمّاي
وعْجَيّزنا مثل البطة * تشيل القوطي وتحطه
بذمّة من دبّر هالخطة * خلّى العالم رايح جاي
شيل القوطي يبغى حيل * وين الحرمة ووين الشيل
كم مرة يدعمها التيل * وتْشَنْقِلْ مثل السبّاي
طاق وطرباق على الماي * وين نولّي يا مولاي


إذن، فحكاية الماء في الكويت قديمة، ومتشعبة، وهي في الغالب تدور على ثلاثة مصادر تصوغ تفصيلاتها هي (الآبار ومياه المطر – مياه شط العرب – تحلية ماء البحر)، فتعالوا نتجول مع هذه المحاور الثلاثة:


أولاً: الآبار ومياه المطر
اعتمدت الكويت في السابق لسد حاجتها من المياه على الآبار الموجودة في عدد من مناطق الكويت، وكانت هي المصدر الرئيسي لمياه الشرب، وكانت أبرز الآبار تلك الواقعة في مناطق الشامية وكيفان والدسمة والعديلية والشعب، وفي البادية المحيطة بمدينة الكويت تقع العديد من الآبار المهمة، ولعل أشهرها آبار الصبيحية والوفرة وبرقان في الجنوب، والروضتين في الشمال، والصلبيية (قليلة الملوحة) في الغرب، والآبار العذبة في القرى الزراعية في الجهراء وحولي والنقرة والقصور (الفنطاس وأبو حليفة والفحيحيل).

وفي سنة 1905م عندما قاربت مياه الشامية وكيفان على النفاد اكتشف أول بئر يحتوي على مخزون كبير نسبياً من المياه العذبة في منطقة حولي مما شكل تعويضاً مناسباً، وفي عهد الشيخ احمد الجابر تم في سنة 1927م التنقيب عن المزيد من الآبار لكن تلك المحاولات فشلت لعدم وجود مياه جوفية في المنطقة التي تم الحفر بها.

وكانت المياه تنقل من الآبار إلى البيوت عبر السقاءين المعروفين بالحمّارة، وكانوا يستخدمون حيواناتهم في نقل قرب الماء، وتفريغها في حبوب الماء الموجودة في البيوت، والحبوب جمع حب (بكسر الحاء)، وهو ما يعرف بالزير أو الجحلة لحفظ الماء بارداً في البيوت بالإضافة إلى الحمارة كان المياه تنقل بواسطة سقاءين يعرفون بـ (الكنادرة)، والكندري هو الشخص الذي يحمل الماء ليوصله إلى البيوت مستخدماً علبتين من التنك تسع الواحدة 4 جالونات، ويتم تعليق كل واحدة منهما بواسطة حبل في أحد طرفي الكندر، وهو عصا أو عمود يضعه الكندري على كتفه، ويذكر حمد السعيدان في موسوعته أن كلمة (كندر) تعني: (عصا يتدلى من طرفيها تنكتان لنقل المياه, وحاملها يسمى كندري).
وتجدر الإشارة إلى وجود سوق في العاصمة كان يعرف بسوق الماء، ويقع في المباركية إلى الشرق من مسجد السوق كان يتجمع به باعة الماء.

ويذكر الأستاذ محمد عبد الهادي جمال في كتابه عن (أسواق الكويت القديمة) أن سوق الماء كان يقع في الناحية الشمالية الشرقية من ساحة الصرافين قرب مدخل سوق ابن دعيج، وكان بجانبه سبيل للماء تابع للمرحوم عبدالعزيز بن دعيج، وكان الحمارة يقفون بجانب حميرهم في تلك الساحة التي كانت تسمى سوق الماء وعلى ظهورها قرب الماء انتظاراً للمشترين الذين كانوا يشترون الماء من هناك لأخذه لبيوتهم في طريق العودة من السوق
وتجدر الإشارة إلى أن مياه الأمطار على ندرتها كانت تمثل مصدراً مساعداً عبر الخباري التي كانت تتكون بعد الأمطار الغزيرة، فكان الحمّارة يجلبون الماء من تلك الخباري كما كان الأهالي يستخدمون قماشاً من نوع الطربال لجمع مياه الأمطار التي تهطل على منازلهم، وتخزينها للاستخدام بالإضافة إلى استغلالهم للآبار قليلة الملوحة في بيوتهم للاستخدامات التنظيفية، وما شابه لتوفير المياه العذبة المشتراة لاستخدامات الشرب والطبخ فقط.

ولا ننسى أن مدينة الكويت نفسها كانت تحوي بعض الآبار القريبة من السطح، وهي في الغالب من الماء قليل الملوحة المعروف عامياً بالمروق تفريقاً عن الأنواع الأخرى، وهي مياه الشط ومياه الآبار، وكان ينادى على هذين النوعين بتسمية (ماي شط، وماي عد).


ثانياً: مياه شط العرب
بدأ التفكير بنقل المياه العذبة من شط العرب في جنوبي العراق إلى الكويت عبر السفن الشراعية في زمن الشيخ مبارك الصباح عندما قلت أهمية رحلات الغوص على اللؤلؤ، ولم يعد للسفر الشراعي كثير أهمية مع انتشار السفن الحديثة المسيرة بالوقود، وللعلم فإن نقل الماء عبر السفن له أصول أقدم في التاريخ الكويتي حيث كان ينقل بعض الماء العذب من جزيرة فيلكا عبر السفن، ولكن بطريقة غير منتظمة كما ذكر في تقرير إنكليزي سنة 1820م، وجلبت أول سفينة المياه من شط العرب سنة 1908م، وهي من نوع (التشالة)، وكان يملكها محمد اليعقوب، وفي سنة 1910 أصبحت خمسين سفينة تقوم بنقل الماء من شط العرب لبيعه على الأهالي في الكويت، وفي سنة 1913 اشترى الشيخ مبارك السفينة (سعيد) المهيئة بالخزانات لنقل ما يقارب من 72000 جالون من ماء شط العرب.

واستمر نقل المياه بهذه الطريقة، وتم تحوير السفن لتتمكن من نقل أكبر كمية من الماء باستخدام الخزان الخشبي المعروف بالفنطاس بدل البراميل، وكثرت (أبوام الماي) كما أصبحت تسمى مستفيدة من العائد المالي الجيد، وقصر المسافة التي لا تتجاوز ثمانين كيلاً حتى بلغ عددها سنة 1911م خمسين سفينة، وكثر (نواخذة الماي) المتخصصون بجلب الماء، وبيعه على الأهالي أو الغاصة أثناء موسم الغوص، ومنهم على سبيل المثال : (إبراهيم النصر الله، وعبد العزيز البرجس، وإبراهيم ناصر النجدي، وأحمد الرويح، وعبد الكريم حسين بو الملحن، وغيرهم)، واشتهرت (نقعة شملان ) بالحي الشرقي و(نقعة غنيم) بالحي القبلي برسو غالبية أبوام الماء فيهما.

وتطور الأمر حتى سنة 1940م عندما تأسست في الكويت شركة خاصة كان مقرها في السوق الداخلي برئاسة التاجر خالد الزيد الخالد لإدارة الأسطول المكون من المراكب والسفن الشراعية لنقل المياه من شط العرب، وأوكلت الشركة إلى الإستاد المعروف حجي سلمان بصناعة ثلاثة وثلاثين بوماً للماء، وتم بناء ثلاثة خزانات على شاطئ الخليج لجمع المياه التي تجلبها المراكب يومياً، وتوزيعها حيث كان يتوجه الكنادرة والحمّارة وبقية المواطنين إلى تلك الخزانات أو الأحواض لملء أوعيتهم بالماء مقابل ثمن معلوم، فكان السقاء يصعد إلى سطح السفينة لملء القواطي بالماء من فنطاس السفينة، ويتوجه بعد ذلك إلى الأحياء السكنية لبيع الماء على البيوت، و مع حلول سنة 1946 وبداية تصدير النفط كانت تلك الشركة تمتلك 45 مركبا شراعيا لنقل المياه بصورة مستمرة.

وتطور الأمر في بداية حكم الشيخ عبد الله السالم للتفكير في مد أنبوب بري لنقل مياه شط العرب، ولكن الأمر رفض إقراره بسبب الوضع غير المستقر في العراق، وكراهة الاعتماد على بلد آخر في توفير شريان الحياة مما يشكل ضغطاً على استقلالية البلاد، وكان الأجدى والأسلم والأكثر حكمة أن تحل المشكلة داخلياً بتطوير صناعة تحلية المياه بعيداً عن بلد مجاور ثبت فيما بعد أنه مقبل على اضطرابات سياسية خانقة.


ثالثا: تحلية مياه البحر
عندما حدثت في سنة 1911م أزمة في المياه بسبب تضاعف سكان البلاد أدرك حاكم الكويت وقتئذ الشيخ مبارك الصباح أن شحة المياه العذبة ستحول دون طموحاته الرامية لتطوير بلده، فالتفت إلى البحر بتشجيع من المقيم البريطاني الكابتن شكسبير، واستورد ماكينة لتحلية المياه بمساهمة من بعض التجار الكويتيين في اكتتاب عقد لهذا الغرض كما يذكر الدكتور يعقوب الحجي في كتابه عن (النشاطات البحرية القديمة في الكويت)، فشحنت الماكينة من بريطانيا سنة 1915م، واستقدم خبير إنجليزي لتشغيلها، وقد توفي الشيخ مبارك قبل أن تعمل الماكينة بعد أربع سنوات في 17 مارس 1919م لتنتج حوالي 4800 جالون من الماء العذب، ولكنها توقفت فيما بعد بسبب خلافات بين الشيخ سالم المبارك حاكم الكويت وقتئذ والشركة المسئولة عن تشغيل الماكينة كما أنها إنتاجها من المياه المقطرة لم يكن ينافس في عذوبته ماء الشط، واستمرت الخلافات حتى ألغي المشروع، وتم نقل تلك الماكينة إلى ميناء عدن اليمني في آخر الأمر.

ولكن عندما دخلت الكويت عالم الدول النفطية مع تصدير أول شحنة من البترول سنة 1946م كان واضحاً أن البلاد مقبلة على ازدهار اقتصادي ستصاحبه بلا شك زيادة هائلة في عدد السكان، ومع توفر العوائد المالية قامت شركة نفط الكويت في مطلع الخمسينيات بإنشاء وحدة صغيرة لتقطير مياه البحر في ميناء الأحمدي بطاقة إنتاجية قدرها ثمانين ألف جالون من المياه العذبة يومياً، وزيادتها بشكل مستمر لتلبية الطلب حيث بدأ العمل فيها باستخدام أسلوب الأنبوب المغمور، وهي طريقة تقليدية لتبخير مياه البحر حيث يتم بعد ذلك تكثيف البخار، وضخ الماء الناتج منه للخزانات، ولكن هذا الأسلوب كان باهظ التكاليف وقليل الإنتاج الأمر الذي حدا بإحدى الشركات الأجنبية إلي تطوير أسلوب جديد في تحلية مياه البحر يعتمد على التبخير الومضي، وبهذا كانت الكويت أول دولة تتبنى هذا الأسلوب.
وكانت محطة الشويخ أول محطة تقطير تنشئها الدولة، وذلك سنة 1953م بسعة إنتاجية قدرها مليون جالون يومياً، واستمر تطوير الإنتاج حتى أصبح في الشويخ عشر وحدات تقطير عاملة سعتها المركبة 32 مليون جالون يومياً.

ومع تزايد الطلب على المياه العذبة وتوليد الكهرباء كان التفكير في إنشاء محطات جديدة، ففي سنة 1965م بدأت محطة الشعيبة الشمالية في جنوب البلاد إنتاجها من المياه المقطرة بسعة 14 مليون جالون إمبراطوري يومياً ثم أنشئت بعد ذلك محطة الشعيبة الجنوبية في سنة 1971م بسعة خمسة ملايين جالون يومياًً، وأضيفت في سنة 1978م محطة الدوحة الشرقية ، ومحطة الدوحة الغربية سنة 1983م، وهما الأكبر حالياً، والأكثر إنتاجاً، وأضيفت للمحطات السابقة محطة الزور الجنوبية سنة 1988م.

ورافق هذا الاعتماد الكبير على تحلية مياه البحر تزايد عمليات الحفر للتنقيب عن النفط، وما صاحب ذلك من اكتشاف مياه جوفية على أعماق كبيرة، فكانت الاكتشافات الكبيرة في مياه الروضتين وأم العيش وبرقان والصليبية مما وفر تنوعاً في مصادر المياه ساهم في تحول الكويت إلى بلاد وفيرة الإنتاج للمياه العذبة، وسمح بهذه الوفرة وما نتج عنها من تضاعف سكاني ونهضة زراعية لافتة للانتباه.